الندوة التي تحدث عنها السيد نور الدين بالطيب في الملحق الثقافي لجريدة «الشروق» في تعليق بعنوان: قاهرو الظلام، لم اتابع وقائعها لأسباب لا يعلمها الا الجهة المنظمة وأنا، وقد جاء تعليق المحترم نور الدين بالطيب ليخفف عني بعض الأسف الحاصل من جراء الاقصاء المتعمد لشخصي عن حضوري تلك الندوة المخصصة للكتّاب المكفوفين على الرغم من كوني انتسب الى المكفوفين ولي علاقة بالأدب، ويشهد بذلك ما نشرت من كتابات، ولا تنكر علي السلطة الاجتماعية كففي فهي التي سلمتني بطاقة معوق بصري له أولوية. ويبدو ان القائمين على الندوة قد فهموا ان الاولوية الممنوحة لي هي اولوية التغييب والاقصاء الذي لا يعكس الا حالة الاهمال للأصول والتشبث بالفروع، وربما يكون غلاء وجبة الغداء هي التي حالت دون استدعائي الى تلك الندوة، وما دام الاتحاد يقدر انني نهم فلا لوم عليه ان ضغط على المصاريف وقلّص عدد المدعوين، ولا لوم ان اقصي الكتّاب في ندوة الكتّاب واستُدعي من شاء له نجم ليلة القدر ان يحظى بالدعوة. لقد كان تعليق الاخ نور الدين بالطيب في محله حين اكبر في المكفوفين المبدعين اصرارهم على الكتابة رغم المعاناة ورغم الظلام، بل ان السيد نور الدين بالطيب يفتخر بقاهري الظلام ويقارنهم بالمنتسبين بصفة فضولية للساحة الثقافية، فيخلص الى القول بما معناه حسب فهمي لما كتب: هؤلاء هم المبدعون الحقيقيون رغم الاعاقة والظروف القاسية. وعلى كل فقد كان للندوة شأن آخر سأختصر في ما يلي من اسطر وأفكار. طوال عقود متعاقبة من الزمن وأنا ابحث عن ذاتي بين الذوات، وأجهد عقلي في معرفة من اكون، وطال الوقت بي وذهب ادراج الرياح دون ان اهتدي الى حل يكون بلسما لجراحي، وجوابا عن اسئلتي الحائرة مثلي، ولكن قناعتي بأن الله سيهديني الى الجواب الشافي جعلتني لا امل البحث عن كينونتي. ولم يخب أملي: فقد جاءني من حيث لا احتسب، ولم يكن مصدر هذا الجواب مصدرا عاديا ككل المصادر، بل كان مصدرا لامعا جدا حتى انه يصعب على العين المجردة التحديق فيه لأكثر من طرفة عين، فلابدّ من نظارات واقعية كتلك التي نستعملها زمن الكسوف او الخسوف. بقدرة الناقد الثاقب والاكاديمي البارز يقف السيد عماد الدين شاكر في الجلسة العلمية الاولى لتلك الندوة ليقول بأن هناك من المكفوفين من اصبح من الادباء (اللامعين) وهناك من لايزال من الكتّاب (المغمورين) الذين لا يزالون يبحثون عن جريدة تنشر لهم مقالة، وعرفت أخيرا السبب الذ جعله يحجم عن دعوتي للندوة، فأنا هو الكاتب المغمور الذي يبحث عن جريدة تنشر له مقالة. والحقيقة انني كنت صاحب الصولات والجولات في ندوات الاتحاد الوطني للمكفوفين في الأزان التي كنت فيها من الكتاب (اللامعين) حيث لم اكن قد كتبت حرفا واحدا، وبعد ان كتبت الآن حروفا وكلمات اصبحت من المغمورين، وليس من المنطق ان تقع دعوة المغمورين الى النزل الفخمة التي لا يقدر عليها الا كبريات الشركات السياحية اللامعة. اما امثالي فيشاركون في تلك الندوات التي تقام في دور الثقافة الصحارى والأرياف وتحت الخيام والأشجار، جنبا الى جنب مع بقية الكتّاب المغمورين من سواعد هذا الشباب وفكره حيث لا ارائك ولا زرابي ولا خيار في نوعية الطعام فقط عليك بدفع معلوم النقل والسجائر وما يدخل في ضريبة الكتابة. لقد جعلتني الندوة اتحرق شوقا للظفر بمقعد في سدة اللامعين، لذلك رحت اجرب جميع الزيوت النباتية والحيوانية، ومستحضرات التجميل الكيمياوية التي ربما ستجعلني لامعا في نظر رئىس الجلسة العلمية لتلك الندوة، دون جدوى، جربت كل ذلك وأحجمت عن اساليب اخرى ليقيني التام بأن ادب اللامعين، وأدب المغمورين مفهومان اخترعهما السيد رئىس الندوة العلمية دون سواه من علماء النقد العربي الحديث والقديم، اما الكاتب المغمور والكاتب اللامع فهما من المسائل الدقيقة التي لا يمكن الخوض فيها الا من طرف هواة التصنيف العرقي للشعوب والمغرمين بالميز العنصري على اساس اللون الباهر واللون الباهت المعبر عنه في الدارجة المحلية التونسية «الطافي». أين يضع السيد رئيس الجلسة العلمية الاولى للندوة الكاتب العربي حنا مينة؟ في سدة اللامعين ام على دكة المغمورين؟ علما وأنه لم تقع دعوته الى نزل فاخر ولم يترأس جمعية تخول له السفر على الطائرة اكثر من السفراء والديبلوماسيين، ولم يركب سيارة فاخرة مزودة بسائق وهاتف جوال فقط كان يبيع الفجل على ناصية زقاق شعبي في الحواري العربية؟ وفي نهاية المطاف على الاتحاد ان يبرمج ندوة أخرى يختار لها شعارا اكثر واقعية كأن نقول مثلا»المبدعون المكفوفون واشكاليات التواجد في هياكل الاتحاد بدل الشعار المرفوع خلال الندوة الاخيرة «اشكاليات التواجد في المشهد الثقافي». الكيلاني بن منصور كاتب مغمور يبحث عن جريدة تنشر له مقالة