مستشفى فطومة بورقيبة بالمنستير: إجراء عمليتي زرع كبد لطفلين خلال 72 ساعة فقط    إنقاذ بحار تعطّل قاربه في سواحل قليبية..وهذه التفاصيل..    إيران تحذر من إغراق المنطقة في "ظلام دامس" ردا على تهديدات ترامب    بطاقتي ايداع بالسجن في حق موظفين سابقين بمؤسسة اعلامية عمومية اشتكاهما منشط اعلامي مشهور    تحويل مروري بهذه المدينة    شنوا اللي يخلي النساء يتفكروا الوجوه والدّيتاي خير من الرجال؟    من رائحة بدنك.. هذه الأمراض يمكن كشفها فوراً    هام-أرصاد هذه الدولة العربية تحذّر من سحب وأمطار متفاوتة الشدة ...وين؟    تونس تحتاج إلى نحو 40 ألف تبرّع إضافي بالدم لتغطية حاجياتها الوطنية السنوية    المنارات: الاطاحة بوفاق اجرامي خطير روع تلاميذ المؤسسات التربوية بالبراكاجات وعمليات السلب    عاجل/ الحرس الثوري الإيراني يهدد أمريكا وحلفاءها..    مسؤول إيراني: جهود باكستان لوقف الحرب تقترب من "مرحلة حاسمة"    مباركة البراهمي تكشف ل «الشروق»:عدد الجنود الأمريكان الخاضعين للعلاج النفسي تضاعف 10 مرات    المركز الثقافي الدولي بالحمامات يستضيف سلسلة من المعارض التشكيلية المتنوعة لفنانين من جنسيات مختلفة    جمال بن سالم مدربا مؤقتا للاولمبي الباجي خلفا للطفي السليمي    تضمّ أكثر من مليار مُستهلك: فرصة واعدة أمام تونس لاقتحام السوق الرقمية الإفريقية    عاجل/ قتلى في إطلاق نار قرب القنصلية الاسرائيلية في إسطنبول..    قضية اغتيال الشهيد بلعيد..تطورات جديدة..#خبر_عاجل    صدمة الطاقة قد تؤدي إلى تغيير مسار السياسة النقدية للبنك المركزي الأوروبي    من تبرسق إلى العالمية... إياد بوريو بطل تونسي يُبهر العالم!    حي النصر: إيقاف مروّج مخدرات حاول الاعتداء على أعوان أمن بسلاح أبيض وغاز مشل للحركة    اتحاد مرشدي السياحة: "الزيادات المفاجئة في رسوم الدخول الى المتاحف تُحمّلنا كلفة عقودنا مع الأجانب"    سبادري TN الأسطوري : علاش غالي وعلاش يحبوه ؟    علاش التونسي ولاّ يتعامل برشا بالكاش ؟    صراع فرنسي على بن حسن... والنجم الساحلي يرفع سقف المطالب    ارتفاع عدد قتلى حوادث المرور منذ بداية السنة وإلى غاية 5 أفريل الجاري    تفعيل مجلس الصحافة في تونس محور حلقة نقاش بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار    صفاقس تحتفي بالرياضة بإطلاق مجمّع ON'Sport الجديد وتنظيم حدث "LEGENDS DAY"    رسميا: إلغاء مواجهة النادي الإفريقي والنجم الساحلي    قبلي: تواصل الاستعدادات لانجاح اختبارات نهاية السنة في مادة التربية البدنية لتلاميذ البكالوريا    في بالك... أكياس الشاي عندها فايدة كبيرة في دارك    ما عادش الدجاج الكل يتقصّ: 15 % أكهو...كيفاش؟!    فتح باب الترشح للمشاركة في عروض الدورة 38 للمهرجان الدولي بنابل    سفارة تونس ببروكسال تنظم تظاهرة اقتصادية للترويج للاستثمار التونسي وزيت الزيتون    النادي الإفريقي: الخلافات تُنهي مشوار أحد الأجانب مع الفريق    ناسا تدرج الكسكسي ضمن وجبات مهمة في رحلتها إلى القمر    كأس حليب كل يوم... شنّوة يعمل لبدنك؟    