الطبوبي: فسفاط قفصة لا يمكنها أن تتحمّل وحدها أعباء التشغيل    أمريكا تمنح تونس 310 ألف جرعة تلقيح    مراد الزغيدي : كلام الغنوشي فاقد للمصداقية لكنه ليس انقلابي    خبير اقتصادي: البنك المركزي لم يقم بطباعة أوراق نقدية في جانفي    الخطوط التونسية: إمكانية حجز التذاكر عبر الهاتف الجوال    عاجل: كانت ستنفّذها فتاة...إحباط عملية إرهابية بتونس    الجزائر: استشهاد عسكريين إثر اشتباك مع مجموعة إرهابية    نسور قرطاج سيلعبون باللون الأحمر ضد بوركينا فاسو    الليلة: طقس بارد ورياح قوية بالمناطق الساحلية    بالفيديو: لطفي وسواغ مان يشتريان قناة تلفزية تونسية    بالفيديو: الصحفية خولة السليتي: هاو علاش قلت عليه والي برتبة باندي    عاجل في تونس : حظر جولان لمدة اسبوعين بهذه الجهة    وزيرة العدل الليبية تنجو من محاولة اغتيال    فيديو/ المتحدث باسم الجيش الليبي: مجموعات "داعش" لها دعم من خلايا في دول الجوار    وفاة قاضية شابة في حادث مرور بمفترق 5 سبتمبر بالمكنين    بطاقات ايداع بالسجن في حق موظف ومدير مصنع النحاس ووالٍ سابق بالقصرين    رسمي: الفيفا تبلغ النادي الإفريقي برفع المنع من الانتداب.. وغدا تأهيل رامي البدوي    النادي الصفاقسي: كريس كواكو يرفض العودة.. نقل المباريات القارية إلى رادس.. ومساع للإبقاء على شواط    توننداكس ينهي اسبوعه الاخير من شهر جانفي 2022 على ارتفاع بنسبة 4ر0 بالمائة    Ooredoo تعلن عن أفضل عرض انترنت في السوق التونسية    والي صفاقس يؤدي زيارة الى ميناء صفاقس التجاري    مصالح الحرس الديواني بالصمار وسيدي بوزيد تتمكن من حجز كميات من البضائع المهربة بقيمة 476 ألف دينار    عاجل: هذا ما قرره القضاء في حق راشد الغنوشي..    تونس : القبض على سارق الدراجات النارية من أمام المساجد    وزارة التجارة: اليوم سيتمّ توزيع هذه المواد    'فايسبوك' يعلن عن تحديث جديد ب'ماسنجر' لتنبيهك عند التقاط 'سكرين شوت' لمحادثاتك    بالفيديو: سقوط وفاء الكيلاني قبل بدء حفل Joy awards    يوسف الصدّيق: ''القرآن ليس مصحفا''    أريانة: تفاصيل مرعبة...هكذا اختطف الأفارقة مواطنا وإمراة في قفص الاتّهام    إضراب جديد في البريد التونسي بداية من 22 مارس    قداس يحذر: منظومة التأمين على المرض 'لاباس"أخطر من "ايفاكس"..خبر_عاجل    شفاء منذر الكبير من فيروس كورونا    بطولة ايطاليا : نادي انتر ميلان يضم روبن غوزينس على سبيل الاعارة    أمريكا تحذر مواطنيها من السفر إلى الإمارات    وزير الرياضة يُهنئ الجريء ووفد المنتخب    بوجدارية: ''ذروة إنتشار أوميكرون لازالت متواصلة في تونس إلى 4 أسابيع أخرى''    22 ألف منزل مهددة بالهدم..جريمة صهيونية جديدة في القدس    كاتب وكتاب..«حمّالة صدر بعين واحدة» لفاطمة بن فضيلة    الفن التشكيلي التونسي يفقد آخر عمالقته ..وداعا عادل مقديش مبدع عليسة ويوغرطة    قضية شحنة المخدرات من الإكوادور إلى تونس: لا وثائق تؤكد توجيه الشحنة الى تونس    سيف الإسلام القذافي يطلق مبادرة لإنهاء الأزمة في ليبيا    فلاحو الزراعات الكبرى..نريد استثمار الأمطار والمنظومة تنهار    وزارة الصحة: تسجيل 14 وفاة و8343 إصابة جديدة بفيروس كورونا    وزارة الصحة: تطعيم 5144 شخصا ضد كورونا يوم 27 جانفي الجاري    اذكروني اذكركم    الإعدام شنقا لقاتل خباز ذبحا بسكين بالملاسين    القيروان .. بعد يوم فقط من استئناف عمله .. غرق عامل إفريقي في ماجل بمعصرة زيتون    المخدرات تدمر الإنسان    المخدرات أعظم المفاسد    مخاطر زيادة الكتلة النقدية    قف: بلاد الفوضى والمزابل!    ارتفاع قائم الدين    بعد حادثة تدافع الجماهير...ال«كاف» يقرر نقل 3 مباريات من ملعب أوليمبي إلى أحمدو أهيدجو    المنتخب الوطني: اختلافات حول التشكيلة وعروض بالجملة للاعبين    الوضع في العالم    وزارة الشؤون الثقافية تنعى الفنان التشكيلي الكبير عادل مڨديش    في الدورة ال5 للملتقى الدولي "شكري بلعيد للفنون": رسم جداريات غرافيتي عملاقة وتركيز مجسم للشهيد    نوال محمودي تتعرّض لتهديدات بالقتل (صور) #خبر_ عاجل    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رسالة من السجن
نشر في الفجر نيوز يوم 14 - 02 - 2010

عاد الحديث بكثرة، في الأسابيع الأخيرة، عن ظروف الاعتقال المأساوية في سجون "العهد الجديد" (هكذا يسمّى عهد بن علي!!!). ويعود ذلك إلى الصرخات التي أطلقتها عائلات الصحفيين توفيق بن بريك وزهير مخلوف ونشطاء الحركة الطلابية السبعة عشر المعتقلين على خلفية نشاطهم النقابي بالجامعة ومئات الشباب الآخرين من ضحايا "قانون مكافحة الإرهاب" سيء السمعة.
