كنا صغارا.. ولم تكن هناك حرب.. كان العالم يشبه قريتنا.. وديعا.. مسالما.. وحده عزرائيل كان يملك حق سلب الحياة. ثم كبرنا.. واكتشفنا ان هناك حروبا ضارية دارت بلونين فقط : الأبيض والأسود.. لقد شاهدناها وسط حيّنا على جدار أحد جيراننا.. كانت الحرب بعيدة جدا ولا يطالها خوفنا ولا تقض الكوابيس مضاجعنا... ما إن تنتهي تلك الصور الباهتة حتى نشرع في التصفيق.. «عم عزوز» يغير «البوبينة» لنتابع ما جئنا من أجله.. أفلام الكاوبوي.. برصاصة واحدة يصرع «رنغو» خمسة أشرار.. خمسة هنود حمر... وكبرنا.. ولما دخل التلفزيون بيتنا اكتشفنا الحرب بالألوان.. وزاد همّنا لما اكتشفنا ان الحرب أمام بيتنا وعند اخوتنا.. ومازالت الرصاصة الواحدة تخترق خمسة فلسطينيين حمر.. والدم أحمر مثل شفاه بنات ستار أكاديمي.. وكلما زادت الفظاعة كلما انتعشت الاعلانات.. فرحة الحياة.. صرنا نرى كل شيء ولا نرى شيئا.. تقنيات عالية وعلى الهواء مباشرة.. وخاص جدا.. ومريع جدا.. حتى تساوى اعلان البسكويت مع اعلان الحرب.. نبحث في الثلاجة عن شيء نحلّي به الفرجة عن آلام الاخوة وأحزانهم ومآتمهم... ومنتهى الظلم ان يدفن الاب والام أبناءهما... فجأة أجد نفسي مفترشا الارض في قريتي الوديعة.. المسالمة.. سينما «عم عزوز» وحائط الجيران الابيض... الرجل المدجج بالسلاح يتحدث عن «الخارج عن القانون» ويقول انه يجب «القبض عليه حيا أو ميتا» الرجل الابيض يقول ان هناك فدية «مقابل الرأس المطلوب» الرجل الأبيض يستعين ب»الادلاء» لاقتفاء أثر المطاردين.. وعندما يعذّب سجينا ولا يعترف يقول انه «غير متعاون»... من رعاة البقر الى رعاة البشر.. الرجل الابيض يقول انه جاء لتحديث أصحاب الارض... «سكة الحديد».. والأدوية.. والصليب.. الرجل الابيض يحاصر الهنود العرب في محمية.. ويوزع عليهم الذل والقمار و»الديمقراطية».. يسلبهم أرضهم وإن استعصوا يسلبهم أرواحهم وأكبادهم وتاريخهم.. الرجل الابيض صاحب نظرية الموت الرحيم أعداؤه متوحشون.. انهم يسلخون جلد رأس القتيل ويعلقونه في مزادهم.. انهم يحرقون جثث «المقاولين» ويعلقونهم في الجسور.. ما أشبه اليوم بالأمس...