تنبيه: آخر أجل لخلاص معلوم الجولان لأصحاب الأرقام الفردية    ترامب يصعّد لهجته تجاه إيران: "الثلاثاء موعد نهائي"    البنك المركزي: إرتفاع عائدات العمل المتراكمة بنسبة 6،5%    غدا اضراب الأساتذة..وهذه التراتيب..#خبر_عاجل    مصر.. حكم بحبس مرتضى منصور    بنزرت: دورة تكوينية حول التنقل الكهربائي    ديوان التونسيين بالخارج يعلن عن إعادة بث سلسلة دروس اللغة العربية لأبناء الجالية    نسبة الاستثمار تنخفض إلى 8%: شنوا يعني هذا للتوانسة ؟    وزارة التربية تقرّر الاقتصار على فرض مراقبة واحد في مادة الرياضيات خلال الثلاثي الثالث    الملتقى الثالث للتراث والابتكار الفني بحي الزهور من 30 أفريل الى 03 ماي 2026    مواطنة أوروبية تعتنق الإسلام في مكتب مفتي الجمهورية    المرشدين السياحيين غاضبون من قرار الترفيع في أسعار الدخول للمتاحف    فتح مناظرات الدخول لمدارس المهندسين 2026-2027...سجّل قبل هذا التاريخ    باك 2026 : هذا وقت الامتحانات التطبيقية في المواد الإعلامية!    غرفة التجارة والصناعة للوسط تنظم بعثة اقتصادية إلى الصالون الدولي للبلاستيك بميلانو من 8 إلى 11 جوان 2026    الإتحاد الوطني للمرشدين السياحيين يستنكر قرار مراجعة معاليم الدخول إلى المواقع والمتاحف الأثرية دون التشاور مع الأطراف النقابية المتداخلة في القطاع    تونس تشارك في ملتقى الجائزة الكبرى لبارا ألعاب قوى بالمغرب من 19 الى 25 افريل الجاري ب12 عنصرا    شنوّا أفضل لصحتك؟: التنّ بالماء ولّا بالزيت؟    شنوّا يصير لجسمك كان تأكل قشرة البطاطا الحلوة؟    الترجي الرياضي: اصابة كسيلة بوعالية وشهاب الجبالي وغيابهما عن لقاء صان داونز    بطولة الكرة الطائرة: برنامج الجولة الثالثة من نصف النهائي    الملتقى الوطنيّ للقصّة القصيرة جدّا بمنزل تميم: دورة صالح الدمس.. وتوصية بالانفتاح العربي    رئيس الجمهورية: التلفزة الوطنية مطالبة بتغيير خطابها    سعيّد: "هناك استعدادات واحتياطات لتداعيات الحرب في الشرق الأوسط"    وصول 11 تونسيا إلى مطار تونس قرطاج بعد اجلائهم من هذه الدولة..#خبر_عاجل    عاجل: روسيا تعفي مواطني هذه الدولة العربية من الفيزا بداية من ماي    عاجل/ يهم الزيادة في أجور موظفي القطاع العام والخاص: رئيس الدولة يعلن..    كيفاش تنجم تتحصل على سيارة شعبية؟    شوف شنوا ينجم يفيدك قشور الليمون والفلفل في كوجينتك!    محل 40 منشور تفتيش..تفاصيل الاطاحة بعنصر خطير بباردو..#خبر_عاجل    عاجل/ الإطاحة بشبكة ترويج مخدرات دولية بحدائق قرطاج..    الرابطة المحترفة الثانية: برنامج الجولة الثانية والعشرين    عاجل-شوف منين تشري: تذاكر الترجي ضد صان داونز موجودة عبر هذا الرابط    الرحيلي: مخزون السدود عند 60% وتحذير من خسائر التبخر وغياب التخطيط الاستشرافي    ظافر العابدين: الانفتاح على الثقافات طورني فنياً و هذه التحديات اللى عشتها    تحديد جلسة 17 أفريل لمحاكمة المستشار السابق لوزير الرياضة في قضية الرهان الرياضي    الرابطة الأولى: الترجي الجرجيسي يغرق في سلسلة النتائج السلبية    أحكام تصل إلى 50 عاماً سجناً في قضية شبكة دولية لترويج "الإكستازي" بتونس    تونس في أسبوع شمس وسخانة: لكن توقع عودة الأجواء الشتوية الباردة بهذا التاريخ    د أسامة فوزي: حسن أحمديان قدّم أداءً لافتاً على الجزيرة    عاجل/ قتيلين وجرحى في إسرائيل اثر استهداف مبنى بصاروخ ايراني..    