"أزواجنا… إخوتنا… أبناؤنا يموتون موتا بطيئا في معتقلاتهم… لا حق لهم في أيّ شيء عدا الضرب وسوء المعاملة والإبعاد والعزلة والحرمان من العلاج والغذاء اللائق ومن ظروف إقامة تتوفّر فيها الشروط الصحية والإنسانية الدنيا… ونحن ينكّل بنا… نلاحقهم من سجن إلى سجن… تارة نعثر عليهم وتارة يقال لنا: "زوجك… إبنك.. أخوك ليس موجودا عندنا"… نطرد ونهان وأحيانا يُعْتَدَى علينا كالبهائم من طرف أشخاص لا حسيب ولا رقيب عليهم…".
هذه هي الرسالة التي أرادت إبلاغها تلك العائلات. وهي رسالة منافية لكل التصريحات الرّسمية التي تحاول بصلف (cynisme) لا حدود له، تجميل معتقلات "العهد الجديد" والادعاء بأن الإقامة فيها "مطابقة للمعايير الدولية" دون أن تفسح المجال لأيّ منظّمة محلية أو إقليمية أو دولية مستقلّة وذات مصداقية، بزيارة هذه المعتقلات والتثبّت في ظروف حياة المساجين فيها. لقد ظلّت السجون طوال أكثر من نصف قرن من حكم الحزب (التجمع) الدستوري عالما مغلقا لا وسائل إعلام تتحدث عنه ولا منظّمات ولا هيئات حقوقية تدري ما فيه، وحتى المساجين أنفسهم يمنع عليهم إثارة ظروف اعتقالهم مع عائلاتهم. إنّ الزيارة تقطع حالما ينطق السجين بكلمة في الموضوع، وغالبا ما يقاد مباشرة إلى إحدى الزنزانات العقابية، حيث يضرب ويهان وربّما يقيّد حتى "لا يعود إلى صنيعه ثانية". لقد عجزت السلطات في الآونة الأخيرة عن الردّ على أسئلة بسيطة وجّهتها إليها بصورة مباشرة أو غير مباشرة عائلات المساجين السياسيين والمحامون والمنظمات والهيئات الحقوقية وبعض وسائل الإعلام المحليّة والأجنبية. وهذه الأسئلة هي: لماذا تمنع إدارة السجون التابعة ل"وزارة العدل وحقوق الإنسان" المحامين من زيارة توفيق بن بريك وزهير مخلوف رغم حصولهم على تراخيص قضائية؟ من يحكم من: القضاة أم أعوان السجون؟ لماذا تمنع عائلة زهير مخلوف من زيارته رغم أن القانون يخوّل لها ذلك؟ لماذا يقع إبعاد المساجين السياسيين عن مقرّات سكنى عائلاتهم رغم أنّ القانون ينصّ على أن السجين يوضع في أقرب سجن لعائلته؟ إذا لم يكن القصد من ذلك التنكيل بالسجين وبعائلته على حدّ السواء فبماذا تفسّر إذن وزارة العدل وحقوق الإنسان التي تشرف على السجون وضع السجين السياسي الذي يقطن أهله في جنوب البلاد، في شمالها والعكس بالعكس؟
مساهمة منّا في فضح واقع السجون التونسية في "العهد الجديد" ننشر ما يلي رسالة كان سرّبها الرفيق حمه الهمامي الناطق الرسمي باسم حزب العمال الشيوعي التونسي إلى أحد أصدقائه في صائفة 1994. وقد أجابه فيها عن سؤال يتعلّق بظروف اعتقاله بسجن الناظور ببنزرت. ومن المعلوم أنّ حمّه الهمامي سُجن عديد المرّات في العهد البورقيبي كما في عهد بن علي وتنقل بين معظم سجون البلاد. وهو يكشف في هذه الرسالة التي أمدّنا بها، مشكورا، الصّديق الذي تلقاها، أوجها من ظروف الاعتقال في بعض السجون التونسية التي تؤكّد أنّ السجون في أي بلد من البلدان هي صورة للنظام السياسي القائم فيها، وهي في تونس صورة للنظام الدكتاتوري البوليسي الذي يحكمنا.
صديقي العزيز،
(…) أما في ما يخصّ ظروف اعتقالي، فمنذ نقلي، يوم 2 جويلية 1994، من السجن المدني بسوسة إلى سجن الناظور (برج الرومي سابقا) ببنزرت وأنا اقضي أيامي وليالي في عزلة تامة وفي صمت مطبق شبيه بصمت القبور، وسط زنزانة انفرادية هي واحدة من الزنزانات الخمس المكونة لجناح السجن المضيّق المخصص عادة للمساجين المعاقبين وللمحكومين بالإعدام.
ولم تقدّم إدارة السجن أيّ تفسير أو تبرير لوضعي هذا، سوى أنه تطبيق لتعليمات صادرة عن الإدارة العامة للسجون، مع العلم أن قانون السجون الجاري به العمل، ينصّ صراحة على أن نظام الإقامة بالسجون التونسية هو نظام الحبس الجماعي بالليل والنهار، ولا يبيح العزلة إلاّ في حالتين استثنائيتين: أوّلا، إذا اقتضت ذلك مصلحة التحقيق، وفي هذه الحالة تكون العزلة بأمر من حاكم التحقيق. وتنتهي بمجرّد انتهاء البحث. ثانيا، إذا تعرّض السجين لعقوبة، وفي هذه الحالة لا يمكن أن تتعدى العزلة عشرة أيام يعاد بعدها السجين إلى الحياة الجماعية.
وينصّ القانون على ضرورة أن تتوفّر في "الغرفة المنفردة" أي الزنزانة التجهيزات الأساسية والصحية.
