هجوم صاروخي إيراني جديد الآن وانفجارات ضخمة تهز تل أبيب    بداية من الخميس.. استئناف اختبارات الأسبوع المغلق بمعهد ابن ابي الضياف بمنوبة    "الشيوخ الأميركي" يدعم حملة ترامب على إيران    صندوق النقد الدولي: الوقت لا يزال مبكرا للغاية لتقييم التأثير الاقتصادي للحرب على المنطقة والاقتصاد العالمي    أرسنال يستغل تعثر المان سيتي ويعزز صدارته للدوري الإنجليزي    رسمي.. راني خضيرة يعزز صفوف المنتخب الوطني    مجلس الشيوخ يعرقل قرارا يقيد صلاحيات ترمب العسكرية تجاه إيران دون تفويض من الكونغرس    غرق ناقلة غاز روسية قبالة سواحل ليبيا: ماذا حدث؟    لندن: المسيرة التي استهدفت قاعدة "أكروتيري" لم تنطلق من إيران    وزير الشؤون الاجتماعية : التفطن إلى 123 متقاعدا يجمعون بين الجراية والأجر بالقطاعين العمومي والخاص    عاجل/ حادث مرور مروع بهذه الطريق..واصابة 6 أشخاص..    الاطاحة بوفاق اجرامي لترويج المخدرات في سوسة..    تونس البحرية: الحكم بالسجن 10 سنوات على قاصرين حاولا إعدام صديقهما شنقا    متحف سوسة الأثري يحتضن حلقة نقاش حول النماذج الرقمية للمعالم التاريخية بسوسة    تونس/ايطاليا/الانتقال الطاقي: فرص التبادل والتجديد التكنولوجي صلب المعرض الدولي للانتقال الطاقي بريميني    النفيضة: الحماية المدينة تتمكن من إنقاذ سائحة سقطت في بئر عميق    بطولة القسم الوطني "أ" للكرة الطائرة: برنامج مباريات الجولة الثامنة لمرحلة التتويج    أسئلة رمضان . .يجيب عنها الأستاذ الشيخ: أحمد الغربي    أم المؤمنين خديجة (15) متطوعة بالجهد والمال لتخفيف آثار الحصار    ابتكار علمي جديد لمراقبة المناعة دون تحليل دم ...شنوا حكايتوا ؟    الكوتش خالد العجمي .. الرياضة في رمضان مفتاح الانضباط والتوازن    أطباق من الجهات ...«البسيسة الساحلية» سلاح الصائم    5 عادات تخليك تزيد في الوزن وانت صايم    مسابقة قرآنية بالسينغال: الجائزة الأولى للقارئ معاذ الربودي في حفظ كامل القرآن الكريم    ذكريات رمضان فات .. المستنية    بعثة اقتصادية إلى داكار    "مواسم الريح" للأمين السعيدي في فلسطين والكويت ومورتانيا ومالي    قناة نسمة : اكسيدون نجح في استقطاب اهتمام الجمهور منذ حلقاته الأولى    كاتب الدولة للإنتقال الطاقي يؤكّد...لا إشكال في تزوّد تونس بالغاز والنفط    تحذير طبي في رمضان: أعراض لا يجب تجاهلها أثناء الصيام    علاش اسمها ليلة النصف من رمضان و نحتفلوا بها؟    حامة الجريد: اختتام مشروع تحسين إنتاجية النخيل باستعمال التلقيح الآلي    مع الاستعانة بطائرة مروحية: تواصل البحث عن 6 بحارة مفقودين قبالة شواطئ قليبية    عاجل: وزارة الفلاحة تعلن: رصد مرض الصدأ الأصفر ببعض مزارع القمح بالشمال    كرة السلة (السوبر بلاي أوف): شبيبة القيروان تفوز على النادي الإفريقي 87-84    مهرجان المدينة بالكاف: عروض فنية متنوعة    ''الشيمينو'' تستغيث: رشق قطار تونس-الرياض بالحجارة وهو ما يتسبّب في إلغاء بعض اسفرات    تونس: "ناس الغيوان" المغربية في ضيافة مدينة الثقافة    عاجل/ ايران تتخذ هذا القرار بخصوص جنازة خامنئي..    