اليوم النجم يواجه الترجي... ماتش نار في حمام سوسة...وقتاش؟    التوقعات الجوية لهذا اليوم..    عاجل/ تقارير استخباراتية تكشف معطيات جديدة عن وضعية المرشد الأعلى الإيراني وسبب اختفائه..!    بطولة مونزا للتنس : معز الشرقي يودع المنافسات منذ الدور الاول بخسارته امام السويسري ريمون بيرتولا    قفصة: تلميذة تضرم النار في جسدها داخل المعهد    عاجل: قيس سعيّد يعاين إخلالات خطيرة وإهدارًا للمال العام بالمنستير    شنوّة صاير اليوم؟ إضراب يشلّ الإعدادي والثانوي    "أرتميس 2" تبدأ رحلة العودة إلى الأرض بعد إنجاز تاريخي حول القمر    رئيس نقابة الفلاحين: أسعار الأضاحي يمكن أن تتراوح بين 800 د وتصل إلى مستويات أعلى بكثير    حرب إيران.. ترمب يجدد تهديد إيران والقصف المتبادل يحتدم    سليانة ...نجاح تظاهرة الملتقى الجهوي للمسرح    الفنّانة التشكيلية «ملاك بن أحمد» ... تقتحم مناخات الحلم بفرشاة ترمّم جراحات الروح وبقايا الألم    لحياة أسعد وأبسط.. 6 دروس في الاكتفاء الذاتي    حلم دام 30 سنة بصفاقس ...جمعية «الرفيق» للأطفال فاقدي السند تدشّن مقرها الجديد    البطلة جنى بالخير، سفيرة المعرفة، تفوز بالكأس في البطولة الدولية للحساب الذهني بتركيا    الخميس 09 أفريل الجاري ... وكالة احياء التراث والتنمية الثقافية تنظم يوما تطوعيا لتنظيف وصيانة الموقع الاثري بأوتيك    مواطنة أوروبية تعتنق الإسلام في مكتب مفتي الجمهورية    الإتحاد الوطني للمرشدين السياحيين يستنكر قرار مراجعة معاليم الدخول إلى المواقع والمتاحف الأثرية دون التشاور مع الأطراف النقابية المتداخلة في القطاع    مع الشروق : «كروية الأرض» شاهدة على أن التاريخ لا يموت في اسبانيا!    وزارة الشؤون الدينية تنشر دليلا مبسطا حول أحكام الحج والعمرة    ظاهرتان فلكيتان مرتقبتان في تونس في 2026 و2027    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ان الحل في "الإسلام هو الحل":رضا المشرقي

لو أردنا أن نصنف الدكتور منصف المرزوقي الكاتب و السياسي لاعتبر من كبار العلمانيين العرب بل من عمالقتهم و لكنه يمتاز عليهم بثوريته و تمرده الى حد التهور في بعض الأحيان (طبعا تهورا سياسيا لا فكريا) و ربما تنزل وجهة نظره في مقاله الأخير لا حل في "الإسلام هو الحل" في هذا النطاق فالرجل يشهد له من عرفه عن قرب و تعامل معه و كافح معه أو حتى من قرأ له عن بعد مثلي، بافتخاره بقوميته و بحرصه على مواجهة التحديات التي تهدد أمته العربية و الاسلامية و حمل همومها حتى أصبح تأثيره خارج اطاره المحلي الوطني ليشمل مساحة كبيرة في الأمة بمفهومها التاريخي و الجغرافي الممتد على كامل الخارطة العربية و الاسلامية.
كانت هذه مقدمة ضرورية قبل الدخول في موضوع المقال لأني أردت أن أناقش الأفكار التي طرحها المرزوقي في مقاله و ليس مناقشة نواياه أو حتى التعرض لشخصه.
