تضمن حديث الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح -فك الله حبسه وأتم عليه صحته- العديد من الوقائع التي عايشتها بنفسي وذلك فيما يخص جماعة "شباب الإسلام" فأرى لزاما علي توضيحها وتصحيحها. بداية فإن الدكتور ظلم الجماعة مرتين: الأولى حين لم يراع الظروف التي نشأت فيها، والثانية حين جانبه الصواب في عرض الحقائق، وليس أدل على هذا أكثر من قوله إن الجماعة تكونت في نهاية عام 1973 في حين أنها تكونت عام 1972، والفرق بينهما هائل! فالجامعة -بل مصر كلها- قبل حرب أكتوبر غيرها تماما بعد الحرب. ففي عام 72 كان تواجد الشيوعيين في الجامعة مكثفا، ومشاركة الجمعية الدينية ضعيفا، وحالة اللاحرب واللاسلم وعلاقة السادات بالسوفيت تثير بلبلة وحيرة الشباب. تم إشهار الجماعة في 16/11/1972 في مؤتمر حاشد شرفه الشيخ محمد الغزالي، وإذ بإذاعة لندن تذيع في المساء أن الإخوان المسلمين قد سيطروا على هندسة القاهرة!. طالع أيضا:
* مذكرات عبد المنعم أبو الفتوح كانت نشأتها بمثابة ميلاد حزب سياسي إسلامي؛ حيث انضم إليها فورا ما يقرب من ألف عضو، منهم مواطنون من خارج الجامعة، وأثار نشاطنا المتعدد والواسع فزع السلطة حتى إن "سيد مرعي" سألنا في لقائنا معه بتاريخ 6/1/1973: "من أنتم؟ ومن الذي يحرككم؟ ولماذا ظهرتم في هذا الوقت بالذات؟"، وأضاف: "لقد كنتم كالشرارة التي كادت أن تمتد لتشمل الجامعة كلها". إن أحدا -مهما علا شأنه- لا يجوز ولا يصح أن ينكر الدور الذي قامت به جماعة شباب الإسلام -خاصة في هندسة القاهرة- في الارتقاء بالعمل الإسلامي داخل الجامعة ونقله لآفاق أوسع وأشمل مما كان عليه نشاط الجمعية الدينية، والذي كان لا يتجاوز حدود المسجد، وإصدار مجلة حائط تعلم طلبة الجامعة الصلاة والصوم!، ومع بدايات "شباب الإسلام" انطلق النشاط الإسلامي ليتناول الحديث في السياسة والاقتصاد والحكم بجانب العقيدة والفقه. ويكفي تدليلا على اتساع أفق أعضاء الجماعة وفهمهم الصحيح للإسلام ما اعترف به الدكتور أبو الفتوح نفسه من عدم اهتمامنا بالسنن الظاهرة كاللحية "وهو الفهم الذي أعتقد أن الدكتور أبو الفتوح يسعى لنشره بين شباب الإخوان بعد أن أصبح واحدا من أهم قياداتها، فهل كانت جريمتنا أننا سبقنا غيرنا في فهم الإسلام وإبراز قضاياه الهامة؟! إنني أربأ بالأخ عبد المنعم، الذي نحترم جهاده ومواقفه، أن يسير على نفس درب من يتصورون أن التاريخ يبدأ من عندهم وأن ما عداهم لا شيء!. ورغم استحالة عرض جميع الحقائق المتعلقة بنشاط الجماعة في هذا الحيز المحدود، إلا أنه يهمني الرد على أشد الافتراءات ظلما على الجماعة وأقصد اتهامها بمهادنة النظام، فكيف يكون ذلك وقد ألقي بالقبض على عصام الغزالي -أحد أهم مؤسسيها– في 29/12/1972 أي بعد أقل من شهرين فقط من إشهارها مما حدا بنا للإضراب