للتوانسة الكلّ: خرجة السفساري في هذا الموعد وفي هذه المدينة    عاجل: عقوبات جديدة ضد أندية كبرى... التفاصيل كاملة    حجز أكثر من 50 ألف لتر من المياه المعدنية داخل مخزن عشوائي بهذه الجهة..    شبّه القيروان بجزيرة إبستين..شكاية جزائية ضد شاب..وهذه التفاصيل..    عاجل-الرصد الجوي يحذّر: رياح وأمطار تصل إلى 40 ملم..وين؟    رسميًا: تنصيب المكتب المنتخب الجديد للرابطة الوطنية لكرة القدم المحترفة    معز التومي لمنتقديه: أين كنتم عندما عانيت من المرض أربع سنوات؟    ريم بن مسعود: ''أخي المواطن...المتابعات على أنستغرام غلبت الموهبة''!    سفارة تونس بالجزائر تدعو الراغبين من الجالية في أداء مناسك الحج لموسم 2026 إلى إيداع ملفاتهم لدى مصالح البعثة الدبلوماسية    السجن 12 عاما للخبير الأمني نور الدين النيفر في قضية ذات صبغة إرهابية    وزارة الخارجة تحذّر وتنشر قائمة الأرقام والعناوين اللّي لازم تكون عند كل تونسي في الخليج    عاجل: في عزّ الأسبوع المغلق... قرار إداري يربك تلاميذ ابن أبي ضياف..شفما؟    ارتفاع أسعار النفط مع تعطل الإمدادات من الشرق الأوسط    كأس الجزائر لكرة القدم: محمد علي بن حمودة يقود شباب بلوزداد إلى نصف النهائي    قبل ماتش الأهلي: بُشرى سارة لجماهير ''المكشخة''    طقس اليوم: ضباب محلي صباحا وارتفاع طفيف في الحرارة    دعاء النصف من رمضان...أدعية تنجيك من الكرب    تقرير يكشف خفايا العملية التي أدت إلى اغتيال خامنئي    مفزع: حجز 500 كلغ من المواد الغذائية الفاسدة بهذه الجهة..#خبر_عاجل    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في الهوية الايديولوجية لحركة النهضة:محاورة ل"ملاحظات حول المؤتمر الثامن...
نشر في الفجر نيوز يوم 12 - 02 - 2008


في الهوية الايديولوجية لحركة النهضة
محاورة ل"ملاحظات حول المؤتمر الثامن ل''حركة النهضة''
أحمد قعلول
نشرت "صوت الشعب"، اللسان المركزي لحزب العمال الشيوعي التونسي، في العدد 257 لشهر سبتمبر2007 مقالا غير موقع بعنوان "ملاحظات حول المؤتمر الثامن ل''حركة النهضة''. وقد تناول المقال احدى الفقرات الوادرة في البيان بالتحليل والتعليق. وسيتناول هذا المقال النص الذي نشر في صوت الشعب لما اتسم به من وضوح ولاهمية التفاعل معه بما انه صدر من طرف سياسي مناضل ووطني ونقيض ايديولجي لحركة النهضة، ما يجعل الحوار معه مجديا وذا قيمة عملية.
مع العلم ان هذا المقال يعبر عن راي كاتبه ولا يعبر عن راي اي جهة رسمية.
واود ابتداء تثمين التنبيهات التي بدا بها مقال صوت الشعب في التمييز بين العمل السياسي او الاشتراك في العمل والنضال السياسي وبين النقاش والحوار والاختلاف في القضايا ذات الطابع الايديولوجي والفكري والثقافي ما لم تستغل هذه النقاشات من اجل الابتزاز السياسي مثلما هو الحال لبعض النقاشات الدائرة تحت بعض الافتات الوطنية.
وذلك ان الحوار الفكري يحتاج الى مجال واسع ومساحة من الحرية وغياب الاكراه ولا شك انه يحسب لقيادة حزب العمال وضوحها في هذا المجال ورصانة موقفها السياسي بالمقارنة مع بعض الاطراف السياسية التي ترى ان الحسم الايديولوجي يمثل الشرط الاول في امكانية الاشتراك في النضال السياسي او حتى في القبول بمشاركة المختلفين في اللعبة السياسية.