و هناك بعض الملاحظات المنهجية حول رؤيته وهي:
1. حاول الدكتور أن يؤكد أنه بصدد تقييم تجارب الاسلاميين، بالرغم من أننا لم نسمع أن هناك اسلاميين في نجد و لا الحجاز بل حتى التجربة التي يمكن أن تحسب عليهم هي تجربة تركيا أو تجربة حماس التي يريدون وؤدها في المهد، كمتبنين لما أطلق عليه بالاسلام السياسي لا الاسلام كشريعة و دين سماوي و لكنه لم يعفه ذلك التبرير من الوقوع فيما وقع فيه الحكام العرب الذين ادعوا أنهم يحاربون من يقحم الدين في السياسة و انتهوا الى تجفيف منابع الدين و بالتالي الحرب على الدين و الا ما دخل الاسلاميون بفرضية الحجاب؟ و لئن كان الحجاب لا ينهي الاحتباس الحراري فان تعرية الرأس لا تلحقنا بالدول المتقدمة؟؟ و ان كانت اقامة الحدود لا توقف زحف الرمال فان تركها لا يجري الأنهار؟؟؟
2 . يعلم الدكتور قبل غيره أن "غزوة نيويورك" قد أدانها الاسلاميون قبل غيرهم لمعرفتهم أنها ستكون وبالا عليهم قبل غيرهم و أنها فعلت بأيدي داخلية و ما توريط تنظيم القاعدة الا من باب الحجة لا غير و انما سوقت لتغطية الحرب على الارهاب فلماذا يحاول عبثا الصاقها بهم؟؟
3 . ان الاسلام لا يضيق بالنقد ان كان داخلي أو خارجي و يكفي القاء نظرة سريعة في كتاب الله "القرآن الكريم" فاننا نجده يزخر بالحوارات بين الأنبياء و الطغاة على مر الزمان فانظروا الى حوار نبي الله موسى (عليه السلام) مع فرعون أو ابراهيم (عليه السلام) مع النمرود بل انظروا الى حوار الله (جل علاه) مع ابليس اللعين فمبدأ الحوار يكفله الاسلام تحت شعار "قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين" و هذا مبدأ هام من المبادئ الاسلامية قد يقصر فيه الاسلاميين لكن يبقى سمة أساسية لخذا الدين .
4. نبه الدكتور الى أن شعار "الإسلام هو الحل" هو سقطة من لدن أصحابه حيث يرى أنه يجب أن تبدل بشعار "الإسلام السياسي هو الحل" حتى يكون أوضح و انه لعمري قد بدل الكل بالجزء فان كان هو و غيره يرون أن الاسلام السياسي هو ذلك الطيف من المسلمين الذين أقحموا الدين في السياسة و بذلك يعتبرون جزءا من الأمة قد يقتربون من الدين بقرب فهمهم له و يبتعدون عنه بقدر خطأهم فيصيبون في أشياء و يخطأون في أخرى فان "الاسلام هو الحل" يرمز الى الدين كله بصفائه و نقائه دون أن تطاله يد التغيير و التبديل لأنه منزل من رب السموات و الأرض فكيف لا يكون هو الحلو قد جاء لاسعاد الانسان في الدنيا قبل الآخرة، و لذلك نرى ابن عباس ( الصحابي) يقول: "لو ضاع مني عقال لوجدته في كتاب الله" والمقصود سنجد في كتاب الله منهج للحياة كلها فإن لم نجد الإجابة المباشرة عن أي تساؤل فإننا سنجد الإشارات إلى منهجية التعامل مع الأشياء
هذا فيما يخص الملاحظات التي أردت أن أسطرها لدراسة الموضوع أما المسائل الأربعة التي رآها الدكتور المرزوقي و اعتبرها أزمات لا يمكن ايجاد لها حل في الاسلام فاننا سنطرحها واحدة تلو الأخرى لنرى رأي الاسلام فيها و هنا لزاما علي أن أذكر الدكتور أن جهل الشيئ لا ينفي وجوده، كما أن بعض الأمراض لها دواء و لكن جهل الطبيب بها لا ينفي وجودها؟؟؟
1. الأزمة الروحية و الأخلاقية: و هذه لعمري حتى أعداء الاسلام اعترفوا له بالريادة و القيادة في ايجاد الحلول لهذه الأزمة بل لو ألقينا نظرة على مدى 14 قرنا لوجدنا أن الاسلام كان حريصا على اعطاء البعد الروحي و الأخلاقي كل الاهتمام لذلك نرى رسول الاسلام (صلى الله عليه وسلم) لخص دعوته في قوله: "انما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" بل ذهب الى اعتبار الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر من لب دعوته فالمسلم ليس ذلك الذي اعتكف في صومتعه للعبادة و يراقب الناس من الثقب أبدا، و لعل ما يميزه على الديانات الأخرى هو أنه استوعب كل حياة الانسان و ذلك مصداقا للقرآن الكريم في قوله" قل ان صلاة و نسكي و محيايي و مماتي لله رب العالمين" و اني لا أريد أن أطيل في هذا الأمر لأنه جلي و ايضاح الواضحات من الفاضحات!!!