زلزال في عالم التطبيقات: بداية من هذا التاريخ.. ميتا تُغلق "ماسنجر" وتُغير قواعد اللعبة..    إيران وأمريكا تتلقيان خطة لإنهاء الحرب    اغتيال رئيس جهاز استخبارات الحرس الثوري الايراني    شوف جدول مباريات الجولة العاشرة إياب: كل الفرق والتوقيت    البطولة الفرنسية : موناكو يفوز على مرسيليا في ختام الجولة 28    طقس اليوم: ارتفاع درجات الحرارة    وزارة الداخلية تعلن إيقاف 15 شخصًا في إطار مكافحة الاحتكار والمضاربة..#خبر_عاجل    جمال لا يرى    سيدي علي بن عون .. يوم مفتوح للجمعية التونسية لقرى الأطفال س.و.س    مع الشروق : «كروية الأرض» شاهدة على أن التاريخ لا يموت في اسبانيا!    ظهرت في أغنية كورية لثوانٍ.. ابنة أنجلينا جولي وبراد بيت تشغل التواصل    طبيب مختص: قريبا اعتماد الأوكسيجين المضغوط في تأهيل مرضى الجلطة الدماغية    توزر: افتتاح المشروع الثقافي "ستار باور" بدار الثقافة حامة الجريد ضمن برنامج "مغرومين"    مفاجأة: دراسة علمية تكشف..عنصر رئيسي يجعل البكاء سبباً لتحسين مزاجك..    وزارة الشؤون الدينية تنشر دليلا مبسطا حول أحكام الحج والعمرة    ظاهرتان فلكيتان مرتقبتان في تونس في 2026 و2027    فتوى الأضحية..شنوا حكم شراء العلوش بالتقسيط ؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مستقبل الإسلام في الغرب وقطع رقاب المساجد السويسرية :راشد الغنوشي
نشر في الفجر نيوز يوم 09 - 12 - 2009

لقد مثّلت موافقة أغلب السويسريين في استفتاء عام، على حظر إقامة المآذن، صدمة كبرى لمسلمي أوروبا ولعامة المسلمين وللقوى التحررية، لما عرف به هذا البلد من تسامح وحياد، وخلو ّتاريخه من ميراث استعماري، حتى تم اختياره مأوى للمركز الأممي لحقوق الإنسان فكيف حدث ذلك؟ وما آفاق تطوره؟ وما الرد المناسب؟
أولا: خطوات الشيطان
1- جاء الاستفتاء الذي نظمته السلطات السويسرية حول مسألة تشييد المآذن بالنتيجة المنتظرة، الحظر، تعبيرا عن تصاعد المد اليميني الفاشي، وجزءا من حالة أوروبية عامة، عبر عنها حظر الحجاب في فرنسا والرسوم الدانماركية المسيئة, واغتيال الشربيني في قاعة محكمة.. حالة من الكراهية والتوجس تضافرت على تشكيلها عوامل عدة: تنامي مشاعر الخوف من الإسلام وغلبة النظرة السلبية إليه باعتبار أنه ليس رحمة وعدلا وأخوة إنسانية بل هو تهديد ماحق للهوية الغربية ومكاسبها الحداثية وأنماط حياة تعتز بها، هو الخطر على الأبواب، بل "العدو بين أظهرنا".
"
الإسلام لم يعد كما كان في التاريخ مجرد عدو يلاقيه الغرب في ميادين القتال بل تحول إلى خطر داخلي يهدد -في نظر المتعصبين- المجتمعات الأوروبية وحضارتها
"
ذلك ما يدندن حوله القسم الأعظم من المراكز الإعلامية والأكاديمية ودوائر إنتاج الفنون والمعرفة حول الإسلام، وبالخصوص بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول العاصفة. فقد خرجت صبيحتها جريدة لومند أهم صحف فرنسا حاملة هذا العنوان على امتداد غلافها: "كلنا أميركان"، فالذي يجرؤ على النيل من زعيم القوم فقد اعتدى على القوم كلهم، لا سيما والولايات المتحدة قد ملكت من أدوات القوة الناعمة ناهيك عن الصلبة ما مكّنها من تحويل ما أصابها مأساة إنسانية وتهديدا لجملة التمدن الغربي، يقوده الإسلام!!