في الهوية الايديولوجية لحركة النهضة:
بنى المقال المنشور في صوت الشعب تحليله على الفقرة التالية من البيان الختامي لحركة النهضة والذي جاء فيه ما يلي:
"جدّد المؤتمرون التزام "حركة النهضة" بالهوية التي حددتها وثائقها السابقة والتي تعني الاعتماد على المرجعية الإسلامية وما يعنيه من تقيد جميع تصوراتها ومواقفها بما هو معلوم من الدين بالضرورة مضمنا في النصوص الشرعية القطعية مع التوسع في غيرها من الظنيات بالاجتهاد بشروطه المعتبرة والتمسك في ذلك بالقيم السياسية والاجتماعية العليا من حرية وشورى واحترام للخيار الشعبي وتكافل اجتماعي ومساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات دون أي إقصاء أو إلغاء. وهي تعتبر نفسها امتدادا لجهود الإصلاح والتجديد التي توارد عليها المصلحون والمجددون في داخل تونس وخارجها انطلاقا من منهجها الوسطي".
اعتبر المقال ان الموقف الذي عبر عنه البيان يحمل توجهين متناقضين يعبر اولهما عن "موقف أصولي يؤكد ضمنيا التمسك بالمواقف التقليدية للحركات "الإخوانية"، والثاني يتضمن "موقفا "إصلاحيا"، "تجديديا"، "اجتهاديا". واعتبر المقال ان كل جزء من الفقرة ينتج موقفا سياسيا متناقضا مع الآخر اذ ان التوجه الاول يعبر عن موقف رافض "للحرية والمساواة واحترام الحرمة الجسدية والديمقراطية" كما انه لا يجيز "الاجتهاد إلا في "الظنيات".
أما الموقف الثاني المعبر عنه في النصف الثاني من الفقرة المنقولة من البيان فانه ينبئ حسب المقال عن تبن لقيم "حداثية (الحرية، المساواة، احترام السيادة الشعبية، رفض الإقصاء والإلغاء، إلخ.) ويدرج الحركة في إطار حركات الإصلاح الإسلامي المعاصرة في تونس وخارجها والتي حاولت "تحديث الإسلام" لجعله متوافقا، لا متنافرا، مع المبادئ الليبرالية التي أتت بها الثورات البورجوازية في أوروبا وانبنت عليها أنظمة الحكم في هذه المنطقة" .
- تحمل هذه الفقرة تصورا سائدا عادة ما يربط بشكل سببي بين التصورات الفكرية والمسلكية السياسية. فما يرى من الفكر عقلا مثلا وانفتاحا اعتبر مؤشرا على السلوك السياسي الديمقراطي والتحرري وما اعتبر من الفكر محافضة وانغلاقا اعتبر مؤشرا على مسلكية سياسية واجتماعية استبدادية.
- ويربط المقال ربطا سببيا بين منظومة الحداثة ومبشراتها والديمقراطية بمثل ربطه بين المنظومة التقليدية والاستبداد.
- كما يحمل النص تصورا يعتبر ان الفكر اما ان يكون فكرا متحررا منفتحا مطلقا او منغلقا مقيدا مطلقا بحيث لا يمكن ان يكون هناك رابط بين اي من المنظومتين. ويرى ان ما يصفه انفتاحا واجتهادا عمل ايجابي وان المحافظة والانغلاق عمل سلبي.
- واخيرا يحتكم المقال في معاييره الى قيم وشعارات يربطها وجوديا بالحداثة ما يعني ان المنظومة الاسلامية محكومة بهذه المعايير والقيم فان هي اقتربت منها كانت النتيجة ايجابية وان هي اختلفت عنها وابتعدت كانت نتيجة التقييم سلبيبة.
(1في العلاقة بين الايديولوجيا والسياسة:
سائدة هي المقولات التي تربط وبشكل سببي بين الممارسة السياسية وخلفيتها السياسية وكذلك هي التحليلات التي تسعى لتفسير الوضع الاسبدادي بالخلفية الفكرية او الثقافية للشعوب ومن هنا التحليلات السائدة التي تسعى للبحث عن اصول الاستبداد في العالم العربي والاسلامي من خلال محاولة ابراز مجموعة من الاصول الفكرية والثقافية المنتشرة في المجتمعات العربية والاسلامية. ليس المقام في هذا المقال لتحليل هذه التصور الشائع او الرد عليه بالتفصيل ولكن من المهم التنبيه على ان المنظومة الايديولوجية ليست سابقة دائما للمارسة السياسية بل ربما تطور ايديولوجيا او تاويل لمنظومة فكرية ما، تبريرا لممارسة سياسية قائمة ومن اجل الهمينة على وعي الجماهير وتصوير الواقع في شكل مزيف. هذا من جهة كما انه، ومن جهة اخرى، هناك العديد من الاطراف التي ترفع شعار الديمقراطية وحقوق الانسان والحداثة وما بعد الحداثة الا انها وبتلك الشعارات تغرق في الاستبداد بل هي تستبد باسم الديمقراطية والحداثة وحقوق الانسان بله الذين يستبدون واستبدوا باسم الشعب والطبقة العاملة ومثلهم من يستبد باسم الدين ولذلك فان الجميع سواء اذا استبد وليس هناك عبرة باختلاف العناوين ما دام الاستبداد واحدا.