2. الأزمة السياسية: و هنا تجدر الاشارة الى أن الاسلام لا يفرق بين السياسي و الديني فهذا من ذاك بل جاء هذا التفريق مع الاستعمار فرسول الاسلام كان يقود الغزوات و يبرم العقود و الاتفاقيات في المسجد و لم يعترض عليه أحد بل ربما بعض شعائر الاسلام لا تقام الا في اطار سياسي كالحج مثلا، و لذلك لما أرادت قريش مساومته قالت له أنها مستعدة لتقديم له كل ما يطلب على أن ينتهي عن بث دعوته التي تساوي بين الحاكم و المحكوم بين السادة و العبيد في الحقوق و الواجبات!!!
ولإن كانت السياسة تريد ترويض الدين فان هذا الأخير كان مستعصيا بل كان ثائرا و لذلك لا يلتقيا حتى يفترقا و هذا يحسب للاسلام لا عليه . و بما أن الاسلام دين مثالي وواقعي في نفس الوقت فقد جاء بمبدأ "ما لا يدرك كله لا يفرط في جله" فعاش مع الحكام بين المد و الجزر و هنا تأتي مشاركة بعض الاسلاميين في بعض الحكومات التي يراها الدكتور دكتاتورية و هي ليس تزكية لهذه الأنظمة و لكنها مشاركة و مغالبة حتى لا تترك لهم البلاد كمزرعة خاصة يرتعون فيها كيف ما شاؤوا ثم يورثونها لمن شاؤوا، فهل ينكر أحد ما ساهم به الاسلاميون في الأردن أواليمن أو المغرب أو مصر ...، بالرغم من الضغوط عليهم و التضييق، من مصلحة للبلاد و العباد؟؟ بالرغم من أن الحكام قد تآمروا عليهم مع العلمانيين و اليسار و غيرهم و لذلك عندما رأى بعضهم استحالة الاستمرار فانهم انسحبوا حتى يجمعوا قواهم لجولة أخرى!!! اذا فالاسلاميون ليسوا مدجلين أو راضين بالطغاة و المتجبرين و لا هم ديكورا للتزوير كما أنهم ليسوا كلهم في سلة واحدة.
و ما حزب العدالة و التنمية، التي أشاد به الدكتور، الا امتدادا للاسلاميين و لم يأتي بين عشية و ضحاها و هناك من مهّد لها الطريق و لكننا نسينا أربكان و اخوانه فما وصل اليه سبقه عمل و جهاد و تضحية و لئن أتيحت لهذا الحزب الفرصة للحكم و المشاركة فقد حرم منها غيره.
