خطاطة عمل : كثيرا ما يقال ان الشعر فعل لغويّ، أي فعل باللغة في اللغة. وهذا التعريف ولئن كان يعدّ تعريفا حداثيا بل وثوريا فانه يحتاج الى الاختبار: فاللغة ليست في حد ذاتها شعرا، ويترتّب عن ذلك انه لا اللغة التي يفعل بها الشاعر هي الشعر ولا اللغة التي يفعل فيها هي الشعر ايضا، وانما الشعر هو فعل الاولى في الثانية، أي هو الاولى فاعلة والثانية مفعولة معا، أو من حيث اللغة تكون في نفس الوقت فاعلة مفعولة، ولكن يضاف اليها ها هنا مصدر الفعل اي الشاعر. فإذا صح هذا الافتراض كان لابد عندئذ من استدعاء الذات باعتبارها صاحبة الفعل. لكن على أي نحو يتم استدعاء مقولة الذات؟ وإن ما يبرّر هذا السؤال الاخير هو كون الذات تمثّل على انحاء عدّة: تمثل حدّا فلسفيا لعلاقة الانسان بالعالم وبالاخر... تمثل كيانا بسيكولوجيا يميّز فردا او جماعة... تمثّل هويّة لتخصيص فرد او جماعة من جهة قانونية او اجتماعية او غير ذلك. ولا نماري في أنه على رأس هذه الانحاء يبرز الحد الفلسفي الذي يخص الذات بقدرة على الوعي تخصيصا يعدّ من ابرز الامارات الدالة على تدشين الانسان لأفق الحداثة. وليس يعنينا في هذه المداخلة ان نقف على وضع الذات في الخطاب الفلسفي على مستوى التاريخ والمعرفة، وإن كنا نحتاج الى أن نستأنس بالمستوى الثاني في السعي الي تبيّن علاقة الذات بمنجزها اللغوي ضمن دائرة الشعر رغم ان هذه العلاقة ليست منوطة فقط بما تنطوي عليه الذات من قدرة على الوعي فذاك شأن المنجز اللغوي المفهومي في الفلسفة مثلا او حتى في كثير من فروع العلوم الانسانية بما فيها ا لنقد الفني او النقد الادبي. وإنما هي علاقة منوطة بذات محمولة على حد الوعي ولكن بشكل أدقّ على حد الادراك، وبتعبير آخر فإنه لا تعنينا في هذه الورقة الذات التي تتولى تأسيس المفاهيم وانما تعنينا الذات التي تتولى فعل الادراك. ولابد من الاشارة هاهنا الى أننا نصدر عن التمييز الذي يجريه جيل دولوز بين ثلاثة انماط من الخطاب حيث الخطاب الفلسفي معقود على التوسّل بالمفهوم Concpet وحيث الخطاب الفني معقود على التوسّل بفعل الادراك Percept وحيث الخطاب الديني معقود على الانفعال Affect. إذن على ضوء هذا التحسّس الاولي لمدلول الذات نحاول ان نتأوّل التجربة الشعرية المغاربية ضمن سياق تداخلها مع المعرفيّ باعتبارها سياقا يفضي بها إلى أفق الكونية. ولعلّه تنبغي الاشارة هاهنا الى أننا لا ندرج هذا التأويل ضمن السياق الرومنطيقي، بمعنى أنه يتعيّن اجتناب المغالطة التي يمكن ان يقود اليها استعمال مقولة الذات فنصوّر اننا ازاء تجربة شعرية تنخرط ضمن الافق الرومنطيقي بوصفه معقودا على حضور مكثّف للذاتية. ولمثل هذه المحاذير أحلنا على التمييز الذي يجريه دولوز بين المفهوم والادراك والانفعال، فالذات الرومنطيقية ذات انفعالية ولذلك يمكن اعتبار الادب الرومنطيقي اقرب الى معنى الديانة (الديانة الطبيعية هذا رأي نجازف به ولا ندّعي له الوجاهة حتى نختبره) في حين أن الذات في فضاء الشعر المغاربي المعاصر انما هو حضور ذات ادراكية Sujet perceptif. وبالرغم من أن مسألة الذاتية في الشعر المغاربي لا تعنينا على نحو مباشر في هذه المناسبة، فإنها تظل شرط امكان