وفي هذا الاطار تجدر الاشارة الى ان القمع الذي تعاني منه جميع فئات الشعب التونسي يقوم به ويشرف عليه كما يزكيه رافعوا شعارات ولافتات الديمقراطية والحداثة وحقوق الانسان ولم تمنعهم "قناعاتهم" ودينهم من ممارسة الاستبداد وتزكيته. فكما ان علمانية بعض الاطراف اللائكية ورفعهم لشعار الديمقراطية وللاشتراكية وحقوق الطبقات الشعبية الكادحة او الليبيرالية والحرية الفردية وحرية الضمير لم ينتج بسبب ذلك الايمان ديمقراطية وحرية سياسية فان صدق ايمان الاسلاميين بالديمقراطية والحداثة وعلوية حقوق الانسان والمساواة المثلية بين الرجال والنساء وتخليهم عن قوانين الارث الاسلامي وتخليهم عن تشريعات الاسلام في مجال الاحوال الشخصية والمدنية بما في ذلك الحدود وايمانهم بالعلمانية لن يجعل منهم ديقراطيين ولا يضمن ممارستهم السياسية.
2) في حتمية العلاقة بين الحداثة والديمقراطية:
تعتبر الدولة الحديثة الانتاج الابرز للحداثة ومن اهم سمات الدولة الحديثة كونها دولة قومية بالتعريف. الا ان الحداثة التي انتجت هذا النمط من ادارة الحكم انتجت دولا حديثة متنوعة ومتعددة من اهمها النموذج الليبيرالي الذي تبنى الآلية الديمقراطية لادارة الحكم والنموذج الاشتراكي الشيوعي الذي حكم باسم دكتاتورية البلوريتاريا وسياسة الحزب الواحد، كما كانت الحداثة انتجت نموذج الدولة الفاشية ومن منتجات الحداثة اليوم دول تسعى لاستعادة النموذج الامبراطوري الروماني. ولذلك فان القول بان الحداثة تنتج حتما "الديمقراطية" قول غير دقيق كما ان القول بان الحداثة تنتج مجتمعات حرة تحترم حقوق الانسان هو ايضا مجانب للحقيقة وحتى اذا ما ركزنا انتباهنا على الدول الليبيرالية فان هذه الدول "الديمقراطية" قامت في اغلبها على الديمقراطية الداخلية والاستبداد الخارجي بل يمكن القول انها لم تكن قادرة على الادارة السلمية للعلملية السياسية الداخلية لولا عمليات النهب المتواصل الذي تقوم به خارجيا. ولذلك فانه حري بمثقفينا ان يتخلوا عن هذا الوهم الحداثي وعن التبشير بجنة الحداثة التي ستاتي بكل الخيرات على المستوى السياسي والاجتماعي، وكما لهم نظرة نقدية الى الاسلام فغير مناسب ان يتبنوا نظرة دغمائية الى الحداثة.
3) في الانغلاق والانفتاح والاجهاد والتقليد:
من المهم التنبيه ان حركة النهضة التونسية بما هي حركة اسلامية منضبطة مقولاتها الفكرية بالاسلام وبمبادئه، مثلما هو الشان لحزب العمال الشيوعي الذي هو حركة ذات خلفية ايديولوجية منظبطة بقراءة ورؤية خاصة للفكر الماركسي وهو بصفته تلك يقوم على اسس فكرية تحدد هويته وتضبط مجال الاجتهاد والتاويل والتغيير بحيث اذا ما وقع تجاوز تلك الاسس انتفت الصفة الماركسية عن الحزب.
