خاميس رودريغيز يحرج كريستيانو رونالدو    هذا الاحد في المنستير: مؤتمر وطني حول "النسيج التونسي التحديات والآفاق"    وزير الداخلية: الوضع الامني في البلاد في تحسن مستمر    لقاء مع الروائي محمد عيسى المؤدب باتحاد الكتاب التونسيين    تأجيل إضراب قطاع توزيع المنتجات البترولية    كان مقررا غدا الجمعة.. تأجيل إضراب قطاع النفط والمواد الكيميائية    منزل مدرب باري سان جرمان يتعرض للسرقة    مقتل 18 شخصا في هجوم انتحاري بأكاديمية للشرطة بالصومال    مهدي بن غربية: الحكومة تعمل مع مختلف الأطراف على إحداث مراكز لإيواء اللاجئين    قضية "التمويل القطري للنهضة".. الحزب الدستوري الحر يتظلّم ويطلب لقاء وزير العدل    بتهمة الاعتداء على تلاميذ.. مدير مدرسة ومعلّم يمثلان أمام ابتدائية الكاف    وزارة المراة تشرع في اعداد مشروع الخطة الوطنية الخماسية لتطوير قطاع الاسرة في تونس للفترة 2017 - 2022    مختار الكوري يمضي للنادي الافريقي عقدا بموسمين ونصف    وفد وزاري يزور سيدي بوزيد    هيئة الإفريقي تهدّد بغلق "الفيراج"    خبراء صندوق النقد الدولي ينهون المراجعة الثانية لاتفاق التسهيل الممدد مع تونس    الاولى من نوعها في تونس: تظاهرة للحث على ممارسة الرياضة    لماذا يجب أن تقدّمي الأرز لطفلك الصغير؟    وصفة البيض المسلوق تخسرك 10 كغ خلال أسبوعين...    عدد السياح الوافدين على تونس سنة 2017، فاق التقديرات المرسومة    وزارة الدفاع الوطني : إنتداب تلامذة ضباط صف لجيش الطيران ذكور و إناث ..    بين بوحجلة والشراردة: وفاة شخصين في اصطدام شاحنة بسيارة محمّلة بقوارير الغاز    صابر الرباعي في افتتاح الدورة 39 للمهرجان الدولي للتمور بتوزر    سوسة: إيقاف شخصين من اجل التحرش الجنسي وإغتصاب أنثى دون رضاها    نائب ترامب يؤجل زيارته إلى إسرائيل    فيديو/ وهبي الخزري يتغلب على عبد النور ويؤهل ران إلى ثمن نهائي كأس فرنسا    قد تكون عنوان صفحة جديدة: هيئة "السي أس أس" توجّه رسالة شكر لهيئة النجم    مسؤول في صندوق النقد الدولي: هذا موعد صرف القسط الثالث لتونس... وقانون المالية 2018 تضمن عديد الإصلاحات    صيني يلقي بنفسه وسط النار لينقذ هاتفه الجوال    المنستير: القبض على تكفيري مفتّشا عنه من أجل "الانضمام إلى تنظيم إرهابي"    فرنسا تستعد لمنع الهواتف الذكية في المدارس    الخميس: سحب عابرة والحرارة تصل الى 23 درجة    إسرائيل تقصف مواقع عسكرية ل"المقاومة" في غزة    سيدي بوزيد: إضراب قطاعي بمختلف المدارس الابتدائية    "شيفروليه كورفيت"الجديدة تغير مفاهيم السيارات السريعة    ظافر العابدين يروي تفاصيل دخوله مجال الفن    وفاة حامل بعد إصابتها بأنفلونزا (H1N1    "توننداكس" يستهل معاملات الاربعاء متطورا 0.04 بالمائة    مقتل مخرج المسلسل الشهير "نور"!    توقيع بروتوكول تعاون مشترك بين أيام قرطاج المسرحية ومهرجان شرم الشيخ الدولي    الدكتورة آمال موسى تشارك في مؤتمر حول الإسلام السياسي ب"البندقية"    اعتراف للنساء دون قاضي تحقيق ولا عصا بوليس!    دواء السكري قد يستخدم لعلاج السرطان!    النظامَين السعودي والمصري نَّسقا مع ترامب خطوة الاعتراف بالقدس كعاصمة للكيان!!    بيان تضامني من أجل القدس    نهاية علي عبد الله..من ينقذنا؟    مقاربة علمية لمواجهة التطرف الديني    هل أتاك حديث غزوة البطحاء والإتحاد؟    