عن الطعام في سابقة هي الأولى -حسب علمي- في تاريخ الجامعة؛ الأمر الذي كان سببا مباشرا لإغلاقها سنة 1973. أما موضوع صلة الجماعة بمحمد عثمان إسماعيل –أمين تنظيم الاتحاد الاشتراكي– فهو اتهام سخيف حاول البعض إلصاقه بالجماعة لتأكيد علاقتها بالسادات! وفي هذا الصدد أشير فقط إلى اجتماعنا معه فور اعتقال عصام الغزالي؛ حيث عرض علينا قيادة العمل الإسلامي في جامعات مصر كلها مع منحنا مبلغ عشرة آلاف جنيه لإقامة معسكر يضم جميع الجماعات الإسلامية، مع وعده بتنظيم رحلات عمرة وحج لمن نختاره نحن من الطلبة، وقد رفضنا -رئيس الجماعة وأنا- هذا العرض فورا؛ فقد اعتبرناه رشوة صريحة، وأوضحنا له أننا إن كنا نواجه المد الشيوعي في الجامعة فإنما نقوم بذلك من منطلق توجهنا الإسلامي، ولا نقبل أن نكون أداة في يد أحد، كما أن هدفنا الأساسي هو خدمة الإسلام لا محاربة الشيوعية فقط. وقد كان هذا أول وآخر لقاء مع محمد عثمان إسماعيل (ترى كم يساوي مبلغ العشرة آلاف جنيه بحساب أيامنا الآن؟ وأين هذا الشاب الجامعي الذي لا يسيل لعابه تجاه هذا العرض، خاصة أن المبلغ كان سيسلم لي أنا ورئيس الجماعة فقط دون علم باقي أعضائها؟!). أما المفاجأة التي ما كنت أود أن أفصح عنها -ولو لم يتكلم الدكتور أبو الفتوح ما تكلمت- أنه في السنة التالية أقامت الدولة معسكرا عاما للجمعيات الدينية في جامعات مصر كلها -باستثناء جماعة شباب الإسلام- وسافر بعض أعضائها لأداء العمرة على حساب الدولة، فمن الذي كان يهادن السلطة؟! أما عن عدم استمرار الجماعة (استمرت لبضع سنوات بعد تخرج جميع مؤسسيها) فهو ما يطول شرحه، لكن من المؤكد أن لذلك علاقة بكم الضربات التي وجهت لها من السلطة واليسار واليمين بل والجمعية الدينية أيضا، بالإضافة لاستقلالية الجماعة عن أي تنظيم ديني داخلي أو خارجي. وليسمح لي الدكتور أبو الفتوح بعتاب رقيق؛ حيث ذكر أنه "سمع" أنني أصدرت كتابا باسم "أسرار الحركة الطلابية" أفلم يكن من الأوجب أن يقرأه حتى يقف على الحقائق؟ مع العلم بأنه الكتاب الوحيد الذي أرخ للحركة الطلابية في هندسة القاهرة بين عامي 67 و1973!. وإذا كان قد أشار لكتابي "حزب الله في مواجهة حزب الشيطان" فإنني أود أن أصحح له أن هذا عنوان لسلسلة من الكتب دفعت ثمنا لها اعتقالي أيام السادات!. وأخيرا، فإن استخدام الدكتور أبو الفتوح لكلمات: "أظنه"، و"أخبرنا"، "ولا علم لنا بها"، و"لاحظنا"، و"ربما"، و"قد سمعت".. ما يبرهن على تسرعه في الحكم، فما هكذا تتأكد الأمور أو تقيم الأحداث تاريخيا؛ فقد كان أحرى به أن يقرأ كتابي، أو يتصل بأي من مؤسسي الجماعة لو كان يسعى لمعرفة الحقيقة فعلا. مرة أخرى أدعو الله أن يفك حبسه ويتم عليه صحته. وهدانا الله جميعا سبل الرشاد. من مؤسسي جماعة شباب الإسلام نقلاً عن جريدة الشروق المصرية