ستكون لهذا الحدث الجلل الذي هز اسبانيا تبعات كثيرة! وفي اعتقاد كل عاقل، فإن الزلزال الذي احدثته نتائج الانتخابات، كانت اهم بكثير من الزلزال الذي أحدثته التفجيرات، ذلك أن الناس في اسبانيا، لم تحدث لهم العملية الارهابية عمى يجعلهم يظلّون الطريق كما حاول ذلك بكل فشل السيد خوزي ماري أزنار. وهو رجل تورّط ليس في مشاركته في الحرب الظالمة الاخيرة على العراق، بل في مساهمته في تذكية الارهاب ذاته، بما يحمله من كراهية وحقد وانتقام، قبل ما يحمله من موت تراجيدي ومجاني في نفس الوقت. وهذا ما يمكن ان تطلق عليه الانسانية قمّة العبث! لقد انساق السيد خوزي ماري أزنار، وراء غلطة كبرى، فأصبح سجينا لتلك الغلطة، وتعوّد على كذبة ظنها صغيرة، فإذا هو لا يقدر في الاخير الا على الاكاذيب الكبيرة، التي هزّت عرش حزبه بعد أن كان قاب قوسين او ادنى من انتصار جديد، والتي قادت في الاخير، الى أن يصبح ضحية وأضحوكة في نفس الوقت. وهذا ما يمكن ان يسمّى في السياسة بقمّة الفشل! وحتى عندما حصلت المأساة الكبرى، والكارثة العظمى، واصل السيد رئيس الحكومة تلاعبه، وبدل أن يعود اليه الرشد أراد للشعب الاسباني الاصيل أن يفقد رشده، وبدل أن يشغّل عقله اراد لشعبه أن يجانب الصّواب، وبدل ان يرى الحقيقة أراد للكذبة ان تكبر اكثر. وبذلك كلّه قدّم خوزي أزنار للارهاب، خدمات جليلة، ومنحه منطقا وتأثيرا، ومكنه من أن يلج صناديق الاقتراع ويقرّر سلفا من هو الرابح ومن هو الخاسر! فهل توجد خدمة أجلّ من هذه؟ وهل توجد رعاية كهذه التي شاهدنا؟ وهل يوجد فشل كهذا الذي نرى؟ لقد ثبت عبر هذا الذي جرى في اسبانيا، أن السياسي عندما يفقد عقله يفرش لاعدائه السجاد الاحمر، ويقيم لهم في الطرقات فرقا شرفيّة تحييّهم ويقدّم لهم تشكيلات عسكرية تضرب بالموسيقى على نخبهم. وكان كل ذلك واضحا في حالة اسبانيا منذ كانت حمّالة حطبها، آنا بالاتيو، تلهب النيران ضد العراق في مجلس الامن، وتوفّر من خطبها السخيفة خراطيم زيت سوق بغداد وتنهبها، وتصر على أن تكون كلماتها كبريتا حارقا ممزوجا بمواد متفجّرة أخرى حتى انتهت الانفجارات في مدريد، وحتى طالت خراطيم الزيت عاصمة بلادها، وحتى حرق الكبريت مكانا قريبا من مكتبها الفخم، ثم طارت بها أدخنته من المكتب الفخم الى البطالة القسريّة، بدون ان نسمع لها جعجعة أو فحيحا! ان الذي حدث في اسبانيا هو قمة تراجيديا وقمّة مهزلة في نفس الوقت وما حدث أشار مبكّرا الى نهايات كل من يصاب بمرض «الميوبي» السياسية، وكل من ينساق وراء عمى القوّة، وكلّ من يستعمل ساقيه وقت يكون مطلوبا منه أن يحتمي بعقله! ولقد أحيت الاحداث الارهابية التي شهدها العالم، وخصوصا 11 سبتمبر عقولا كثيرة عند البعض، ولكنّها أحيت عضلات كثيرة لدى آخرين. وكان يمكن ان تكون تلك الاحداث على بشاعتها سببا لوحدة العالم، ولكنّها كانت سببا لتمزيقه. وكان يمكن ان تعجّل بانخراط عالمي جماعي في انسانية حقيقية ولكنّها للاسف أعادته لوحشيّة ما كان أحد يتصوّر انها متوفرة بكل تلك الكميات في بلدان متحضّرة ولدى ديمقراطيات عريقة! ولن تخفت ألسنة اللهب، ولن تتحوّل النار الى برد وسلام، ما دامت شؤون العالم تدار بلا عقل وبلا رجال دولة، وما دام كل هذا العنف يفرش سجّادا آخر لعنف مضاد، وما دام كلّ هذا الذي يلفّ خطابا سياسيا بدائيا، بل وبدائيا جدّا.