الإسلام الذي لم يعد كما كان في التاريخ مجرد عدو يلاقونه في ميادين القتال -ومنذ مائتي سنة وحروب الغرب عليه تدور في أرضه- بل حوّله وجود أقليات مسلمة متنامية ترفض الذوبان وتحرص على هويتها وتميزها في أنماط حياتها في زمن تراجع غربي قيمي وديمغرافي، خطرا حقيقيا داخليا يهدد في نظر جماعات التعصب والكيد المشهد العام لهذه المجتمعات وحضارتها.
2- تهيّأت الأجواء لتيارات أقصى اليمين ذات الأصول المسيحية الوثيقة الصلة بالتراث النازي والفاشي أن تتحالف لأول مرة في التاريخ مع الجماعات اليهودية ذات النفوذ الواسع، وقد كان العداء بينهما مستحكما، إلا أن المخططات الإمبريالية والتقارب البابوي مع اليهود وتبرئتهم من دم المسيح إلى جانب ما قام ويقوم به الإعلام والفكر اليهودي من غسل للأدمغة، نجح في تجسير الهوة بين الطرفين على خلفية حضارة مشتركة يطلقون عليها الحضارة المسيحية اليهودية في مواجهة عدو مشترك للجميع هو الإسلام، مع أن الحقيقة الموضوعية أن المسيحية أقرب للإسلام المعترف بها، من اليهودية الكافرة بها.
3- إثر سقوط الاتحاد السوفيتي كانت حاجة البنتاغون والفكر الإستراتيجي الخادم له إلى عدو تحشد في مواجهته القوى وراء القيادة الأميركية، ماسّة، فتم ترشيح الإسلام. وكان للعناصر اليسارية الصهيونية المنقلبة إلى معسكر اليمين المحافظ دور كبير في ذلك.
لقد كان خطاب إسحاق رابين رأس الكيان الصهيوني في البرلمان الأوروبي (أحسبه 1993) صريحا في لفت نظر الدوائر الغربية إلى هذا الخطر بشكل صريح وقوي، لتعميد الإسلام موقع العدو والخطر الداهم. ومصداق ذلك جاء في صحيفة هآرتس 18/2/2009 "الإعلام الإسرائيلي يحاول منذ سنوات عديدة تسويق إسرائيل باعتبارها فيلا في غابة، ونوعا من واجهات العرض المتقدمة للغرب في مواجهة الإسلام المتطرف. نحن نتلقى الصواريخ في سديروت ونقصف غزة، حتى ننقذ باريس ولندن. قادة إسرائيل يشتكون من عدم إحساس الغرب بخطر الإسلام".
4- وجاءت كارثة 11 سبتمبر/أيلول مصدّقة لهذه الأطروحة، تقدّم لكل عدو متربص بالإسلام والمسلمين سلاحا فتاكا وحجة دامغة لترسيخ وتوسيع دائرة الإسلاموفوبيا تخويفا من الإسلام وتحريكا لمخزون العداء التاريخي للإسلام. وسرعان ما تلاحق مسلسل المصائب بتفجير القطارات في لندن ومدريد من قبل عناصر تقيم بين ظهراني المجتمعات الغربية، وبعضها من مواليد الغرب ويحمل جنسياته وتعلم في مدارسه بما يجعله مستحقا لصفة "العدو الذي يعيش بيننا" وهو الوصف الذي أطلقه حزب أقصى اليمين في بريطانيا على الأقلية المسلمة.
5- يزيد ولا شك من تأجيج هذه العداوة وإذكاء نيرانها فشو البطالة بأثر الأزمات الاقتصادية، مما يتيح الفرصة للدعاية المضادة للأقلية المسلمة في الغرب أن تقدم كبش فداء، على أنها المتسببة في هذه البطالة والمعتاشة من أموال الضمان الاجتماعي، دون وقوف على التناقض بين التهمتين.
"
في خضم المنافسات الانتخابية غدت الحرب على المهاجرين تجارة رابحة في كسب أصوات الناخبين من طريق تحميل المهاجرين كل المصائب والإخلال في البلد وهو ما يفتح باب المزايدات تباريا في الحملة على الإسلام
"
6- وفي خضم المنافسات الانتخابية غدت الحرب على المهاجرين ومعظمهم مسلمون تجارة رابحة في كسب أصوات الناخبين من طريق تحميل المهاجرين كل المصائب والإخلال في البلد من بطالة وتراجع للخدمات وفوضى، وهو ما يفتح باب المزايدات تباريا في الحملة على الإسلام والأقلية المسلمة والمهاجرين.