وبطبيعة الحال فأنا كما تعلم، لست في مرحلة تحقيق بل صدر ضدّي حكم باتّ بثماني سنوات وسبعة أشهر سجنا، يضاف إليهما حكم سابق مؤجل التنفيذ بعامين و8 أشهر سجنا وهو حكم كان صدر عليّ بصفتي مديرا لجريدة "البديل" المحظورة الآن، كما أنني لست معاقبا، ومع ذلك فإنني أعيش في العزلة بقرار تعسّفي من الإدارة العامة للسجون التي تتصرّف في المساجين السياسيين تصرّفا أرعن، لا يخضع لأيّ قانون. ثمّ أن الزنزانة التي حشرت فيها منذ مجيئي إلى هذا السجن، الذي سبق لي أن قضّيت فيه عدّة سنوات في فترة السبعينات من هذا القرن (1974 – 1979)، لا تتوفّر فيه الضرورات الأساسية والصحية التي تسمح بأن تحافظ أعضاء السجين الحيوية، على الحالة التي كانت عليها يوم حشرها لأول مرّة في هذه الزنزانة.
فالزنزانة رقم 4 التي أشغلها، ضيّقة للغاية، طولها لا يتجاوز الثلاثة أمتار وعرضها المترين، ويحتل الجزء الأكبر منها سريران من حديد مثبتان في الأرض، ومرحاض (عربي) غير معزول وهو ما يجعل حركتي صعبة داخل هذه الزنزانة، فأضطرّ إلى قضاء وقتي ممدّدا على فراشي الذي أكله الصدأ ("الصديد") وعشش فيه البقّ. إنّ ما تبقى من مساحة فارغة لا يمكّنني إلاّ من القيام بخطوتين أو ثلاث خطوات ليوقفني بعدها الحائط!! فالجسم محكوم عليه في هذه الزنزانة التي تعرّت أرضيتها من قشرة الأسمنت التي كانت تكسوها، لتظهر أتربتها المخلطة بالرمل، محكوم عليه بالخمول والقعود.
وما يميّز هذه الزنزانة أيضا أنها، رطبة صيفا وشتاء، ولذلك أسبابه، فالشمس لا تدخلها مطلقا والهواء لا يدور فيها إلاّ قليلا. زنزانتي، شأنها شأن بقية الزنزانات، ليست مجهّزة بنافذة يدخل منها الهواء أو تتسلل منها أشعّة الشمس. كل ما فيها فتحة مستطيلة الشكل لصق السقف، من ناحية الباب، وهذه "الفتحة" التي لا توفّر لا التهوئة ولا الإضاءة المطلوبين (زنزانتي مظلمة في عزّ الصيف !!) مشبّكة بأسلاك حديدية رقيقة تشبيكا مزدوجا فضلا عن القضبان الحديدية العادية، وقد وُضِعَت في ما بين شبكتي الحديد "لمبة" ضوء، تشغّلها الحراسة الليلية من قاعة الاستمرار وتظلّ تشتعل كامل الليل، منغّصة عليّ نومي لأنني لا أتحمّل الضوء أثناء الرقاد، ولأن الضوء المنبعث من هذه اللمبة خافت إلى حد كبير، فإنه لا يمكنني من القراءة إلاّ بجهد جهيد، وهو ما يسبب لي آلاما في عينيّ.
وفي الحقيقة فإن هذه "اللمبة" مجعولة لا لتيسير حياة السجين داخل الزنزانة، بل لتمكين أعوان الحراسة من مراقبته من خلال شباك صغير(guichet) مشبك (grillagé) يتوسط هذه الزنزانة (8 صم على 5 صم) ولعلّ "الحكمة" من تثبيت الأسرّة في الأرض، تتمثل في إبقائها دائما في مجال رؤية الأعوان.
ولا يوجد داخل الزنزانة ماء فأنا مضطرّ إلى أن أملأ يوميا، في الصباح وعند الظهر، وعاء من "البلاستيك" اشترته لي عائلتي من الحنفية الوحيدة الموجودة بساحة جناح السجن المضيق.
ولعلمك فإن الماء لا ينساب من هذه الحنفية، المتحكم فيها من خارج الجناح، إلا دقائق معدودات خلال النهار. وإذا حصل وأن كنت وقتها داخل الزنزانة فإنني أضطر إلى ملئ وعاء البلاستيك عند خروجي للفسحة ("الآريا") من ("باكية") عفنة، أكلها الصدأ والخزّ… ولا زالت الإدارة تصرّ على إبقائها، رغم الاحتجاجات المستمرة ل"متساكني" جناح السجن المضيق.
وعليّ بعد ذلك أن أقسّط كمية الماء التي أحصل عليها لقضاء كافة شؤوني: اغتسال، غسل أواني الأكل، غسل الأدباش. وكذلك للاستحمام لأن أدواش السجن لا تعمل خلال الصيف، رغم حرارته هذه السنة، التي أشعر بها مضاعفة داخل زنزانتي، إلى حدّ الشعور بالاختناق في بعض الأحيان، ناهيك أن أعوان الحراسة الليلية يضطرون إلى تفقدنا خوفا من أن ينقطع نفس أحدنا، خاصة المعاقبين والمحكومين بالإعدام المشدودين بسلاسل إلى أسرتهم.
أما بالنسبة إلى الشراب، فإنني وبإذن من الطبيب أصبحت أشتري عن طريق "القنوة" الماء المعدني علما وأن ماء الناظور به كمية كبيرة من "الكلكير"، والإصابة بأمراض الكلى، من الأمور الشائعة في هذا السجن. وتعود إصابتي شخصيا بمرض الكلى إلى الفترة الطويلة نسبيا التي قضيتها في هذا السجن خلال السبعينات. وبما أنني مضطر إلى شرب كميات كبيرة من الماء يوميا فإنني أتبول كثيرا أيضا وبالنظر إلى النقص في الماء لتطهير المرحاض كل مرة، تنبعث منه باستمرار روائح كريهة خاصة وأنه مفتوح، غير معزول.
ولا ينفتح باب زنزانتي إلا لوقت قصير خلال اليوم، لا يتجاوز الساعة وفي أفضل الحالات الساعة والنصف أقضيها فيما يسمّى "الآريا" أو الفسحة داخل ساحة صغيرة مقابلة للزنزانات الخمس المكوّنة لجناح السجن المضيق. وتحيط بهذه الساحة جدران عالية من كافة الجهات أما فضاؤها فَمُسَقَّف بأعمدة وأسلاك حديدية وهو ما يجعل منها في الواقع قفصا كبيرا شبيها بتلك الأقفاص التي تحشر فيها الحيوانات الوحشية.