المشاركة في كونية الادب، باعتبارها مشاركة تقتضي اسهاما معرفيا، وقد اشرنا الى أن الذات حدّ معرفي. على ان المعرفة هاهنا مذوّبة في خطاب شعريّ او هي متمثّلة على نحو جماليّ حتى لا ينحرف الفهم الى اعتبار الخطاب الشعري مجرّد قناع لمضمون معرفيّ، او فلنكن عن حضور المعرفة شعريا بالنسغ الطريّ الذي يملأ شرايين القصيدة (وقد يجوز في هذا المقام ان نعقد مقارنة بين تجربة أدونيس وبين تجارب بعض الشعراء المغاربة الذين لا يخفى الهم المعرفي الذي يصدرون عنه في نصوصهم سواء أكان همّا نقديا متعلقا بالشعرية Poétique او حتى ب «نظرية الشعر» Poétologie فبعض النقاد يجدون في تمثل ادونس برصيد معرفيّ مدعاة للتظنن على بعض نصوصه على اساس انه قد جاوز فيها المقادير المعرفية التي يُسمح بضخّها في القصيدة. وعلينا ان ننظر في مسألة «التقدير» هذه وأن نتبيّن امكانها من عدمه). وإننا لنستعمل هاهنا مقولة «الكونية» ضد مقولة «العولمة» فالاولى في تقديرنا أفق محمود يجدر بالانسان أن ينخرط فيه، والكونية قيمة انسانية تتناسب وثراء الوجود الانساني لأنها لا تلغي الاختلاف والتعدّد بل تسعى الى ادماجهما في سياق من التناغم، في حين ان الثانية، على نحو ما يصرّفها أهل السياسة وتقنيو الاقتصاد العالمي تقوم على المجانسة والتنميط ومحو تاريخ طويل صرفت فيه الشعوب حياتها وأفنت مصائرها من أجل اثراء تنوّعها وتطوير اختلافها، وخلافها ايضا وهو الذي ينبغي التصدي له ولكن ليس ضمن فضاء العولمة بل ضمن فضاء الكونية الذي لا يحوّل الاختلاف الى خلاف وانما يجعله شرط امكان الحوار. باختصار الكونية أفق وجود والعالمية استيطان مقنّع في أرض الاخر. والشعر لعمقه الاخلاقي (الاخلاق باعتبارها قيما انسانية تدور مدار الحرية والمراهنة على السعادة وليس من جهة كونها آداب سلوك) لا يسعه الا ان يكون صديقا لمقولة الكونية. * الذات الادراكية تنخرط ما يمكن ان نسميه علاقة تذوات Intersubjectivité مع موضوعات ادراكها. وهذا من شأنه ان يستدعي ما يسمّي الوظيفة المؤسطرة للادب Fonction fabuleuse على ان ننظر الى الاسطرة هاهنا لا من جهة صلتها بالجانب العقدي من الاسطورة وانما من جانب «التشخيص» او «الاحيائية» اي اضفاء خصائص الكائن الحي المريد والمالك لقصدية ما (وهو الانسان دون سواه على حد علمنا الى الآن...) على كائن او شيء لا يتوفّر على هذه الخصائص. وبعبارة اخرى فإن ما يجري داخل لقصيدة حوار بين ذاتية الشاعر وذوات اخرى قد تكون كائنات بشرية او حيوانات او اشياء خرساء او حتى علامات لغوية... هذا التذوات هو الذي يضاعف العالم ويفتح باستمرار افق المعنى. * ينبغي ان نتذكّر دائما ان هذه الذات تظل كيانا لغويا. * يستنهض الشعراء المغاربة لاجراء الادراك مختلف الوسائط الحسيّة (هذه الاشارة لا تعني طبعا انهم مازالوا حبيسي المعرفة العامية) وانما هذه الوسائط تعني في ما تعنيه حضور اصداء متفاوتة لفنون اخرى بحسب الوساطة الحسية لكل فن من هذه الفنون. مفارقة الضوء والظلمة (الرسم). تقطيع الحدث المشهد واعادة تركيبه (السينما) الانتقال المتنوّع بين مساحات مختلفة من الصوت والصمت (الموسيقى) فضلا عن تقنيات السرد التي تنتسب اساسا الى فن القص.