7- لم يقتصر التوظيف السياسي للمهاجرين -ومعظمهم مسلمون- على جماعات أقصى اليمين، فعندما يفتح سوق المزايدة والربح السريع يقل التعفف، فانساقت أحزاب اليمين المعتدل، وانجرفت في إثرها جماعات اليسار، وقطاع واسع من النخبة السياسية والإعلامية والفكرية والدينية، وبعضها اليوم يعبر عن صدمته إزاء نتيجة الاستفتاء السويسري، بينما هو بالأمس القريب مثل بابا روما يحذر النخبة الأوروبية من الافتتان بالإسلام مدعيا سفاهة على خاتم الأنبياء أنه لم يأت البشرية بخير. ألم ينعت الرئيس الفرنسي السابق الاتحاد الأوروبي بأنه ناد مسيحي، وحقّر برلسكوني الحضارة الإسلامية ومنعت فرنسا الحجاب بينما يتأسف وزير خارجيتها اليوم على ما صدر في سويسرا!!
8- إن هذا الحظر يعبر عن فشل الأقلية المسلمة في سويسرا وفي عموم الغرب في تحويل وزنها العددي إلى قوة سياسية للدفاع عن نفسها وكسب أنصار داخل القوى التحررية، رغم الجهود المبذولة، بسبب عزلتها وتشرذمها وتدني مستوى وعيها العام وانشغالها بخلافات مستوردة من العالم الإسلامي، وانكماشها وتأثر بعض أوساطها بفقه التشدد في النظرة إلى غير المسلم وإلى العلاقة معه وفي الموقف من المرأة ومن الفنون.. وقد يبلغ التشدد حد الإجرام كالإقدام على القتل بذريعة حماية الشرف والسرقة بذريعة استباحة مال غير المسلم!! وهي جرائم يحدث مثلها كثيرا في الغرب بدوافع أخرى ولكن الإعلام المعادي المتربص يخص هذه بأكبر كمية من الأضواء لتركيز وإشاعة فكرة الخطر الإسلامي وتهديد النمط المجتمعي السائد.
9- إن نتيجة هذا الاستفتاء ثمرة لتفاعل موروثات تاريخية غربية، مع جملة من المستجدات، ذلك أن فكرة التعدد الديني والعرقي والثقافي فكرة حديثة النشأة في الغرب، بما في ذلك التعدد داخل المسيحية ذاتها، فلقد سالت أنهار من الدماء لمئات السنين بين طوائف المسيحية، حتى تم التوصل إلى تسويات، عزل بمقتضاها الدين في المجال الخاص، ولذلك ما أمكن للإسلام أن يحضر في الساحة الأوروبية خلال العصور الوسيطة إلا حاملا سيفه، فإذا فلّ حده وانسحب تعرّض للإبادة ما خلّف وراءه من مسلمين مسالمين، فلم يكد يسلخ مسجد في أوروبا الغربية من عمره أزيد من قرن، بينما الكنائس والبيع في حواضر الإسلام ظلت أبدا جزءا من بنيته على امتداد تاريخه.
فما حصل من حظر سويسري لبناء المآذن هو نكوص إلى عهود الحروب الدينية وتبشير متجدد بها وتعبير عن أزمة تعيشها الحداثة الغربية، وفشل حقيقي في امتحان التمدن الإنساني القائم على احترام الإنسان وحقوقه وحرياته ومنها حرية الدين والاعتقاد. إنه كشف لما تحت طلاء الحضارة من توحش وبداوة. وتمركز حول الذات يبلغ حد وحدة وجود علماني.
10- كما أن هذا العدوان على الأقلية المسلمة السويسرية (حوالي نصف مليون) يعبر عن أزمة العالم الإسلامي (مليار ونصف) وتشرذمه وتخاذله عن تقديم الدعم الكافي لأقلياته المنتشرة في العالم، تباشير فجره وأنواره المتقدمة، كما تفعل الدول المحترمة في حماية أقلياتها. ولكم أن تتصوروا ماذا كان يحدث لو كان المستهدف بالمنع جزءا من شريعة يهودية كالتذكية (الكاشير)، التي حصلت في سنوات سابقة في سويسرا ذاتها محاولة لإجراء استفتاء حولها بذريعة حماية الحيوان فانتفضت الجماعات اليهودية وأجهضت المحاولة.