وبطبيعة الحال ف"الفسحة" أقوم بها منفردا تحت رقابة العون المكلف بالحراسة الذي يساعده في شؤونه "كبران" من مساجين الحق العام. ويمنع علي خلال الفسحة الإتصال بأيّ سجين آخر من "متساكني" الجناح. كما يقتصر كلامي مع العون و"مساعده" على قضاء بعض الشؤون مثل طلب الماء أو التسجيل لمقابلة الطبيب، إلخ. وفي ما عدا ذلك فالحديث معهما ممنوع، ويخضعان بدورهما لمراقبة أحد الوكلاء المكلف بالقطاع الذي يوجد به جناح السجن المضيّق.
وهكذا فإنني أقضي حوالي 23 ساعة أو أقل بقليل منزويا لوحدي في زنزانتي الضيقة والرطبة وقليلة التهوية والمظلمة. وتشديدا لهذه العزلة حرمتني الإدارة العامة للسجون من مشاهدة البرامج التلفزية كسائر المساجين سواء كانوا مساجين حق عام أو مساجين سياسيين من "حركة النهضة". وقد تذرّعت إدارة السجن لتبرير ذلك بكونها لا تملك جهازا زائدا "تمتعني به". ولكن هذه الذريعة انكشفت حقيقتها لما رفضت الإدارة العامة السماح لعائلتي بأن تجلب لي جهازا على نفقتها، علما وأن أجهزة التلفزة في السجون التونسية يدفع ثمنها المساجين وعندما تتعطب تصلح من جيوبهم أيضا. ومن البديهي أن حرماني من مشاهدة البرامج التلفزية، شأنه شأن عزلتي، مناف لقانون السجون (الفصل 70) الذي لا يستثني من هذه المشاهدة سوى من هم عرضة لعقاب لفترة محددة بالطبع. ولكن من يراقب إدارة السجون في تطبيقها أو عدم تطبيقها للقانون!! فالسجون في تونس كما تعلم، عالم مغلق، والكشف عمّا يجري فيه من المحرّمات.
ومن ناحية أخرى حرمتني الإدارة العامة للسجون من تلقي الكتب (كتب المطالعة والكتب الدراسية) وأدوات الكتابة خاصة الورق والكراريس وهو حق منصوص عليه صراحة بالفصل 14 - الفقرة 12 من قانون السجون. فقد تلقت الإدارة العامة للسجون القائمة الأولى في عناوين الكتب التي تريد عائلتي مدي بها، في شهر مارس 1994 أي بعد ايقافي بحوالي شهر والقائمة الثانية في شهر أفريل 1994، لكنها غضت الطرف ولم تردّ علما وأن العناوين المذكورة عادية جدا في معظمها أدبية باللغتين العربية والفرنسية.
أمّا الورق فيمنع عني منعا باتا، تصوّر أن الملصقات الموضوعة على قوارير الماء المعدني والتي تحمل "ماركة" هذا الماء وتركيبته، تنزع من طرف الأعوان. المهم أن لا يقع بين يديّ الورق حتى أتمكن من الكتابة، كتابة أيّ شيء!! وهذه الحالة تذكرني بما حصل لي أثناء تعذيبي بمحلات وزارة الداخلية عند إيقافي في شهر فيفري الماضي. كان الجلادون يضربونني على كامل جسمي بوحشية لا توصف. وكان أحدهم يقول لهم: "اضربوه على رأسه، اضربوه على رأسه حتى لا ينتج مخّه الخامج مستقبلا أفكارا خامجة مثله…".
ففي السجن كما في محلات البوليس السياسي بوزارة الداخلية يريدون أن يقطعوا عن الإنسان التفكير حتى لا ينتج أو يعبّر عن فكرة أو رأي مخالف للسلطة!! وفي نفس السياق فإنهم، وإلى حدّ الآن يمانعون في السماح لي باستكمال أطروحتي الجامعية.
ولا أتلقى، من الصحف، وذلك بعد مطالبة واحتجاج، سوى صحيفتين اثنتين هما "الرأي العام" و"لابراس" (La presse). ورغم أنهما يعكسان المواقف الرسمية فإنهما يخضعان لمراقبة مدير السجن يوميا. وتقصّ منهما مقالات وأحيانا صفحات كاملة حتى لا أطلع عليها. والواضح أن الأخبار والمقالات التي تحذف لها صلة بمعطيات سياسية محلية وجهويّة وعالمية، من شأنها أن تمكن سجينا في وضعي من تكوين فكرة ولو عامة جدا عن الوضع بالبلاد وبالمنطقة (الجزائر…). لذلك فإنه لا يبقى لي في آخر الأمر من الصحيفتين اللتين أدفع ثمنهما يوميا سوى أخبار "الكرة" والفنانين وإعلانات الأفراح والمآتم إضافة إلى بعض الأخبار التي لا تثير الإهتمام. ولعلمك فإنني ملزم يوميا بإرجاع الصحيفتين بعد قراءتهما وإلا فإنني لن أتسلم الصحيفتين القادمتين في اليوم الموالي.
ولعلك تتساءل كيف يمكنني أن "أقتل" الوقت في مثل هذه الحال؟ إنني أستعين على ذلك باستعارة بعض الكتب من مكتبة السجن وهي عبارة على كتب ذات صبغة أدبية، غير ذات أهمية إذا استثنينا روايات نجيب محفوظ، وأنا مضطر إلى إعادة قراءة ما سبق لي أن قرأته من الروايات وأقاصيص أثناء دراستي الثانوية أو الجامعية. وفيما عدا ذلك فإنني أحاول النوم أكثر ما يمكن وإن كان هذا من الأمور الصعبة جدا في مثل صيف هذه السنة، كما أنني أخصص ساعات وساعات للتأمل ولو كان عندي ورق لحبّرت أوراقا كثيرة في مواضيع عدة. وبما أن الضوء لا يشعل إلا بعد السادسة والنصف أو السابعة، وبما أنه لا يمكنني قبل ذلك الاطلاع على الجريدة التي تسلّم لي في آخر النهار، لظلمة الزنزانة، فقد وجدت ما أتلهى به يوميا لفترة من الزمن.