فالاسلام لا يعترف بالخضوع للطغاة و الظلمة و التسليم اليهم بل اعتبر ذلك مدعاة للعقاب فقد جاء في القرآن الكريم قول الله: " إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا" فهو ليس كالمسيحية التي تقول " أحبوا أعدائكم، باركوا لاعنيكم، من ضربك على خدك الأيمن، فأدر له خدك الأيسر، و من سرق قميصك فأعطه ازارك... و لا هي كاليهودية التي تدعوا الى الأنانية و تعتبر ديانتها خاصة ببني اسرائيل شعب الله المختار !!!
بل اعتبر الاسلام أن البشرية على متن مركب واحد في البحر اما أن ينجوا كلهم أو يغرقوا كلهم فلا يستطيع أحد أن يقول أنا حر في هذا المركب أفعل بمكاني ما أريد و هذا ما حث عليه الاسلام في أتباعه أن يقاوموا الظلم و الجور و يأخذوا على أيدي الظالمين..
و هذا ما جعل العلامة الشيخ يوسف القرضاوي يعتبر أزمة الأمة هي في غياب الحرية قبل أن تكون تطبيق الشريعة لأن الدكتاتورية رأس البلية و لا شك أن الدكتور قد اكتوى بنارها!!!
3. الأزمة البيئية: نتفق مع الدكتور في اعتباره أن أزمة البيئة ناتجة عن سياسة غربية متعجرفة و أنها لم تراعي مصلحة الانسانية و أن المسلمين فيها ضحايا و ليسوا مذنبين و لكن أختلف معه حول مطالبته بالاستنجاد بالفكر السحري حتى يتخيل أن الاسلام لديه حل لهذه المعضلة.
صحيح أن الوضع قاتم في هذه المسألة لانها لا تمس الناس بصفة مباشرة كما أنه لا يمكن معرفة آثارها الا لدى المتخصصين و لكن الذي يغيب عنا هو أن المسألة لا يجب أن تترك لصراع المصالح بل يجب أن تدخل فيها العقيدة و بصورة مباشرة فقد أطيحت الفرصة للغرب و المادية أن تجرب وجود حلول للانسان فوفرت له كل أسباب الترف و العيش الرغيد و لكنها تركتها في يد زمرة قليلة تحكمها المصالح فأخذت البشرية الى الهاوية.
و ان الاسلام اليوم هو مغيب بسبب تأخر منتسبيه أولا و بسبب الخوف منه و عدم اعطائه فرصة لتجربة دعوته و الا قل لي بربك كيف لدين أن يدخل زانية إلى الجنة بسبب سقي كلب و أن يدخل امرأة للنار بسبب حبس هرة حتى الممات كيف له أن لا يهتم بالبيئة و لا يحث على العناية بها في حين أنه سيحاسب من قتل طائر عبثا و ليس لأكله؟؟
فالاسلام الذي يأجر من زرع نبتة ليأكل منها غيره لحري على أن يعاقب من أفسد لهم عيشهم، لذلك جاء قول النبي (صلى الله عليه وسلم): " من قطع سدرة ( يعني دون مبرر ) صوب الله رأسه في النار"!
و حتى لا يغلب علينا الجانب النظري لابد أن نعطي أمثلة حتى يتضح المقال و نعرف كيف يحل الاسلام مشكلة البيئة، ان المال الذي فرضه تجار السلاح لبيع 33 طائرة حربية لباكستان من قبل فرنسا، بوسعه أن يزوّد سكان هذا البلد و البالغ عددهم أكثر من 55 مليون بالماء الصالح للشراب الذي يفتقدونه، كما أن تخصيب الصحراء من داكار الى مقديشو بواسطة شبكة مضخات مائية تحركها حابسات مياه تعمل بواسطة الطاقة الشمسية يكلف 1.5 بليون دولار، أي ما يعادل تكلفة بناء حاملة طائرات مجهزة ب 86 طائرة عاطلة عن الطيران، كما أن الولايات المتحدة تجبر أوروبا على تبوير 15 % من أراضيها الصالحة للزراعة لتحافظ على أسعار القمح الأمريكي و ان المواطن الأمريكي يساهم في ازدياد حرارة الأرض 6 مرات أكثر من نظيره البرازيلي و أكثر من 190 مرة من الأندونيسي.*
فالمشكلة ليس في القنبلة الديمغرافية لأنها يمكن أن تحل بالتوعية و التنظيم و انما في احتكار أكثر من 80 % من خيرات الأرض بيد أقل من 15 % من السكان و لخلق الطاقة البديلة يكفي استغلال جزءا ضئيلا من الصحاري العربية!!!