لماذا المنظمة الديمقراطية للثقافة ؟    فيديو و صور من كارثة انقلاب حافلة سياحية بباجة    الخطوط التونسية تتسلم قريبا أربع طائرات إيرباص    التوقعات الجوية ليوم الأحد 03 ديسمبر 2017    خبير اقتصادي يحذر من انهيار تام للقدرة الشرائية للتونسيين    الاسماء المرشحة لجوائز افضل الرياضيين في 2017    بعد قرعة المونديال .. مدرب إيران يطالب اتحاد الكرة بإقالته    الإمام الأول بجامع الزيتونة :تونس محفوفة بالألطاف لحُبها لرسول اللّه    بالصور: أسوأ إطلالات النجمات في ختام مهرجان القاهرة بعضها كشفت عيوب أجسامهن    صورة للفنانين على السجادة الحمراء في ختام مهرجان القاهرة السينمائي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





مناضل وأثره : الزعيم النقابي محمد علي الحامي...الشاب الفقير الذي قهر المستعمر وتحول إلى قائد فذ
نشر في الشروق يوم 18 - 06 - 2005

«ان من يعتبره التونسيون أب الحركة النقابية يحتل مكانة بارزة في تاريخ بلاده، وعموم المغرب العربي، لما لحياته من ارتباط وثيق بحوادث الأيام، التي كانت مرآة لتجارب ونزعات عديدة، ولما لشخصيته وتكوينها من أثر يذكر وسط تلك الاتجاهات والتيارات المختلفة الشبابية منها والاجتماعية، منذ مطلع القرن العشرين إلى اليوم....
ذلك أن محمد علي الحامي... علامة بارزة في تاريخ الكفاح التونسي، الذي تطور مع الأيام والسنين، حيث كان في طلائع الشباب في الحركة الوطنية، التي نمت وترعرعت لتعم المدن والقرى، والمداشر والأرياف، ويتجمع الشعب كله، في (هيكل وطني عظيم) للقضاء على النظام الاستعماري المقيت وسلطته المتجبرة، وقوانينه الجائرة.
إن تاريخ حياة محمد علي، ونضاله ليمثل نقطة البداية الحقيقية لذلك الصراع الطويل المرير الذي خاضه شعبنا، لا يهاب الموت ولا يخشى الردى دفاعا عن الحق، مهما اشتد القمع، لسحق الاستغلال الاقتصادي والظلم الاجتماعي، والتحرر بالتالي من العبودية والخسف والاذلال، واسترداد الكرامة المقدسة والحق الهضيم».
هكذا تحدث محمد علي بلحوله عن الحامي في كتاب «محمد علي الحامي... وحوادث الأيام» فكيف كانت بداية أبي الحركة النقابية التونسية؟ وما هي أهم المحطات والأحداث التي تبرز دوره الريادي في تاريخ تونس الحديث؟ وكيف أمكن لشاب فقير مثله أن يتحول إلى زعيم نقابي فذ؟
المولد والالتزام
ولد محمد علي الحامي عام 1890 على الأرجح في بلدة مغمورة ضائعة وسط قساوة المكان وظلم الزمان ومهما اختلف المؤرخون حول أمر ولادته وتاريخها فإن الطفل عاش كغيره في ظروف القهر والظلم مما أثر في نفسيته ودفعه إلى الانخراط مبكرا في النضال الوطني.
وكان محمد علي بعد أن هجر موطنه الصغير، كغيره من أبناء المناطق المحرومة يبحث عن شغل، يقيه الجوع والخصاصة... بعد انقطاعه عن التعليم الابتدائي... إلاّ أن الشغل الكريم، في تلك الأيام العصيبة... لم يكن من السهل توفره... فانطلق كسائر الصبية، يحمل (القفة) لحرفاء فندق الغلة من السيدات الأوروبيات، اللاتي يقمن لوحدهن بقضاء شؤون المنزل، من (السوق المركزية).
ويذكر بعض المؤخين أن زوجة قنصل النمسا، أنقذته من هذا العمل لما لمست فيه من ذكاء ونشاط وصدق، يمكن تحويله إلى شيء آخر جد مفيد.
ويذكر آخرون، أن القنصل نفسه أعجب به أيما اعجاب، بعد أن تأكد من جديته وثقته، وحرصه على تعلم أي شيء، بعد أن حرم من لذة العلم والمعرفة ليخلص نفسه من جحيم البطالة والتسكع.