أستلقي على فراشي منذ دخولي من "الآريا" حوالي الخامسة والنصف وهي الساعة التي تغلق فيها أبواب الجناح (أنا آخر من يخرج إلى "الآريا") وأظل مشدود العينين إلى "الفتحة" التي حدثتك عنها في البداية والتي توجد فيها "لمبة" الضوء. ولعلك تتساءل ما الذي يدعوني إلى فعل ذلك؟ ببساطة إنني أنتظر يوميا وفي ذلك الوقت بالذات خروج "وزغتين" كبيرتين من الحائط الواحدة تلوى الأخرى وأوّل حركة تقومان بها، حسب ما فهمتُ، هي تفقّد المكان للتثبّت من خلوّه من أيّ كائن غريب وذلك باسترقاق السّمع، فإذا ما تناهت إليهما أيّة حركة تقفلان راجعتين إلى جحريهما في السقف، وإذا لم تلاحظا أيّ شيء تهبّان جريا نحو بعضهما البعض وتتعانقان: يرتفع نصفاهما العلويان ويتحاكّان ويتشابك لساناهما ثمّ تنفصلان بعضهما عن بعض ويعود كلّ منهما إلى مكان انطلاقه ثمّ يعودان بعضهما إلى بعض ويتعانقان على طريقتهما من جديد لينفصلان مرّة أخرى ومن ثمّة تنهمكان في صيد ما يدور في فلكهما من حشرات صغيرة. وقد اكتشفت لأوّل مرة في حياتي أن "الوزغة" تصوّتُ وأن صوتها يشبه نقيق الضفادع! لقد أصبحت هاتان الوزغتان جزءا من عالمي في زنزانتي الانفرادية وأصبحت من دون أن أشعر أنتظر يوميا خروجهما. وبالمقابل فإنني ازددت نقمة على الذباب الكثير في المكان، لأنه ينهض مبكرا ويوقظني من نومي. وقد خسرت كل المعارك التي خضتها معه!! ولم يبق لي إلا أن أنتظر الشتاء عساه يقلّ، أو على الأقل لأتجنبه بوضع الغطاء على رأسي!! فوضع الغطاء الآن، في هذا القيظ الرهيب، يعني الاختناق.
لم أحدثك إلى حدّ الآن عن تغذيتي، إنني أقتات في الأساس من المواد التي تمدّني بها راضية زوجتي في "القفة" بمعدل مرة أو مرتين بالخصوص من بعض الخضروات المسموح بها في هذا السجن (معظم السجون الأخرى يمنع فيها تلقي الخضروات) مثل الفلفل الأخضر والطماطم والخيار (البصل ممنوع)… فأغمس هذه الخضروات في شيء من الزيت وأتناولها مع الخبز، هذه وجبتي في أغلب الأيام. أما وجبتا السجن، واحدة في الغداء تقدم حوالي الساعة الحادية عشرة صباحا والأخرى للعشاء حوالي الرابعة مساء (علما وأنه لا توجد في السجون التونسية وجبة لفطور الصباح) فإنني لا أتناولهما على العموم. تصوّر في مثل هذا الحر الشديد (أكثر من 40 درجة في بنزرت)، يقدم إلى السجناء كغداء "محمّصة" أو "مكرونة جارية وسخونة" والكل في إناء من البلاستيك يوفره السجين. إن مجرد رؤية ذلك تقطع شهية الأكل وتثير تصبّب العرق والعطش.
وفي العشاء فإن الوجبة التي تكاد لا تتغيّر تتكوّن من قطع من البطاطا (إذا توفرت) والباذنجان والفلفل وحبّات من الحمص أو الجلبانة، والكل يعوم في بحر من المرق الذي تفوح منه رائحة "القروصيّة"، وإذا كان المساجين المتواجدون في الغرف الجماعية يتمكنون من إدخال تحسينات على هذه الوجبات أو حتى من إعداد وجبات خفيفة بدلا عنها (بيض، إلخ.) باستعمال "الفتايل"، وهي ممارسة موجودة رغم أنها محظورة، فإن متساكني جناح السجن المضيّق لا حيلة لهم بسبب الرقابة، إذ يمنع عليهم، عداي أنا، حتى امتلاك عود كبريت، وسأعود إلى أسباب ذلك لاحقا. لذا فهم مضطرون إلى أكل ما يقدم إليهم من وجبات كما هي أو الإلقاء بها في"صندوق" الفضلات. وأودّ أن ألاحظ لك أنني من وقت إلى آخر، ورغبة مني في "تبديل المطعم" كما يقال، أتناول البعض ممّا يقدّم إليّ، خصوصا في وجبة العشاء، لكنني سرعان ما أشعر بعد الأكل بمرارة في فمي، وقد كنت أظن أن الأمر لا يتعلق إلا بي لسبب من الأسباب غير أنني سمعت ذات يوم السجينين المحكومين بالإعدام، وهما الوحيدان اللذان يقومان ب"الفسحة" ("الآريا") مع بعضهما البعض، يشكوان من الطعم المرّ الذي تورثه وجبات السجن في الفم، دون أن يعرفا لذلك سببا.