اذا الحلول موجودة و سهلة و لكن الارادة غائبة و لا يمكن أن تتحرك هذه الارادة الا اذا كانت بدافع عقائدي يهدف للاعمار و البناء و المصلحة العامة و لأن الاسلام جاء ليحفظ النفس البشرية و النسل و تذوب في خلده المصلحة الخاصة أمام المصلحة العامة اذا تعارضتا...
والقرآن الكريم يدعو الى المحافظة على الطبيعة والتمتع بجمالها ويحرم الافساد في الأرض (وأحسن كما أحسن الله اليك ولا تبغ الفساد في الأرض...)، بل لقد استنبط الفقهاء على أنه لا يجوز للانسان ان يعمر بيته بما يؤدي الى تخريب بيوت الآخرين..
و لكن الغائب هو اعطاء الفرصة لهذه الأفكار كي تسود و مهمة الاسلاميين هي ايصال ذلك و الدفاع عنه و المكانفة له حتى يساهم الاسلام في حل معضلة الأوزون و الاحتباس الحراري و التصحر و غيره...
4. الأزمة الاقتصادية: و أما المعضلة الاقتصادية فهي، كما ذكر الدكتور، لا يمكن أن تحلها بعض بنوك اسلامية لأنها أكبر من ذلك فهي منظومة الربح المفرط و الغش الطاغي و الاحتكار القاتل و لكن من شأن الاسلام أن يعطي تصوره في سياسة اقتصادية تقوم على العمل و الجهد في الكسب و ان كان قليلا و ليس كما ذكر بسبب ارتفاع عدد سكان المعمورة لأننا نؤمن أن ذلك هو هامشي بالمقارنة مع المشكل الأصلي و المتمثل في تكدس الخيرات في أيادي قليلة مما أدى الى عدم التوازن في توزيع الثروات و الا بماذا نفسر أن يقسم العالم الى شعوب منتجة و أخرى مستهلكة و لننظر الولايات المتحدة التي تهب مصر بما تحتاجه من قمح و لا تتركها تزرعه هي حتى تبقى التبعية الاقتصادية و التي تأدي الى تبعية سياسية و اجتماعية.
هل يعلم الدكتور أنه لو زرعت أرض السودان لوحدها فانها تكفي لكل الوطن العربي!!! كما أنه بالرغم من غياب السياسة الموجهة فان العالم الاسلامي ينتج أكثر من 15 % من من إجمالي الإنتاج العالمي للحبوب الغذائية، و أن أكثر نسبة للشباب هو في العالم الاسلامي و هي اما معطلة أو مهمشة و لذلك نراها تركب البحر..
و ان دور الاسلام هو غالبا توجيهي و ليس تفصيلي فالاسلام يعطيك الخطوط العريضة و هي ما تسمى بالمبادئ الأخلاقية في تعامل البشرية و الانسان عليه أن يعمل وفق ذلك، الا اذا وجدت ضرورة للتفصيل..
كما أنه لا يوجد دين حث أهله على الابتكار والابداع و جمع بين المصلحة الفردية دون اضرار بالمصلحة العامة بل جمع ثروة كبيرة مثل الدين الاسلامي و وضع للنظام الإقتصادي معالمه الواضحة التي يتميز بها عن سائر الأنظمة الأخرى حيث جاء هذا النظام متفقاً مع الطبائع الإنسانية، ومقرراً لمصالح كلٍ من الفرد والمجتمع. وهو يعتمد على اجراءاته وقوانينه اٌلإقتصادية جنباًإلى جنب مع القواعد التشريعية الإجتماعية الخلقية والروحية الإسلامية .