والتحق محمد علي بخدمة القنصل النمساوي، أين كان أخوه حسن يعمل هو الآخر، كعون لقضاء شؤون عامة، لمخدومه.
وقد سمح له عمله المتواضع، بالاحتكاك بمستويات أخرى جعلته يجهد لنفسه لكسب شيء مفيد.
كان (محمد علي) من أبناء تونس الأوائل، الذين تحصلوا على شهادة سياقة السيارات في 1908/02/26 لتحسين مستواه المهني والمادي،خاصة وأن البلاد، تفتقر إلى مثل هذه الميادين والاختصاصات التي تعتبر من وسائل حياة القرن العشرين! في وقت، أراد فيه مستعمرونا ابقاءنا، في حالة الغبن والتعاسة والخصاصة والجهالة... بسبب سياسة الشح والتقتير، في كل ميادين الحياة وفي مقدمتهم : الصحة والتعليم والتشغيل مما أدى إلى غضب الأهالي، عن المنهج الاستعماري وسلوكه بوجه عام، وخيبة أمل (الشباب التونسي) في هذا النظام المقيت الذي لم يستجب لمطالبهم.
المساهمة في العمل الوطني
بعد عودته من الهجرة إلى ألمانيا وتركيا وتطوعه في الجهاد مع الأخوة الليبيين استأنف الشاب محمد علي الحامي عمله الوطني وأيقن منذ البداية أن توحيد الصفوف هو أفضل سبيل لمواجهة المستعمر الغاشم.
وبدأ محمد علي الحامي عملا صادقا لتأطير اضرابات العمال (الرصيف مثلا) وأدى ذلك إلى تعبئة الطاقات لمزيد البذل والعطاء.
وشعر العمال التونسيون للمرة الأولى في تاريخ تونس الحديث، بعد أيام الصيف الشهيرة في عام 1924، إلى شعور أفضل بالكرامة، بضرورة مواصلة الجهود للتحصيل على حقوقهم الشرعية في تشكيل هيئات نقابية، في جامعة تضم شتات عموم العملة التونسيين، بعد أن ظهر بالمكشوف، أن النقابيين الفرنسيين، أصبحوا من دعاة الفرنسة والادماج، يسعون الى بلعهم وتذويبهم، مما بصر رجالات الكفاح الاجتماعي، بحقيقة الواقع الاستعماري الذي يريد فرضه الفرنسيون، بمختلف اتجاهاتهم ونزعاتهم للوقوف في وجه (التونسي) وعدم السماح له بتكوين نقابات تونسية، حتى لا يكون له صوت، مثل صوتهم في الأممية والإنسانية، ككل انسان حر كريم.
وسعى (محمد علي) وبتزكية من شباب الحزب الحر الدستوري أول الأمر، حيث اندفع معه بعض الدستوريين كأحمد توفيق المدني والطاهر الحداد وأحمد الدرعي لتأسيس نقابات تونسية، وجمع شتات العملة وانقاذهم من الخطر الداهم بطريقة ذكية تحبب لهم العمل، والقيام بالواجب، والمطالبة بالحق، حتى يشتعد ساعدهم ويبلغوا مرحلة من الوعي تؤهلهم لتحمل مسؤولياتهم بأيديهم، أما والآن يواجهون مستعمرا متكبرا متفوقا بالعلم والعمل، متصلبا يضرب بقساوة لاخماد الحس الوطني في النفوس، لا بد من مواجهته بعمل ذكي، يتمثل في الارساء والتوجيه والسعي للمطالبة بالاصلاح، في حين رأى فيه «دوريل» عملا سيئا ينبىء بالخطر!
لقد وصف (Durel) وجماعته من حركة (س ج ت) ما يعتزم (محمد علي) القيام به، مع العملة التونسيين، بأنه (عمل سيء) سيجلب لهم المضار مؤكدا لهم دعوته للعدول عن هذا المشروع، ومحذرا اياهم من مغبة الانزلاق في هذا التيار، لأن مكانهم في (الوحدة العمالية) ودعوتها (العالمية) بعيدا عن التعصب للأديان والجنسيات».
بعث جامعة عموم العملة
وشرع محمد علي الحامي في جولاته للإصداع بالرأي في أوساط العمال والتعرف على استعداد أبناء الوطن الكادحين على تحمل مسؤولياتهم بأنفسهم، والدفاع عن حقوقهم.