وعلى العموم فإن نوعية التغذية في السجون التونسية لم تتغير منذ سنة 1975 وهي السنة التي تم فيها تحسين طفيف لهذه التغذية بأن أصبح للسجين "الحق" مبدئيا في ثلاث وجبات في الأسبوع بها لحم، واحدة بالدجاج وأخرى باللحم البقري وثالثة بالحوت (سردينة ولا شيء غير السردينة) وقد ظل تطبيق ذلك في السجون مرتبطا بميزانياتها، إذ غالبا ما تعمد الإدارة إلى تعويض قطعة اللحم ببيضة لأنها تكلفها أقل، لذلك لا تزال القفة التي تجلبها العائلة للسجين أهم عنصر في غذائه، ولا يسمح بالقفة سوى ثلاث مرات في الأسبوع. وإنني لا أخفي عنك أن تغذيتي كانت في السبعينيات وفي هذا السجن بالذات أفضل ممّا هي عليه اليوم، ذلك أن الإدارة العامة للسجون، سمحت لنا وقتها بإعداد وجباتنا الغذائية بأنفسنا (كان مساجين السياسة لا يحشرون، كما هو الحال اليوم مع مساجين الحق العام). فكان لنا جهاز طبخ وجميع اللوازم الأخرى التي وفرتها لنا عائلاتنا بمالها الخاص، كما توفر لنا الخضروات والعجين واللحم، إلخ. وعليه فقد كنا نراعي، في الطبخ، بعض حالات المرض (قرح، سكري…). وعندما طالبت أخيرا بإمكانية الترخيص لي بإعداد وجباتي الغذائية بنفسي، مذكرا بما كان موجودا في السبعينيات، أثار ذلك دهشة مخاطبي من مدير وأعوان واعتبروه أمرا مستحيلا!! وازدادت دهشتهم عندما أعلمتهم بأن الإدارة وفرت لنا في آخر فترة من السجن "ثلاجة" للحفاظ على الأكل من الإتلاف والتعفن (1980).
وليس هذا هو الجانب الوحيد الذي ساءت فيه ظروف اعتقالي الآن عمّا كانت عليه في السبعينيات. ظروف الزيارة تغيّرت أيضا، في اتجاه سلبي بالطبع. فلا يرخص لي بمقابلة عائلتي سوى مرة واحدة في الأسبوع. ومنذ أن نقلت إلى سجن الناظور تمّ فصل يوم الزيارة عن يوم "القفة" بهدف تشديد معاناة العائلة ماديا ومعنويا. كما عمدت الإدارة إلى تحديد ساعة الزيارة وهي منتصف النهار من كل خميس. وهذا الإجراء فريد من نوعه في السجون التونسية. إذ جرت العادة أن يعيّن يوم الزيارة فحسب على أن تتم خلال التوقيت الإداري ولا يخفى أن الهدف من هذا الإجراء هو حرماني من الزيارة أو التقليل منها إلى أقصى حدّ باعتبار أن من يعمل أو يدرّس من أفراد العائلة لا يمكنه أن يتنقل إلى بنزرت لتأدية الزيارة في مثل تلك الساعة. ولا تتجاوز مدة المقابلة عشر دقائق أو خمس عشرة دقيقة. وهي تجري بحضور عونين أو ثلاثة، البعض ينتصب إلى جانبي والبعض الآخر إلى جانب الزائر لمتابعة ما يدور من حديث بشكل دقيق، وفي بعض الأحيان يتولى عون تسجيل محتواه كتابيا. وإذا ما تمّ التعرّض لظروف الاعتقال يتدخل الحرّاس لتوقيف الزيارة. علما وأنها لا تتم بشكل مباشر في مكتب كما كان الحال في السبعينيات ولكن يفصلني عن عائلتي حاجز حديدي (شبكة grillage). وتعاني صغيرتاي، نادية وأسيمة، أيّما معاناة من هذا الوضع فهما تتساءلان باستمرار لماذا لا تقدران بل لماذا تحرمان من لمس أبيهما ومعانقته وتقبيله كما تعوّدتا على ذلك في الحياة العادية؟ أعلمتني راضية أنهما، كلما زارتاني إلا وعادتا إلى المنزل وهما تشعران بكبت كبير وحسرة عميقة لا يدرك كنهها إلا الأطفال، من جراء ذلك الفصل التعسفي بيني وبينهما. لا يكفي أنهما محرومتان من العيش بسلام مع أبيهما لأنه يحمل أو يعبّر عن قناعات مخالفة لقناعات السلطة القائمة وممارستها، فيسلط عليهما قمع إضافي بحرمانهما من مقابلته مباشرة!
إن ظروف الزيارة في السجون التونسية هي من أتعس ما يمكن أن يوجد في سجون العالم. فهي حسب ما رأيت في سجن سوسة قبل نقلي، أو في سجن تونس، عند اعتقالي سنة 1992 لمدة شهر، لا تخفف الوطأة على السجين، بل تكدّره لأنها تجري من وراء حاجز لمدة دقائق معدودات ووسط ضجيج لا يوصف لكثرة عدد المساجين الذين يُزارون في الآن نفسه، ممّا يضطر الزائر والمُزار إلى الصياح عساهما يسمع بعضهما البعض! لذلك فإن كان السجين يريد أن يتحدث مع عائلته أو زوجته أو أطفاله على شأن ما، فإنه لا يقدر، فيعود إلى زنزانته مغموما، مهموما أكثر ممّا كان قبل الزيارة.
عندما حضرت المحامية المصرية، الأستاذة تهاني الجبالي، إحدى جلسات محاكمتي بسوسة (استئناف) بتكليف من إتحاد المحامين العرب سألت زوجتي إن كان يرخص لها بمقابلتي مباشرة والبقاء معي أو بالأحرى الاختلاء بي في غرفة خاصة، فلما أجابتها بالنفي استغربت مضيفة أنه في مصر، يُمكّن حتى الإرهابيون من الجماعات التكفيرية من معاشرة زوجاتهم بالسجن في فترات معينة. وهذا الأمر معمول به في عدة بلدان من العالم، البلدان التي عرفت تشريعاتها السجنية تطورا مشهودا في تناسب مع تطوّر مفهوم حقوق الإنسان.
