ما من مرة اتحدث او اكتب فيها عن النقد الا وانتابني خجل من نفسي وخوف على النقاد من صراحتي ولهذا سأعتذر لهم مرة أخرى عما سأسببه لهم من احراج وازعاج. وليسمحولي بإبداء ملاحظتين: اولا، انا لست في حاجة الى ناقد يستثمر نصي في مسائل شتى ولا الى ناقل حديث نيابة عني فوسائل الايصال متوفرة بيني وبين القارئ والقراء في نظري ليسوا اقل ذكاء من النقاد. ثانيا: علينا ان نفرق بين النقد الادبي وبين الانتقاد والمقصود بهذا الاخير هو قبض النقود لا غير. لا يخفى على احد ان بلادنا عرفت في السنين الأخيرة انفتاحا كبيرا على العالم وسنت تشجيعات على الاستثمار في جميع الميادين وصار من البديهي ان يستجيب النقد الادبي لمقتضيات المرحلة ولشروط العولمة فانخرط بكل شرف في المنافسة الشريفة. وبديهي ايضا ان يواكب الحركة الادبية استثمار في ميدان الثقافة وان يتنامى جيل من الباعثين الجدد في سوق الابداع هذا الجيل برهن منذ البداية على حسن درايته بفن السوق والتسويق وتمكن من ربط الخيوط وخلط الاوراق وتعامل بحنكة مع شبكات الانترنات تحت عنوان التناص وتزاوج الثقافة وتواتر الافكار بحيث لم يعد غريبا ان يقدم الناقد مداخلة نقدية في ندوة ثم يعيد قراءتها بعد تغيير عنوانها في ندوات اخرى فنصفق له لنشجعه على اتقانه لفن المراوغة وعلى نجاحه في اصابة عدة عصافير بحجر دون الاساءة الى احد ودون ان يتفطن اليها الساهرون على تنظيم الندوات وقد يعمد احيانا الى إعداد مداخلة لكل الندوات اقتداء بالشعراء القدامى الذين كانوا يكتبون المرثيات ويتركونها على الرفوف في انتظار موت المأسوف عليه. وبما ان النقاد اذكياء جدا فهم عادة يحسنون خياطة الجلابيب الفضفاضة ليسهل عليهم إلباسها لأي نص ادبي ولأنهم كذلك ايضا فهم يحسنون اختيار محاور الندوات ويهتمون بترويجها وبإعداد ما يلزمها من اعلانات اشهارية ضمانا لحسن التسويق وسعيا وراء اجر يسابق غلاء الاسعار ويهزمه. وقد رأينا كيف ان ندوات كاملة نظمت خصيصا للاحتفاء بأديب هو بعيد جدا عن الادب ولكنه يمتلك مكانة استراتيجية مهمة عرف النقاد كيف يبنون لها لوجستيكيا مناسبا ويجعلون من صاحبها نموذجا وقد يعمدون الى المطالبة بالسير على منواله. وبما ان العولمة تستوجب فسخ الحدود فإن النقاد قد ايقنوا مسبقا كيف يستوردون ادوات النقد وبعض الجمل النقدية طبعا في اطار الاستنساخ المشروع وتلاقح الفكار وانفتاح الثقافات. وحتى يضمنوا لأعمالهم النجاح كونوا كما تقتضي العولمة ايضا تكتلات وائتلافات ومجموعات فظهرت ثنائيات على شكل زينة وعزيزة وثلاثيات على شكل الثلاثي المرح وجماعات على شكل بودية وجماعته واصبح بامكانك ان تستدعي عنصرا من هذه المجموعة او تلك حتى تفاجأ بحضور البقية ولو من اجل ربط قرني البقرة يدخل هذا في كراس الشروط وفي نظام المقاولات العامة وعملا بالمقولات الهامة. النقد ما بعد العولمة (من أجل نقد حديث) تنبيه هام: انبه كل النقاد الى ضرورة حفظ ما يلي عن ظهر قلب والى عدم استغلاله في مشاريعهم النظرية ولا في مداخلاتهم التنظيرية لأنني متحصل على حق الملكية الادبية من جريدة العرب بتاريخ 14 جوان 2004 . من خلال اشتغاله عن النص يستعمل الناقد ادواته النقدية ويحاول قدر الامكان الاستعانة بما وفرته له المدارس والمذاهب النقدية وقد قلنا واكدنا ان المدارس النقدية غير موجودة اصلا بل هي من تخيل الناقد لأن كل نص ادبي يحمل بين جوانبه مفهوما نقديا مستقلا ومتكاملا يولد معه ويموت بفهمه والنص يتكلم لغتين لغة المقروء ولغة المتخيل وما على النقاد الا ان يستمع اليه ويستنطقه كما يفعل الطبيب النفساني مع مريضه حتى تتضح لديه نفسية صاحب النص وتتعرى شخصيته في حالتيها الواعية وغير الواعية فالنص جزء من ذات صاحبه والشاعر مثلا لا يكتب ارضاء لخاطر النقد ولا تطبيقا لنظرية نقدية معيّنة ولكن تأخذه نوبة القصيدة لحظة مكاشفتها او تحدث فيه رجة انفعالية وهي الشرارة التي تولّد فيه شاهية الكتابة بل تصبح الكتابة حتمية فيكتب. وعلى الناقد ان يمسك بهذه اللحظة التي عاشها الشاعر او يستشفها من خلال قراءته للقصيدة ويعمل على استحضار نفسية الشاعر والقبض على لاوعيه لأن الشاعر يطالعنا بالمكتوب ويسكت عن المخفي فكأنه يكتب النص الشعري ويستبقي النص النقدي في لاوعيه. والناقد القناص هو الذي ينجح في القبض على الرجة الشعرية التي دفعت الشاعر الى الكتابة، ظروفها وقعها على نفسية الشاعر، تأثيرها على الآخر، اهميتها الانسانية، حرارتها الانطولوجية وصدقها.. والنص النقدي المحدث هو الذي يرافق النص الادبي منذ ولادته يثريه ويضيف إليه ويكشف عن المستور فيه. خلاصة نستطيع ان نؤكد على ان تحديث النقد يقتضي الاشتغال عن النص موضوع النقد لا غير، بالاعتماد على التحليل النفساني للشاعر من خلال بعض المفاتيح الواردة في النص. فالشعراء يختلفون عن بعضهم بحكم الانتماء مجتمعا وحضارة وثقافة. فكيف نطبّق على نصوصهم نفس النظريات والحال ان النصوص تختلف عن بعضها عند نفس الشاعر بحكم الظروف التي رافقت نشأة القصيد؟