تصدر الطبعة العربية من هذا الكتاب المهم، في الوقت الذي تكون فيه قد صدرت في الولاياتالمتحدةالامريكية، اي في سبتمبر من العام الجاري. بعد ان صدر بالفرنسية، اللغة الاصلية التي صدر فيها اساسا ثم بالانقليزية والالمانية واليابانية والكورية والتركية. قال نعوم تشومسكي عن هذا الكتاب: متوازن وغير مساوم، عميق المعرفة، وقال عنه بول ماري لاغورس: التحليل الأقوى والأكثر دقة الذي يمكن ان يقرأ. (صدام الهمجيات) هو المحاولة التي قام بها جلبير الأشقر لفهم الدوار الذي اصاب امريكا جراء اعتداءات 11 سبتمبر وهل الحل في صدام الحضارات الذي استبدله المؤلف بصدام الهمجيات؟ أم ان الفوضى العالمية قائمة قبل وأثناء وبعد الحادي عشر من سبتمبر؟ في الاقسام الاربعة للكتاب تتوالى التحليلات التي تم اقصاء مصادرها المعلوماتية من المؤسسات الثقافية الغربية والسياسية والصحافية، كيلا يقع المؤلف في كتابة المتخيل دخل الى قلب الثقافة الغربية واستقى منها المصادر. التعاطف النرجسي، ومجتمع المشهد العالمي، هو القسم الاول من الكتاب، ويبدو فيه ان كل نقد منهجي لأعمال الحكومة الامريكية يعتبر عداء شائنا لأمريكا، ويستغرب المؤلف، مستفيدا من ستيفن بولارد، التقييم الهذياني للمتعاملين بالنقد مع امريكا، لانه تبين ان العداء الاوروبي لأمريكا ليس حكرا على اليسار، فاليسار الاوروبي الممثل بصحيفتي الغارديان واللوموند يكره الامريكيين بالطبع، وهاتان الصحيفتان مملوءتان بمقالات تعلن: انا لست امريكيا. والحال ان التفكير النقدي حول معنى 11 سبتمبر الاحرى ان يعتبر واجبا، يقول المؤلف، لأجل التخلص من الانطباعية السائدة التي اعتبرت هذه الاعتداءات الفظيعة تجسدا مطلقا للشر. فلقد تكررت هذه التسمية مرارا الشر على لسان المسؤولين الامريكيين، التسمية التي اطلقها رونالد ريغن على الاتحاد السوفياتي، يتابع المؤلف مضيفا: يوم كانت الولاياتالمتحدة تدعم الشر الحالي!! ويقول: لقد استخدم السيد بوش تعبير الشرير The evil one بصورة منتظمة للاشارة الى اسامة بن لادن. في القسم الثاني للكتاب، والمليء بتحليلات علاقة الولاياتالمتحدةالامريكية والنفط والدول العربية والاسلامية. الا ان بناء هذا القسم اساسا جاء بالاعتماد على كتاب (الحروب غير المقدسة، افغانستان، وامريكا والارهاب الدولي) لجون كيلي الذي كان غلافه قد زين من من ذاك بصورة لبن لادن الاسطوري! لكن المؤلف يستفيد اكثر فأكثر من المصدر الغربي، في القسم الثاني نفسه، حيث يتحدث عن التحقيق الذي نشرته تيري ماكدرموت في لوس انجلس تايمز عن الشاب المصري محمد عطا المنظم الرئيسي لعمليات 11 سبتمبر: هو ايضا كان من البرجوازية الصغيرة الميسورة ذات الاصل الريفي الذي قد وجد المسوغات الكثيرة التي يمكن ان تغذي السخط على امريكا لدى شاب مصري، حامل شهادة عليا ومسلم تقي. في تصوير لطبيعة وظروف نشأة موجة العداء لأمريكا، في البلاد العربية او الاسلامية. الحقد، الهمجيات، واللاتساوي، وفقدان النظم، هو القسم الثالث، من الكتاب. يشرح جيلبير ما سمّاه الفرق بين اسامة بن لادن وصدام حسين، في أن اسامة بن لادن أكثر بعد نظر من صدام حسين، فلم يتوهم امكانية النصر على الولاياتالمتحدة في حرب مواجهة وبأن اسامة بن لادن عرف كيفية التعامل مع القوة الضاربة لأمريكا، والتي لا يستطيع بأي حال من الاحوال مواجهتها في حرب مفتوحة، وانه ليس لدى من يريدون توجيه ضربات عنيفة ومؤلمة لأمريكا الا ما يسمونه رسميا في واشنطن منذ عام 1997 بأنه (وسائل غير متساوية) يتم تعريفها بأنها مقاربات غير تقليدية تتفادى نقاط قوتنا او تقوضها فيما تستغل نقاط ضعفنا ليجد الوقت مناسبا لمناقضة هنتنغتون في فهم ما يجري، الفعل ورد الفعل، من خلال التمييز بين حضارة جماعية وحضارة فردية وهمجية جماعية وجماعية فردية وعلى أساس من المقارنة ينبني كلما انتبه المراقب الى العلاقات المتكافئة بين ارهاب محلي وارهاب حضاري، فهؤلاء: يقطعون الاعناق في افغانستان، نقلها الى الجزائر قدامى الحرب ضد السوفيات، وأولئك : يقتلون بصورة كثيفة عن بعد بواسطة الطائرات. ويفعّل امكانية التقييم عن طريق الموازنة: آلاف المدنيين جرى اغتيالهم مباشرة ذات صباح في نيويورك، ليقابلها في المكان الناقض الموحي والكاشف: عشرات الآلاف من المدنيين يتم اغتيالهم بصورة غير مباشرة كل عام في العراق، منذ عشر سنوات ليرفع (دوز) الرفض لما يجري: هذا هو المقياس المقارن لكل اعمال قتل وهمجية: كلما كانت حضارة ما اغنى وأقوى، كلما كانت همجيتها مؤذية اكثر! لذلك فبدلا من ان تكون المواجهة صداما بين الحضارات هي اذن بحق، يقول المؤلف: صدام بين تلك الهمجيات التي تفرزها الحضارات، بمقادير متغيرة، خلال السيرورة الطويلة التاريخية والديالكتيكية للحضارة. ولهذا فإن كان لابدّ من وضع حد للهمجية «لكل الهمجيات» فينبغي ازالة الاسباب الأولية ابتداء بهمجية الضعفاء انتهاء بهمجية الأقوياء. وان الارهاب الرؤيوي، كما سماه موجود داخل امريكا كما هو خارجها (نموذج تيموثي مكفاي مفجر المبنى الحكومي في اوكلاهوما سيتي عام 1995168 قتيلا). (صدام الهمجيات) رغم انه انتقد السياسة الامريكية بحدة، فلقد اعجب فيه اهم المثقفين الامريكيين. وقراءته مفصلا تشرح ذلك وتزيد. الكتاب: صدام الهمجيات تأليف: جلبير الأشقر ترجمة: كميل داغر الناشر: دار الطليعة بيروت 2002 الصفحات: 157 صفحة من القطع المتوسط