إنني أجدّ ذلك أمرا مشروعا وتقدميا على غاية من الأهمية. ويكفي أن أطرح المسألة من زاوية فقط، أليس من حق الزوج (couple) أن يكون له أطفال، في صورة وقوع أحد الزوجين في السجن لمدة طويلة قد يصبح بعدها الإنجاب مستحيلا، لأسباب طبيعية مثلا؟ أليس تمكينهما من ذلك، في صورة رغبتهما، من العوامل التي تساعدهما على صيانة علاقتهما؟ ولا يعدّ سرا إذا قلت لك أنني وزوجتي كنا نفكر جديا في إنجاب طفل ثالث، لما هبطت عليّ عصى القمع من جديد. وأنني إذ أثير هذا الجانب من حياتي الشخصية فلتأكيد أن القمع، قمع الحريات في بلادنا، لا يحرم الإنسان من التمتع بالحريات العامة، وفي العيش في منأى عن الاضطهاد فقط، بل يحرمه في بعض الأحيان حتى من تحقيق بعض أحلامه وأمانيه البسيطة، والأكثر طبيعية، أن ينجب طفلا!! ولذلك فإن كسب معركة الديمقراطية لا يعود بالفائدة على أفراد الشعب في حياتهم العامة فقط بل أيضا في كل ما يتعلق بذواتهم، حياتهم العائلية، تربية أطفالهم، تحقيق أحلامهم وأمانيهم الصغيرة والكبيرة وفي شعورهم بالأمن والإطمئنان.
ومن ناحية أخرى ومنذ أن نقلت إلى سجن الناظور، فإن رسائلي إلى أهلي وأقاربي وإلى صغيرتيّ وزوجتي، أصبحت لا تصل!! أقضي آخر الأسبوع في نهاية الأسبوع تسلّم إلي نصف ورقة صغيرة وقلم لكتابة الرسالة وتسليمها يوم الإثنين صباحا في تحبير الرسائل لأعلم لاحقا أنها لم تتجاوز عتبة السجن!! وليس في ذلك من غاية سوى تشديد العزلة عليّ. فلا رسائل تبعث ولا أخرى تُرد. والإدارة تبذل قصارى الجهد حتى لا تتسرب أية معلومة حول ظروف اعتقالي. ولولا زيارة المحامين لبقيت جلّ ظروفي سرّا بين حيطان السجن الأربعة. فمن حسن حظي أنني عقبت الأحكام الصادرة ضدي. ومن حسن حظي أيضا أن لي قضية قديمة (جانفي 1992) مازالت تجري وهو ما يمكن المحامين من زيارتي من وقت لآخر. وحتى بالنسبة إلى هذه الزيارة ما انفكت الإدارة تستنبط الطرق والأساليب للتضييق عليها، باستفزاز المحامين من قبل المدير نفسه: تركهم في الانتظار خارج السجن، تحديد وقت زيارتهم (ربع ساعة) ثم التجسس على ما يدور بيني وبينهم من حديث رغم أن قانون السجون ينص على سرية المقابلة بين المحامي ومنوبه!! فالمكتب الذي تتم فيه الزيارة صغير جدا فيكلف عون أو عونان بالانتصاب أمام الباب أو بجانبه قصد التنصّت. ووصل الأمر حتى إلى محاولة فرض كيفية الجلوس حول الطاولة أثناء الزيارة حتى أكون أنا من جهة الباب ليسمع الحارس ما أقوله. ولم تكف التضييقات رغم احتجاجاتي واحتجاجات المحامين المتكررة.
أمرّ الآن إلى الحديث عن ظروفي الصحية. لم أتمكن إلى حد هذه الساعة إلا من مقابلة طبيب عام. وهو بالطبع لا يحل مشكلتي، فأنا في حاجة إلى أخصائي في مرض الكلى. إن أوجاع الكلى أصبحت تلازمني ومن حسن الحظ أنها لا تزال خفيفة، لا تمنعني من النوم، على عكس بعض الفترات الصعبة التي عشتها في سجن سوسة قبل إنزال حصاتين من كليتي اليمنى. إن الطبيب العام لا يقدر على إعطائي أكثر من مسكنات والقيام ببعض التحاليل (بول ودم) للتثبت من احتمالات التعفن في إحدى الكليتين أو في المجاري البولية. علاقتي بالطبيب الحالي عادية وعلى ما يبدو فإنه حديث العهد بالسجن أي أنه لم يصبح بعد "طبيبا سجنيا" بأتم معنى الكلمة وهو ما لا أتمناه له مطلقا. فما يميّز "الطبيب السجني" الحقيقي عن بقية الأطباء أنه يتحوّل مع مرّ الأيام، وبطول المدة من طبيب فقط إلى "طبيب سجان" أو "سجان طبيب"، لا يهم التقديم أو التأخير!! وما أن يكسب هذه الصفة الجديدة حتى تتغير علاقته بالسجين المريض. سوء النية يسبق من هناك فصاعدا حسن النية. فكل سجين مريض يصبح في رأيه أو حسب حاسته الجديدة متمارضا. وينجرّ عن ذلك أنه لا يكلف نفسه عناء فحصه بدقة، عدا بعض الحالات الخطيرة الواضحة، ويكتفي بإعطائه بعض الأدوية التي أصبحت مثل "زهم النعام"، تعطى لكل مريض!! وهذا السلوك يدخل أيضا في حساب علاقة الطبيب المعني بالإدارة التي تريد الحدّ أقصى ما يمكن من المصاريف ومن نقل المساجين إلى المستشفيات، لإجراء فحوص أو للإقامة قصد العلاج. لذلك فإن الطبيب الذي "يلقط في خبزة" يجب عليه مراعاة ذلك لتجديد عقده مع الإدارة!! وهكذا فإنني مضطر إلى تحمّل أوجاع الكلى. كما أنني مضطر إلى تحمّل الأوجاع التي أصبحت تنتابني بشكل مستمر شاملة كامل الشطر الأيسر من جسمي، من الرأس إلى أخمص الساق. إنها ناجمة عمّا تعرّضت له من تعذيب في السبعينيات لكنها خمدت وتحسنت حالتي بعد العلاج الذي تلقيته في فرنسا. ثم عادت تلك الأوجاع بحدة بعد الضرب الوحشي الذي سلطوه بالخصوص على رأسي لمدة ساعات بمحلات "سلامة أمن الدولة" بوزارة الداخلية في بداية إيقافي. تصوّر أنني أصبحت أفضل أن أبقى ممددا على فراشي لمدة ساعات، دون حركة، عسى أن تخف تلك الأوجاع ولو لفترة قليلة من الزمن. وعلى العموم فإنني أصبحت لا أنعم إلا بأوقات قصيرة تهدأ فيها تلك الأوجاع نسبيا وربما لو كان عندي مجال للقيام بأيّ نشاط رياضي في ساحة الجناح لعاد ذلك بالفائدة علي. إنني أكتفي بالقيام بحركات على السرير لتنشيط رجلي ويدي اليسرتين اللتين أشعر فيهما بشيء من الارتخاء. أمّا بالنسبة للقلب، فإنني أتناول مسكنا كلما شعرت بالإرهاق. وكما ترى فإن كل أتعابي الصحية مصدرها اعتقالي منذ السبعينيات. فمرض الكلى تأتّى لي من ماء "الناظور" غير الصحي. والإصابة في شطري الأيسر ناجمة عمّا تعرّضت له من تعذيب وحشي عندما اعتقلت سنة 1972 وفي سنة 1974 بالخصوص. وإنني لا أستبعد أن يكون أحد أسباب الإرهاق الذي أعاني منه في القلب، إضرابات الجوع العديدة التي خضتها مع رفاقي ومنفردا في السجون التونسية التي أصبحت أعرف معظمها، بل أن بعض الجهات لا أعرف منها إلا سجونها.