إن الأقليات المسلمة تعاني حالة يتم، بسبب تفرّقها وهامشيتها وما تلقاه من خذلان الإخوة. نحن هنا لا نتحدث عن معتصم يحرك جيوشه لحماية امرأة مسلمة.. نتحدث عن ستين دولة منتظمة في منظمة المؤتمر الإسلامي لو أن وزاراتها الخارجية تحركت على الأقل كما فعلت إيران وتركيا وإندونيسيا وليبيا فدعت سفراء الدولة المعنية للاستفسار وتقديم مذكرات احتجاج أو دعت سفراءها للتشاور، أو هددت بسحبهم أو أعادت النظر في المبادلات الاقتصادية أو هددت بالمقاطعة الاقتصادية أو أقدمت على سحب استثماراتها وقطع البترول بمثل ما فعلت ليبيا احتجاجا على اعتقال نجل رئيس الدولة.
"
إن ترك تلك الأقليات لنفسها، مع أهميتها المستقبلية البالغة في الدفاع عن المصالح الإسلامية والعربية، جريمة قومية ووطنية وإثم عظيم الله سائلكم عنه أيها الحكام والعلماء والإعلاميون والنقابيون
"
واضح أن الخلاف حول مسابقة رياضية يمكن أن يفعل من أجله كل ذلك، أما الإسلام ونبيه ومساجده وأقلياته فليست شيئا في حساب هذه الدول، بل الحيطة الواطئة، بل بعض مسالكها المستهترة بالإسلام شجعت هؤلاء، ألم تكن تونس الأسبق لحظر الحجاب ومنع رفع الآذان وشنائع أخرى لم تنفرد بها. العالم الإسلامي يتحمل مسؤولية فيما وقع من عدوان على الإسلام وأهله في سويسرا وتكرر مثله وأشد في بلاد أوروبية أخرى ومرشح للتفاقم أمام تصاعد تيارات اليمين المتصهينة. إن ترك تلك الأقليات لنفسها، مع أهميتها المستقبلية البالغة في الدفاع عن المصالح الإسلامية والعربية، جريمة قومية ووطنية وإثم عظيم الله سائلكم عنه أيها الحكام والعلماء والإعلاميون والنقابيون.. في الحديث الصحيح "ما من امرئ مسلم ينصر مسلما في موضع ينتهك فيه عرضه وتستحل فيه حرمته إلا نصره الله تعالى في موطن يحب فيه نصره وما من امرئ خذل مسلما في موطن تنتهك فيه حرمته إلا خذله الله في موضع يحب فيه نصره".
ثانيا: إلى أين يتجه التحريض؟
يتجه في حده الأدنى إلى فرض العزلة والانكماش على الإسلام وأهله لمنع تحول كمّهم المتصاعد إلى كيف، إلى قوة انتخابية مؤثرة، كل المؤشرات تدل على أنه إذا استمرت الأوضاع تتطور بشكل طبيعي فإن الإسلام قابل للتحول خلال العقود القادمة إلى مكون رئيسي من مكونات المجتمعات الغربية، بما لا يمكن معه لصانع القرار الغربي إلا أن يأخذه بعين الاعتبار، وبالخصوص في كل ما يتعلق بالإسلام وأمته، وهو أمر غير مسبوق، وبالغ الأهمية لأنه كفيل بوضع حد للتحارب السجال بين الأمتين العظيمتين أمة الإسلام وأمة الغرب ولكنه يقض مضاجع جماعات التعصب من كل صنف، فتواصل الليل بالنهار في جهد منظم ناصب لقطع الطريق.
وفي حده الأقصى: تأليب كل القوى ضدهم بما يبرر ويشجع العدوان عليهم، ويولّد ردود أفعال عنيفة داخلهم، تعطي مزيدا من المشروعية للدفع نحو الحسم، بما لا يستبعد معه الوصول إلى تجدد قصص الطرد الجماعي والاعتداء بالجملة (الأندلس، البوسنة..). الثابت أن اللوبي الصهيوني الشديد النفوذ، يرى بوضوح أن الوجود الإسلامي في الغرب يمثل أعظم تهديد لمصالحه التي اشتغل لتحصيلها مئات السنين حتى اتخذ الغرب أداة لنفوذه العالمي وعدوانه على المسلمين، ويرى في نمو الوجود الإسلامي في الغرب تهديدا جادا لمكاسبه وأطماعه، مع أن ما يهدد الإسلام وأهله ومؤسساته في الغرب لن تقف ناره إذا اندلعت على الأقلية المسلمة بل ستطال الأقليات الأخرى ومنها الأقليات اليهودية النافذة، وهو ما أخذ ينبه إليه بعض اليهود. ورد في بيان الاتحاد السويسري للمنظمات اليهودية استنكاره للاستفتاء وتحذيره من تصاعد مد التعصب (القدس 29/11/2009).
