«أدركت متأخرا ان رائحة الناس هي رائحة مدنهم وكلّما كانت تلك الرائحة مقرفة، كانت المدينة بلا جذور ولا تاريخ». محمد حيزي هذا الدون ص39 ضمن حدوده الخاصة المقتحمة العالقة باللهفة والامتداد اي الانسان في طموحه الرائد الهارب المقتنص، والانسان المختلطة فيه الحقائق بالمزاعم، والانسان الراحل يطوف في وجوده المشوّه المضطرب خلق محمد حيزي في روايته الصادرة حديثا (هذا الدون اوبة طفل ذلك القاع) احد الأعمال الفارقة في الرواية التونسية و(العربية) بانتباهها الى رغبتها المتتابعة في بناء عالم واقعي خالص تتنازعه اصوات الإنبعاث المعضلة ومعانقة الظفر بطموحات توافقه الكسيح مع نفس تائقة ومتلهفة لفكّ رموز عالمها الغليظ، بضوابط حبكة متقنة حالمة بالبناء والنزوع دون الاسترجاع (المجرد) الهادم للقيمة الجمالية والفنية للأثر. وتأتي الرواية ضمن تتابع ثلاثي مسترسل، بدأه محمد حيزي ب (طفل ذلك القاع) ليردفه بهذه الرواية (هذا الدّون) في انتظار استكمال صلته ب (حرير الوجد). ليكون العمل ثلاثية روائية متجاوزة. خلقت وسائل تفوّقها من خلال الرابطة الشخوصية (نسبة للشخصيات) المتسمّة بالامتداد والانبعاث التعبيري والوصفي والحواري متصلة الثقة الفائقة بوجودها مشعة بتشابك حالاتهاالشعورية المنفعلة امتدادا لتجذّر الفعل الواقعي المُعتنى به ضمن جوانبه المتنافرة، وهو المسار المؤثر هنا في طبيعة (هذا الدون)، ومن خلاله يجد محمد حيزي في دوافع الأحداث والعلاقات الرابطة بين شخصيات روايته (عبد الرحمان العامري، العارم، قاسم العامري، ربح، حليمة) حافزه الطبيعي لجمع رموزهم المثقلة المتأرجحة بين النوازع المتصارعة والانتساب اللاطبيعي والمثالية الباحثة عن مفاخرتها وسط هذا التقاطع الفاضح لشعور الخطيئة ومحاولة محو وصمته العالقة (ببطلها) لينتهي به المطاف وراء القضبان منعزلا تاركا تفاصيل معاناته المهتاجة واليأس الذي انتابه لحظة القيام بجريمة القتل (قتل الأب) مسرودة في حلقات متتالية على أوراق مهملة منثورة داخل قبو محتشد بالكآبة والوحشة القاتلة. وبهذه السياقات التشكيلية يتوسّل محمد حيزي نسيج النشيج الكاوي الذي يغلي داخل الحالة المرضية لبطله من خلال المشهد، روائيا كما هو في الواقع متتبعا معطياته بامتلاك نظرة تسجيلية فوتوغرافية ووثائقية ماكثا في جوهرها مستنطقا لتفاعلها مكتسبا قدرة روائىة خاصة للنهوض بها دلاليا دون ابقائها قيد الجمود والسكون. مع امتلاء القبو بالملامح غابت امي خلف الباب تجرّد معها وراءها. لحظتها انطلقت المحاكمة. جلستُ امام الوجوه الغارقة في صمتها وصرخت: من منكم أبي من منكم يحمل ملامحي ودمي؟» (ص 89). بهذا الانكسار يحتد التهاوي داخل (قاسم العامري) بمأساوية مثيرة، مفتّشا في الوجوه الضاجة بالقاعة عن وشيجة ما تربطه بأحدهم. وفي لحظة سحق وسخف حقيقي يقبض على احدهم: «لننطلق بصاحب الكرش هذا. صحتُ فيه لحظتها لا تعنيني المزالق بقدر ما يعنيني وجهي. هل اشبهك؟ ضحك عاليا. سمعتُ ضجة ضحكه في بطنه المتهدّلة: أنا لا اشبه احدا. كيف لكذبة مخدوعة في كذبتها ان تدرك ما يجري؟ تفحصّني طويلا». (ص 9293) بهذا التآلف المتعانق في اظهار النشيج الكاوي الذي يغلي في حشا (بطله) ينقل محمد حيزي نسيج المشاهد المتوافقة بتوتّر محكوم بوظيفة الرواية: مسار الشخصية، علاقاتها، تفاصيلها ضمن موضوعة شعورية قلقة تتميّز بالكآبة واللعنة والحالة المنفعلة، تدفع بالروائي الى التخلص من وظيفة (النص) منفتحا على فضاءات ارحب، ببراعة متناهية، ليصلنا بالمكان والزمان الحافين بهذه الوقائع.فالمكان (تلك كانت مدينة «ق» اقرب الى لقيطة لا تاريخ لها وهي ترتبط كالوشم بي وأنا احمل حرفها الاول قاسم العامري. كلانا منطلقه هذا الحرف القبيح، ولا يمكن لمدينة لقيطة الا ان تنجب لقيطا مثلي) (ص39). والزمان: سنوات قاهرة، عادية، عابثة، حقودة لا يمكن ان تجود الا بالضيق والشقوق والحداد. (لمَ السنوات التي مضت ثقيلة بهذا الحجم الرديء كما لو انها تسمّر الزمن فبدا ميّتا كما لو انه محنّط؟ لمَ طعم الحديث ظل كما هو حزينا لا حول له ولا قوة ولم يتغيّر عاما بعد عام؟) (ص39). هذه الاستجارة بالزمان والمكان خلقنا فواعل حميمة داخل النص (الرواية) مقتفية للصراع الصميمي الدائرة تنازعاته بين مختلف الشخصيات. ان بنائىة المشاهد هنا، والمتوزعة على كامل الصفحات، خطت عميقا بصرامتها تقودنا الى قلق الأحداث البيّنة والمتشعبة في الآن، مزاوجة بين الفضاءات المنتجة (المكان والزمان) والوقائع لتغدو هي ايضا من جنس الأحداث متوترة شديدة الانغماس في العالم الواقعي للاحداث. هنا.. تحديدا «بمسرح» محمد حيزي للأحداث بإيماءات تُجسّد ألما يحدث كلّية، او ربما هو يبثّ فيها من الوثائقية ما يجعلها عارفة بأسرار «السينما» بما يحدوها من درامية متصاعدة تخترق مجرد «الكتابة» الى فعل «التجسيد» على ركح الواقع بفضل الحبكة المتأتية من صبره وأناته المغنية والعميقة.