أكثر من ألف رجل تعليم عادوا للمؤسسات التربوية بعد الثورة ليقدموا دروسا بعد ما يناهز 23 سنة من الإنقطاع لاسيما في ظل تغير البرامج التربوية وتغير العقليات وتباعد الأجيال. والأسئلة التي تفرض نفسها في ظل هذه الوضعية هي أي مصير لتلاميذنا الذين يعيشون واقعا سريع التحولات بين أيادي مربين تجاوزهم الزمن وتجاوزتهم الأحداث ؟ وأية انعكاسات لصعوبة التواصل فيما بينهم على التلميذ ؟ وماهي إجراءات الوزارة في إعادة هؤلاء المربين للمؤسسة التربوية دون الإضرار بالتلميذ؟. «الشروق»اتصلت بالهياكل المعنية لرصد انطباعاتهم حول هذه المسألة وتناول الملف من مختلف الجوانب.
انحراف تربوي
وافاد نورالدين الشمنقي كاتب عام نقابة المتفقدين أنه توجد إشكاليتان لصنفين من الإنتدابات الأولى تهم الذين تم إعادتهم بعد العفو التشريعي العام والثاني يهم من تم انتدابهم في إطار الإنتداب الإجتماعي.
وقال: تلميذ السنة الأولى والسنة الثانية ابتدائي اصبح يدرس لدى معلم في سن الخمسين وبعد 20 سنة من الإنقطاع . واعتبر انهم غير مؤهلين وفاعلين في بيئة ذات خصوصية ولأن المعلم يقدم معارف ومعلومات فهو أيضا يساهم أساسا في بناء شخصية متوازنة ذات اتجاهات ومواقف ملائمة لبيئته ولعصره.
وتساءل هل يمكن لهذا الشخص الذي ابتعد عن البيئة الثقافية والمدرسة بصورة عامة أن يتواصل مع تلميذ اليوم وهل لهؤلاء المربين تكوين أساسي إلى جانب علم النفس التربوي والاجتماعي يؤهله للأخذ بيد هذا الطفل المتحمس والمتحفز للدخول إلى المدرسة ومرافقته اثناء عملية التعليم ؟
وأفاد: «يفترض ألا يتم إرجاع هذا المربي إلى القسم والنظر في إعادة إدماجه في أي وظيفة أخرى ولكن نحن أمام واقع وجد وتلاميذ يدرسون حاليا» واشار إلى أنه طرح الإشكالية مع وزارة التربية التي تفاعلت مع المشكل وتم في هذا الإطار بعث لجنة وطنية للتفكير في صياغة خطة أو استراتيجيا لتكوين المدرسين لها بعدان يهم البعد الأول التكوين الأساسي والبعد الثاني يهم التكوين المستمر.
وقال: «طرحنا بجدية تأطير هؤلاء الناس وطالبنا بخطة تكوين عاجلة لما سميناه انحرافا تربويا ويهم الإنتداب الإجتماعي والعائدين بالعفو إلى جانب قرابة 10 آلاف معلم يندرج انتدابهم ضمن ما سميناه بجريمة الصادق القربي في حق التربية واعتبرناه اكبر مثال على إفساد المنظومة التربوية وخلص إلى القول: «إن هؤلاء في حاجة إلى المرافقة».
وذكر أن التلامذة هم الضحية لأن المعلمين ليست لديهم الخبرة الكافية ولا المؤهلات العلمية والبيداغوجية لا سيما ان نسبة هامة منهم كانوا في السجون فيما المنظومة التربوية شملها الكثير من التحويرات في البرامج.
وأفاد نحن مع مراعاة حقوقهم ولكن كان من الأجدر إلحاقهم بوظائف أخرى لأن التربية ليست مهنة وإنما رسالة خاصة مع أشخاص في طور النمو. ومن جهته أفاد الطاهر ذاكر كاتب عام نقابة التعليم الإبتدائي لقد دافعنا عن الرجوع للعمل وبعثنا لجنة مشتركة مع الوزارة تناولنا فيها كل الوضعيات واحدة بواحدة. وقال منهم من هو قريب من التقاعد خيرنا أن يذهب إلى الوظائف الإدارية والبقية إعادتهم للتدريس على ان يتم إخضاعهم إلى تكوين خاص للعودة إلى العمل.
صعوبة التواصل
ولمعرفة الإنعكاسات النفسية على التلاميذ قال الدكتور عماد الرقيق أخصائي نفساني انه من المؤكد أن يجد المعلم الذي عاد بعد سنوات انقطاع طويلة صعوبة في التعامل مع جيل جديد خاصة الذين عاشوا سجنا مطولا.
واعتبر ان هؤلاء في حاجة إلى الذهاب لمركز العلاج النفسي حتى يتمكنوا من تجاوز الأزمات النفسية التي تراكمت عبر الزمن والتي يمكن أن يحملوها إلى البراعم الصغيرة إن كانوا في الإبتدائي أو تلاميذ مراهقين وفي مرحلة صعبة وهم تلامذة المرحلة الثانوية . وختم بأن هذه الشريحة من المربين هم في حاجة إلى دعم بيداغوجي ونفسي.
ومن جهته افاد محمود مفتاح رئيس المنظمة الوطنية للتربية والاسرة انه مع حق هؤلاء المربين في العودة إلى عملهم ولكن مع تمكينهم من الدعم والتكوين الكافيين حتى يتمكنوا من تجاوز الصعوبات التي تعترضهم أثناء تقديم الدروس خاصة وانهم مطالبون بالتواصل مع جيل جديد له افكار مختلفة وطريقة عيش وتفكير مختلفة وخلص إلى القول إن الرسكلة المكثفة مطلوبة لتجنب الصدام الذي قد يقع بينهم وبين التلاميذ.
رسكلة
ولمعرفة عدد هؤلاء المربين والوقوف عند معالجة الوزارة لهذه الإشكالية افاد مصدر مطلع صلبها أن عددهم تجاوز الألف منهم 600 في الإعدادي والثانوي و400 في الإبتدائي اغلبهم انقطعوا عن العمل في 1990 حيث احتدت الملاحقات.
وذكرذات المصدر أن الوزارة واعية بالإشكاليات سالفة الذكر وتعهدت بالتكوين المستمر من قبل متفقدين خاصة في العطل. إضافة إلى تمكينهم من متابعة دروس شاهدة طيلة سنة كاملة .