ثالثا: العلاج
- أن تخرج تلك الأقليات من عزلتها وتغادر خلافاتها الصغيرة وتنخرط في الحياة السياسية في الأحزاب القائمة، وتبحث لها عن حلفاء وأصدقاء وتخرج لها متحدثين باسمها أكفاء مثل طارق رمضان وعزام التميمي، من أجل أن تحول كثرتها العددية إلى قوة سياسية، فتكون لها القدرة على الدفاع عن نفسها. الغرب متعدد، فليس كله يمينا فاشستيا وجماعات صهيونية، رغم ما تتمتع به هذه من نفوذ واسع.
في الغرب ومنه سويسرا قوى تحررية تناضل ضد التعصب والفاشية والإمبريالية والصهيونية مرشحة للتعاون مع الأقلية الإسلامية، كما حصل في بريطانيا خلال الحرب على العراق سنة 2003 حيث ظهر تحالف بين التيار الإسلامي وبين طيف واسع من الجماعات البريطانية النقابية واليسارية المضادة للعولمة الإمبريالية وللصهيونية، وأمكن لذلك التحالف أن يقود مظاهرات مليونية، ضد الحرب. ورغم أن بلير مضى إلى الحرب لا يبالي إلا أن أثر تلك المسيرات لا يزال يلاحقه.
للأسف لا تزال نزوعات المحافظة هي الغالبة على الوجود الإسلامي في الغرب، مما يدفعه إلى العزلة وبالخصوص أمام ما يشن عليه من حملات عاتية منظمة من قبل خصومه، فينكمش ولا يبحث عن حلفاء له على أساس قضايا إنسانية ووطنية مشتركة، بما تتمكن به هذه الأقليات من الدفاع عن نفسها في إطار حقوق الإنسان.
"
على مسلمي الغرب أن يغادروا مواقع التشرذم والعزلة والانكماش وينخرطوا في مشاغل مجتمعاتهم وهمومها لتغيير الصور النمطية السلبية المرتسمة عن الإسلام أنه دين حرب وعداوة متأصلة للحريات وللنساء وللفنون
"
والخشية من ردود أفعال طائشة تعتمد العنف، تكون نتائجها كارثية أشد مما كان لسابقاتها، بما يوفر الوقود الكافي لمحارق جديدة في أوروبا تعيد للذاكرة فظائع الأندلس والبوسنة، بينما يمكن تحويل الاستفتاء مادة توعية ويقظة واندماج إيجابي. إن على مسلمي الغرب أن يغادروا مواقع التشرذم والعزلة والانكماش وينخرطوا في مشاغل مجتمعاتهم وهمومها لتغيير الصور النمطية السلبية المرتسمة عن الإسلام أنه دين حرب وعداوة متأصلة للحريات وللنساء وللفنون، صورة تصادم من كل وجه أنه رحمة للعالمين وعدل وإخاء وحرية.
- هناك عقبات قانونية أمام تحول نتيجة الاستفتاء إلى جزء من الدستور، وينتظر تفعيل كل الأدوات القانونية داخل سويسرا وعلى الصعيد الأوروبي لإبطال قانون يتناقض مع أصل حقوق الإنسان: حرية المعتقد، وما كان للحكومة السويسرية أن تسمح بالاستفتاء على الحقوق الأساسية للإنسان. أي مسوغ يمكن لصاحب دين أن يتحكم في هيئة العبادة لأهل دين آخر؟ هو التحكم المحض.
- البحث عن حلفاء وسط كل التيارات المستهدفة بعودة النازيين الجدد, وبكلمة: هذه محنة يراد لها أن تفضي إلى محارق، ويمكن أن تتحول إلى منحة تؤصّل الوجود الإسلامي إذا تمت معالجة الأسباب بجدّ "وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم" (215/2) لاسيما ونحن في زمن ثورة الإعلام وقوة الصورة وتنامي سلطة الرأي العالمي، بما لم يعد ميسورا معه الإقدام على مذابح جماعية تأتي على الملايين (في أوروبا 30 مليونا مسلما) إلا أنه إذا استمرت نفس الأسباب فكل شيء يغدو ممكنا "لله الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله" (3/30).
المصدر: الجزيرة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.