واتصل (محمد علي) بعملة شركة (صفاقس قفصة) للفوسفاط والسكة الحديدية... الذين كانوا يتقاسمون الآلام والأحزان، فيما بينهم، لما ترتكبه الشركة الاستعمارية الاستغلالية، من ظلم وقهر في حق عملتها، الضاربين بسهم وفير، في مد الخطوط الحديدية واستخراج الفسفاط والانتاج الفلاحي، في هنشير الشعال الذي تحول إلى الشركة.
كما أن عملة الرصيف بصفاقس لا يقلون تعاسة، عن حال اخوتهم في أرصفة تونس وبنزرت، وغيرها من مواطن الانتاج، التي سيطرت عليها قوة الرأس المال الاستعماري الزاحف، ودعمتها سلطة الحماية الممثلة في الاقامة العامة الفرنسية بتونس...
وأدت تلك الاتصالات الأولى في صفاقس، إلى تكوين نقابتين أساسيتين للدفاع عن الحقوق اللازمة، بالطرق الجدية، الموصلة الى الغاية المنشودة...
وعاد (محمد علي) من صفاقس إلى العاصمة بعد جولة استغرقت خمسة أيام، اطلع فيها على العين، على حالة العملة، وأوضاعهم المزرية، المخلة بالكرامة... وقدم فيها شروحا ضافية، لقاءات متعددة واجتماعات متوالية، للأغراض العامة للنشاط النقابي مع تقديمه لخير العملة عموما لاخراجهم من حالة الغبن، الذي يقاسمونه كبقية أبناء الوطن.
وكان تأسيس نقابتين، في القاعدة العمالية بصفاقس باعثا على التفاؤل بالمستقبل، في نفس (محمد علي) الذي ازداد وثوقه، بمشروعية (عمله الاجتماعي) لصالح البؤساء والمغبونين، بعد أن لمس عن قرب حماس الشباب، الآخذين بمبادىء العلوم والخبرات... والمحبين للحياة والعمل والساعين لغايات التقدم والتطور.
وبعد المزيد من التحركات والاتصالات تأسست جامعة عموم العملة التونسيين في 3 ديسمبر 1924 رغم تصلب الاقامة العامة الفرنسية بتونس وعلى رأسها لوسيان سان ومعارضة ليون جوهو الكاتب العام للجامعة العامة للشغل الفرنسية (س.ج.ت).
النفي ورحلة العذاب
وسعت السلطة الفرنسية بكل أجهزتها الى اجهاض حركة محمد علي بأي ثمن وكانت التهم الملفقة جاهزة منها التآمر على أمن الدولة وأحيل محمد علي الحامي رفقة عدد من النقابيين على المحاكمة بقرار مؤرخ في 1925/02/08 واتهم الزعيم النقابي بالعديد من التهم الباطلة والتي كان الهدف منها ايقاف حركته وابطال نشاطه النضالي، وبعد المحاكمة تم نفي الزعيم النقابي الى الخارج واثر رحلة العذاب والنفي التحق الحامي بالمغرب وتذكر وثيقة من بوليس طنجة أنه ألقي القبض عليه قبل أن يلتحق بصفوف المجاهدين المغاربة واقتادوه إلى مرسيليا. وبعد التخاطب في شأنه واستشارة وزارة الداخلية أطلق سراحه. وقيل أنه استقر بالقاهرة فعمل في السياقة عند أعيان مصر من الباشوات حتى حصل له حادث أدى به الى ترك عمله ومغادرة مصر إلى الحجاز.
وصورة ذلك تحدث عنها بورقيبة في كتابه «بين تونس وفرنسا» فذكر أنه اضطر الى مفارقة مخدومه بعد حادث طارىء حصل له لما أمره الباشا أن يحمل سفير فرنسا إلى مقر اقامته، فامتنع وآثر ضياع رزقه على أداء خدمة لسفير ممثل دولة أطردته من وطنه.
وانتقل إلى السعودية يعمل هناك، في شؤون التجارة والتعليم الحر، بالاضافة الى عمله كسائق في سيارات الأجرة، حتى وافاه الأجل في حادث اصطدام في الطريق بين مكة وجدة بوادي المصيلة يوم 20 ذي القعدة 1346، الموافق (10 ماي 1928)!
لقد كان محمد علي الحامي بشيرا بميلاد بعث جديد مرتقب للعامل التونسي وعموم الشعب .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.