و لذلك جاء الإقتصاد الإسلامي بمجموعة من الأسس التى تحكم المجتمع سياسياً واقتصادياً وروحيا ًواجتماعياً الأمر الذي يجعل فيه نظاماً متكاملاً لرفاهية الإنسان والمجتمع... فهو نظام يجمع بين الكفاية الإقتصادية والعقيدة الروحانية والعدالة الإجتماعية التى تقوم على تكافؤ الفرص، والتوازن في الدخول بين الأغنياء والفقراء من خلال الزكاة وهذا التوازن يجعل فيها الأمة الوسط فلا هي اشتراكية ولا غربية، ولا هي رأسمالية أو شيوعية بل هي أمة تخدم الإنسان بحيث لا تتعارض مصالحه مع مصالح المجتمع ولا يطفي أحدهما على الأخر .
ويقوم تطبيق منهج الإقتصاد الإسلامي على مبدأ التكامل والشمول، وتقصر المنافع إذا ما تم تطبيق أجزاء من النظام كأن نبدأ بالبنوك مثلاً أو المصارف الإسلامية، لأنها لا يمكن ان تقوم بأداء الدور المتكامل لتحقيق الأهداف المرجوة، إذ لابد أن تقوم إلى جوارها وحدات إسلامية تطبق المنهج الإسلامى، وكذلك لا يمكن أن تقوم المصارف الإسلامية في ظل بنك مركزي يتعامل مع قواعده بالربا وتتحكم فيه سياسة نقدية وانتمائية لقواعد النظام الرأسمالي حيث تلعب الفائدة دوراً هاماً فى أداء المجتمع وهى تختلف كلية عن النظام الإسلامي وهكذا تتعدد الفوارق بين النظامين.
و لئن حرم الاسلام الاحتكار و الربا فقد أوجد بدائل بأن أباح غيرها، ولذلك فإن المؤسسات المالية الإسلامية تعتمد على البدائل الاستثمارية والتمويلية الأخرى لتحقيق الربح ومنها: المضاربة، المرابحة، المشاركة، الايجار** و غيرها كثير لكنها اليوم لا تجد طريقها للتطبيق و لكن سيأتي عليها الدور.
و في الختام وجب علي أن أنوه بدعوة الدكتور الى الاسلاميين و العلمانيين و اليسار الى توحيد صفهم لمحاربة الظلم و الدكتاتوريات و لكن علينا أن نختبر صدق هذه الدعوة على أرض الواقع من خلال ما يترتب عليها فكما يقال." ان الدعوة التي لا يقوم عليهابينة فأصحابها أدعياء" و كثير ما يتهم الاسلاميون أنهم دعاة ديمقراطية الى حين وصولهم الى هدفهم و بعد ذلك ينقلبوا عليها و بالرغم من أن الواقع يكذب ذلك الا أنه نجح شعار "لا حرية لأعداء الحرية" في سحب البساط من تحت أقدام الاسلاميين و كأنهم غير معنيين بتنمية بلدانهم و بالتالي هم خارج اللعبة الديموقراطية و لذلك حتى تتضح الأمور فانه من حق الاسلاميون أن يوضحوا أن كل الأمور يمكن طرحها للنقاش و الأخذ و العطاء و لكن ان كانت الأحزاب السياسية الأوروبية ترى في الصليب رمز هوية و وحدة لا يمكن مسه فمن حق الاسلاميون بل من واجبهم أن يطالبوا باحترام رمز عزتهم و جامع هويتهم وهو دينهم الاسلامي و عدى ذلك يمكن أن يسعهم مبدأ "نتعاون فيما اتفقنا عليه و يعذر بعضنا فيما اختلفنا فيه" و اذا اتفقنا على ذلك فمن حقنا أن نقول من جديد "الاسلام هو الحل"..
* الاسلام و حضارة الغد للشيخ يوسف القرضاوي
** الاقتصاد الاسلامي لحسن مدني
رضا المشرقي - ايطاليا


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.