ثم رسم كاريكاتوري وسمه بعضهم ب»حفلة غذاء البنيويين» اشتهر في فرنسا خاصة منذ أن ظهر في إحدى مجلاتها الادبية عام 1966، وهو يصور أربعة من كبار المفكرين في العصر الحديث، كلود ليفي شتراوس ورولان بارت وميشيل فوكو وجاك لاكان، وقد افترشوا الارض، تحت شجرة مدارية مرتدين التنانير والخلاخل التي نراها عادة في الرسوم الكاريكاتورية التي تصوّر المتوحشين، ولم يشذّ عنهم في هذا الرّسم سوى جاك لاكان وقد ظهر بربطة عنق على شكل وردة. لم يكن هذا الرسم بحاجة الى تعليق، كما كتب جون ستروك في كتابه عن البنيوية برغم انه لا يظهر المفكرين الاربعة وهم يأكلون، بل يصوّرهم وهم يتجاذبون أطراف الحديث، وهو الأمر الذي يناسبهم بشكل أفضل. هذا الرسم الذي أعيد نشره كثيرا منذ ظهوره، يكاد يكون صورة أمينة لفئة من الأكاديميين والمثقفين في بلادنا وفي البلاد العربية عامة، من الذين «يتأتّون لمحنة اللفظ» بعبارة أسلافنا، بمحنة أشدّ على قرّائهم ان لم تكن عليهم هم أنفسهم، وأعني هذه الكتابات النقدية التي تستعصي حتى على كتّابها، فهي تهويمات استعارية لا همّ لها الا مناقضة المنطق واللغة، وتكاد تكون صورة من بعض المسرحيات السريالية التي هي عبارة عن مباراة ملاكمة بالكلمات، وشخصيات محصورة في أكياس وحقائب، تؤدّي أدوارها دون ان تتحرك... برغم أن القصد منها في السريالية هو إبراز التقابل والتضاد او التركيز على المفارقة او على أنّ القاعدة في الكتابة إنّما هي مخالفة القاعدة، ومثال ذلك نصّ طريف ل»بول إيلوار» الذي سماه أصحابه من السرياليين «ممرض النجوم» و»مخترع معدن الظلام الجديد»، ففي هذا النص المسرحي يظهر شخصان، كل منهما من ناحية من ناحيتي المسرح، ويدور بينهما هذا الحوار: الأول: مكتب البريد في الجهة المقابلة. الثاني: وما شأن ذلك بي؟ الأول: العفو! رأيتك وبيدك رسالة، فاعتقدت... الثاني: المسألة ليست مسألة اعتقاد، بل مسألة معرفة. صحيح أنّ المسألة هي مسألة معرفة، ولكن أي نمط من المعرفة هذا الذي تتحول فيه اللغة وهي في الكتابة النقدية أداة معرفة وليست موضوعا من موضوعاتها الى نوع من مبهم الطلاسم ومعميّ الألغاز؟ أن يعتزل هؤلاء الحياة الثقافية العامة أو أن يلوذوا بصمتهم، على نحو ما يفعل حيوان اللّؤلؤ في أعماق المحيطات، فهذا حقّهم الذي لا ينازعهم فيه أحد، أمّا أن ينظروا الى ما ينشر من نقد أدبي او ثقافي في صحفنا ومجلاّتنا المحلية وأكثرهم يتظاهر بأنه لا يتابعه على أنّه نقد صحافي غير عميق او هو مكتوب بلغة عادية، فأمر يستدعي وقفة أو بعض وقفة، على أنّي أقتصر في هذا الحيّز المحدود على ناحيتين: أولاهما وقد يكون من نافل القول التذكير بها أنّ لهذا النقد الصحافي أهدافا محدودة مثل تعريف قرّاء الجريدة أو المجلة بما يجدّ في الحياة الأدبية والحياة الثقافية عامة او لفت نظرهم الى مواطن الجمالية والاضافة في أثر ما أو مواطن الضعف والتّهافت فيه، فلا غرابة أن يتوخّى أصحاب هذا النقد منهجا تأثريا في الأعمّ الأغلب أو أن تخلو مقالاتهم من توظيف المصطلح النقدي، فما تزال التأثرية تحتفظ بقدر غير يسير من سحرها وبخاصة في عصر مثل عصرنا تتزاحم فيه أشياء فنية وغير فنية تحت ما لا حصر له من العناوين، وأكثرها «اشتهائي» يتطلب نوعا من الاشباع الفوري أو الفائر وهذه وظيفة قد لا تقدر على النهوض بها سوى الصحافة السيارة. وأمّا الناحية الثانية فتتعلق بهذه العبارة الشائعة «لغة عادية» او «كلام عادي» ومن المفارقات أنها عبارة فنّية أو اصطلاحية كثيرا ما توضع في مقابل «اللغة المثال» او «اللغة العليا» باعتبارها نموذجا يحتذى، وهو في الحقيقة نموذج مضلل، يفصل التركيب عن الدلالة وليس المقصود بذلك الجانب النحوي وانما «السيميائي» وما يتعلق بالصلات الشكلية بين العلامات، وفضلا عن ذلك فإن هذا النموذج ينهض على قائمة من القواعد والمواثيق المقننة بوضوح. وقد لا يخفى أنّ مجالات تطبيقها محدودة محدّدة، على حين أن «الكلام العادي» يظهر كما لو أنه «لغة طبيعية» تتميز بكونها لا تملك الا القليل من المواثيق، ومجالات عملها أوسع من أن تحدّ، فضلا عن أنها لا تفصل ذلك الفصل الحادّ بين التركيب والدّلالة ولعلها من هذا الجانب توسّع من مجال الحرية والادراك، على أنّي أتوقف عند هذا الحدّ حتى لا أتحوّل الى متطفّل على «حفلة غذاء البنيويين» الجدد!