اريد القول ان لكل حزب ايديولجي اسس فكرية صلبة يكون المس منها او التليين فيها مسا بهوية الحزب عموما. وذلك ان الاجتهاد كي يكون ممكنا يحتاج لان ينطلق من مجموعة من القواعد كما ان كل فكر كي يقوم يحتاج لان يسلم بمجموعة من المقولات والا اصبح عاجزا عن التفكير والقول والتواصل. ثم ان الاجتهاد والمحافظة والتقليد والتحرر اعمال لا قيمة لها خارج سياقها وثمراتها فهي في حالات تعبير ايجابي وفي اخرى سلوك سلبي بحسب المقام والمصالح المقصودة. فالاجتهاد والتغيير مطلوبان خاصة في حالات القوة والنشاط اما في حالات الضعف والخطر الخارجي فان المحافظة اولى هذا مع اخذ عملية التنسيب بعين الاعتبار ولكن المقصود ان التبشير المطلق بالانعتاق من كل القيود وبالاجتهاد الى غير ذلك من شعارات لمَاعة لا علاقة لها بواقع الحياة لا من جانب الممارسة الفكرية او السياسية لا جدوى منه خاصة اذا ما كان الجدال من المفروض ان يكون سياسيا.
4) في المعايير والقيم الحاكمة والمحكومة:
ان الحديثة عن الاعتدال وقبول الاخر والتسامح لا يحتاج اليه اذا ما كان الاخر شبيها او مثيلا. بل ان روح التسامح تختبر عند التعامل مع المختلف بل مع النقيض اولى. ولذلك فان محاكمة مقولات الحركة الاسلامية الى مقولات الحداثة هو محاولة لوضعها تحت السقف العلماني. فالحركة الاسلامية تحاكم الحداثة بالاسلام فتنظر الى مدى توافق قيمها مع الاسلام او اختلافها عنه، وفي المقابل فان الاحزاب والتيارات العلمانية تحاكم الاسلام بمدى توافقه واختلافه عن الحداثة او ما بعدها. وليس المطلوب، حسب رايي، في الاطار السياسي ان يغير اي طرف معاييره وقيمه، بل المطلوب البحث عن المشترك ان وجد وتنظيم الخلاف والاختلاف حتى يكون سلميا. ومن هنا فانه كما يطالب العلمانيون الاسلاميين بالتخلي عن التكفير فانه على العلمانيين ان يتخلوا عن تكفير الاسلاميين وليحتفظ كل بدينه وليتفقوا على المشترك السياسي ولكل ان يكفر او يؤمن او ان يفتح منابر للمناظرة العقائدية والايديولوجية بعيدا عن التوظيف والابتزاز السياسي.
واخيرا: بدا المقال المنشور في صوت الشعب اعتذاريا اذ قدم لنفسه بالتبرير للعلاقة السياسية بحركة النهضة من خلال التاكيد ان الاشتراك في النضال السياسي لا يعني التخلي عن الاختلافات الايديولوجية. كما دعى المقال من يعتبرهم اصلاحيين في حركة النهضة الى تعميق مسارهم من اجل رفع الحركة الى المستوى المبشر به.
والحقيقة انه ما كان لطرف سياسي ان يطالب طرفا آخر بما يطالب به هذا المقال المنشور دون توقيع في منبر رسمي لحزب سياسي.
فكيف يريد الاخوة العلمانيون من ابناء النهضة ان يكونوا ديمقراطيين اذا ما طالبوهم باقصاء من يرونه هم محافضون. على اني ارى من موقعي الشخصي ان المقال لم يات في الحقيقة بدافع الحوار مع شريك سياسي بقدر ما جاء تعبيرا عن خلافات داخلية في صلب حزب العمال ويتسع الى الطيف العلماني التونسي بين طرف استئصالي لا يرى في الاسلاميين خير وطرف وطني يؤجل الخلاف الايديولوجي او هو يضعه في مساحات مختلفة عن مساحة النضال السياسي. الا ان هذا الطرف الثاني يبدو انه راى نفسه متهما داخل الحزب او من اصدقائه فاراد ان يبرء نفسه من خلال القيام بخطوة الى الوراء ليتقدم في اتجاه الحفاظ على شراكته السياسية (بالطبع هذا ان احسنا الضن) وفي كل الاحوال فان الربط بين الممارسة السياسية والخلفية العقائدية ربط غير صحيح وان كان مفهوما، فالفكر ليس ضامنا للممارسة واذا كان العلمانيون يريدون ضمانات سياسية من الاسلاميين من خلال دفعهم الى التخلي عن مجموعة من مقولاتهم الثقافية والعقائدية فانهم ان نجحوا في ما يطلبون لا يحققون مقاصدهم بل هم فقط يضيعون فرصا على البلاد ووقتا ثمينا على الشعب التونسي الذي سيحتاج الى بناء جيل آخر من اجل انتاج نخب جديدة تتبنى مقولات شبيهة بالتي وقع التخلي عنها او مقولات اكثر محافظة. وذلك ان الحركة الاسلامية انما التف حولها الناس بسبب تلك المقولات والشعارات فالذين حملوا لافتة الاسلام بحسب الرؤية والنهج الذي عليه حركة النهضة ومدرسة الاخوان عموما استقطبوا بتلك الشعارات الفئات الواسعة من الشعب ولذلك فان التخلي عن هذه الشعارات والنهج لما هو اكثر منه تشددا او "انفتاحا" سيهمش تلك الفئات الشعبية او وبشكل اصح سيهمش هذه الحركة.
