وعزف الناي يصاحب نبضات البطل فاروق الفار بجلده من إكراهات الجهل والفقر وضيق الأفق في واقع تونسي صرف فشل في معركة التسليم بالإستبداد قبل الثورة وفشل في ممارسة واقع الحرية بعدها .. يأخذ فاروق البطل في رواية الأمين السعيدي "مواسم الريح" طريق الهجرة إلى وول ستريت بالولايات المتحدةالأمريكية ويخون زوجته صالحة تلك الطبيبة الناجحة والزوجة المحبة لزوجها فاروق حبيب الطفولة وأب إبنتها ياسمين ويفضح الراوي مكبوتات الشخصية العربية في تصريف العواطف والغرائز غير المتحققة في حانة مكتظة في إحدى حانات فلوريدا تمكث تلك العجوز من أصول هندية العاشقة لجون الذي يصغرها بعقود كثيرة من الزمن والمنهمك في تربية أبنائه بعد أن ماتت أمهم يسافر بهم إلى فرنسا وتمكث تلك العجوز تذكره وتعلم عشقها له وتصاحبها سخرية السكارى كما لو أن المشاعر في البيئة الإنسانية محكمة الإرتباط بعمر الإنسان فكلما تقدم في الزمن إلا وتخلص من العواطف والغرائز ... فاروق المفتتن بجسد جورجينا تلك الفتاة الفاتنة والعجوز هي خالتها وتراقب حملها من فاروق المثقف العربيد الخائن لصالحة التي تمكث الليالي الطوال تراقب حيرته وتتفهم عقده ومقولاته ...ويشعر فاروق بحجم ما اقترفه حين أنتجت علاقته مع جورجينا طفلا يحمل الكثير من ملامحه كانت سعادة جورجينا لا توصف حين أنجبت طفلها وسمته بنبي ولم تبحث كثيرا في غيابات فاروق ذلك الحيران التائه في شوارع نيويورك وأزقة واشنطن تعوده صور الباعة في باب الجزيرة بتونس العاصمة وغوغاء السكارى في الليل ما بعد منتصف الليل...يغوص الكاتب في أعماق شخصياته ويتجنب الغوص في ما يفسد.رسمه لشخصية صالحة تلك الطبيبة المحبة للفقراء والقادمة من تونس وتعاشر جورجينا ولا تغضب فاروق وفاء لحبها له حتى بعد علمها بخيانته لها مع جورجينا ففي الأخير هو أب لابنتها ياسمين ...يسافر فاروق إلى ألمانيا بحثا عن ذاته وهروبا من مواجهة واقعه الجديد فقد تخلص من الكثير من قناعاته وتغيرت رؤيته للأشياء ...يحن إلى جسد جورجينا الممتلئ بالحياة ويطمئن إلى روح صالحة وعطرها البهي ....عاش فاروق البطل ممزق بين حضارة غربية توهبه بذخ الحياة وبهرجها وحضارة شرقية توهبه السكينة والفضيلة والطمأنينة ...لعن فاروق وعيه المبكر بتفاهة وعي الجامعة التونسية و شعر بعمق الضحالة حينما حضنته حانات وول ستريت وفلوريدا و شوارع واشنطن....العجوز هي الخيط الناظم لمنحنيات الرواية وهي القارئة الوفية لنفاق فاروق البطل في رواية مواسم الريح الذي إكتشف زيف بطولته وزيف الكثير من شعاراته التي أتى بها من تونس ....حيرة الراوي من حيرة مجتمعه الموسوم بالجهل والفقر وضيق الأفق...يتحرر فاروق من عقدتي المكان و الزمان ويغادر البطل لباس الأقنعة لتتعرى حقيقته أمام بهرج الحضارة فلم ينقذه عقله حين وقع في ال0فتتان بجسد جورجينا ولم ينقذه جسد جورجينا وعطرها من التخلص من حبه لصالحة فعاش حيرة الجسد مع صالحة وحيرة العقل مع جورجينا ...يعيش البطل فاروق حيرة حضارية وجودية في مجتمع تونسي لا يحمي اطفاله وفي مجتمع أمريكي لا يحمي كباره....في حركة سردية تنخرط في التحليل النفسي فلا تجد تشابها بين شخصيات الأمين السعيدي في روايته مواسم الريح التي تتنبأ بمتغيرات سياسية عميقة تنطلق من تونس وتنتشر في كل أنحاء العالم فتونس هي محرك الأحداث في رواية مواسم الريح للأمين السعيدي وأمريكا هي منتهاها ....رواية فريدة للأمين السعيدي سيحتار النقاد في تصنيفها وتبويبها ...بلاغة في الوصف وتشويق في ترتيب الأحداث لا ملل بعده ...تنهار الشخصية العربية في رواية الأمين السعيدي أمام قوة الحياة وتشبث الناس بها في الشوارع الفسيحة بالولايات المتحدةالأمريكية وتعود كوابيس الشوارع المتسخة بسقيم العبارة في أروقة الأحياء التونسية والكثير من أزقتها ....خيال الكاتب ينبش في حال الكلاب السائبة والقطط المشردة التي تنكر لها أهلها كما تنكر المجتمع التونسي لمثقفيه ..ليس فاروق البطل في رواية مواسم الريح للأمين السعيدي إلا ذلك المثقف العربي المكبل بعداوة الفقر و الجهل ...( الحيرة في الرواية )