انه ان كان لدى اخواننا العلمانيين مقاصد صادقة في "تطوير" الفكر الاسلامي وهو لا شك يحتاج الى تطوير فان الابتزاز الايديولوجي والسياسي واجواء الاستبداد لا تنتج عادة الا محافظة مهووسة بالاخر او تحللا وانبطاحا.
وآخرا: ليس هناك من ضمان لاي طرف سياسي ولا من اي طرف سياسي، وان كانت نواياه صادقة. كما انه ليس هناك ضمان لان لا يتصارع ويتقاتل رفاق السجن والنضال بالامس واليوم على الثروة والسلطة اذا ما فتحت لهم ابوابها. فالسلطة كما يقول ابن خلدون تميل الى التفرد والاستبداد ولا يمنع مستبدا من الاستبداد الا سلطة تردعه عن استبداده وظلمه. وهذا يجعل المسؤولية على كل من يهمهم مستقبل تونس ومصلحة شعبه كي يعملوا جميعا من اجل تحقيق ذلك الغد كي لا ينفرد طرف بالتضحيات من اجل ذلك الغد فيطلب ثماره لنفسه دون غيره فنرث استبداد عن استبداد.
إن هذه الفقرة تتضمن ، كما هو واضح، موقفين متناقضين تماما. فالجزء الأول منها يعبر عن موقف أصولي يؤكد ضمنيا التمسك بالمواقف التقليدية للحركات "الإخوانية" في مجالات العقيدة والأحوال الشخصية وحقوق الإنسان ونظام الحكم وهي المواقف الرافضة للحرية والمساواة واحترام الحرمة الجسدية والديمقراطية والتي لاتجيز الاجتهاد إلا في "الظنيات" (أي في ما ليس فيه حكم)، وهي تقيّد هذا الاجتهاد بالشروط الفقهية المتعارفة التي تحدّ من حرية المجتهد. وهذا الموقف الأيديولوجي، هو موقف غلاة "الإخوان" القطبيين (نسبة إلى السيد قطب) دعاة الدولة التيوقراطية المستبدة بالناس باسم الدين والتي لا تختلف عن الأنظمة المستبدة الحالية إلا بذلك الغلاف الديني، إن لم تكن أحيانا أفظع منها كما هو الحال في السعودية أو في أفغانستان "طالبان" سابقا.
أما الجزء الثاني من الفقرة فيتضمن موقفا "إصلاحيا" ، "تجديديا"، "اجتهاديا"، يتبنى قيما حداثية (الحرية، المساواة، احترام السيادة الشعبية، رفض الإقصاء والإلغاء، إلخ.) ويدرج الحركة في إطار حركات الإصلاح الإسلامي المعاصرة في تونس وخارجها والتي حاولت "تحديث الإسلام" لجعله متوافقا، لا متنافرا، مع المبادئ الليبرالية التي أتت بها الثورات البورجوازية في أوروبا وانبنت عليها أنظمة الحكم في هذه المنطقة، وقد تعددت مقاربات تلك الحركات واختلفت درجات جذريتها وفقا للمناخات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي ظهرت فيها، وقد عبر عنها أشخاص (مصلحون، مجددون...) أكثر مما عبرت عنها مجموعات أو تنظيمات.


---------------
aqlamonline : العدد الحادي والعشرون
السنة الخامسة / فيفري - مارس 2008

http://www.aqlamonline.com/agaaloul21.htm


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.