وأخيرا وحتى تكون لك نظرة شاملة عن ظروف اعتقالي راهنا لا بد لي من أن أعرّج على "المحيط" الذي أعيش فيه داخل السجن المضيق.
قلت لك إن هذا الجناح مكوّن من خمس زنزانات وإنني أشغل الزنزانة رقم 4، بقية الزنزانات الأربع يسكن إثنين منها (رقم 2 ورقم 3) محكومان بالإعدام وهما كهل يدعى خليفة ب. يتجاوز الخمسين (53 سنة) أصيل الرديّف وعامل بمنجمها، متهم بقتل زوجته الحامل التي "ضبطها" متلبسة مع "عشيقها"، والثاني شاب يدعى فؤاد ب. د. وسيم في مقتبل العمر (حوالي 27 سنة)، متوسط القامة، نحيف الجسم، متهم بقتل شخص من أجل حفنة من المال. وهذان السجينان ينتظران تنفيذ الحكم فيهما منذ مدة طويلة نسبيا بعد أن أيّدت محكمة التعقيب الحكمين الصادرين ضدّهما. ولعلمك فإن عدد المحكومين بالإعدام ما انفك يتكاثر. وهم موزعون على السجون الرئيسية: تونس والمهدية، الناظور1 والناظور2 ببنزرت وسجن القصرين. المحكوم بالإعدام في تونس يعزل، منذ يوم صدور الحكم عليه، عن بقية المساجين، في زنزانة انفرادية ويجرّد من كافة أدباشه التي كانت على ملكه ويفرض عليه لباس "كسوة الحاكم" حسب "لغة" المساجين، وهي عبارة عن بنطلون وقميص زرقاوين داكنين. كما تقطع كل علاقة له بالعالم الخارجي، فلا زيارة ولا "قفة" ولا رسائل ولا "ماندة". وفي سجن الناظور كما في السجون الأخرى يعيش كل محكومٍ بالإعدام معزولا في زنزانته موثوقا، كامل الوقت الذي يقضيه فيها، إلى سريره بسلسلة حديدية، توضع، حسب اختياره، في يده أو رجله وتغلق بمغلاق "شرلية" ولا يفك من أغلاله إلاّ عندما تفتح الزنزانة للقيام بفسحته اليومية أو إذا أراد، خلال الأوقات الإدارية، قضاء بقية حاجاته البشرية. أمّا عندما يغلق جناح السجن المضيق أبوابه في الحادية عشرة والنصف صباحا إلى الثالثة والنصف بعد الزوال ومن الخامسة مساء إلى الثامنة والنصف أو التاسعة صباحا فالمحكوم مضطر إلى التبوّل في قارورة "بلاستيك" وإلى "مسك أعصابه" و"التحكم في نفسه" إذا أراد قضاء "الحاجة البشرية الأخرى" حتى ساعة فتح الأبواب. وإذا كان يعاني من إسهال مثلا فهو مضطر إلى أن "يعملها" فوق أرضية الزنزانة! ويمنع على المحكوم بالإعدام أيضا أن يحتفظ بأعواد ثقاب وبالسجائر بزنزانته. العون أو "الكبران" هو الذي يشعل له السجائر خلال التوقيت الإداري. وهو يتعرّض للمراقبة المستمرة ويخضع سريره من وقت لآخر لتفتيش دقيق، بحثا عن عود ثقاب ("وقيد") أو سيجارة أو أيّ "ممنوع" بلغة السجن، قد يكون تسرّب إليه بطريقة ما.
كل هذه الإجراءات ليس لها من غرض يا صديقي سوى "الحفاظ" على حياة السجين المحكوم عليه بالإعدام، نعم "الحفاظ على حياته" التي سيفقدها بعد مدة!! إن حياة المحكوم بالإعدام تصبح لها، في نظر الإدارة السجنية ومن ورائها الدولة، أهمية خاصة منذ الساعة التي يصدر فيها عليه ذلك الحكم! فتتخذ كافة الاحتياطات كي "لا يؤذي" السجين نفسه، وبالأخص كي لا ينتحر، كي لا يفكر مثلا في صنع حبل من غطائه، يشنق به نفسه، وذلك أهم مبرر لربط المحكوم بسلسلة في سريره، فمشنقة الدولة هي الوحيدة المؤهلة للالتواء على رقبته "في اليوم المحدد". وقد يحظى المعني أيضا ب"عناية" لم يظفر بها عندما كان موقوفا، قبل أن يقول قاضي الجنايات: "ولذلك حكمت المحكمة بإعدام المتهم شنقا". فيعطونه "راسيون لحم أو صبة دوبل" ويزوره الممرض كي يسأله إن كان يحس بمرض، ويفتح "الكبران" والعون المكلف بالحراسة أعينهما كي لا يتسرّب إلى المحكوم طعام من خارج الجناح، حتى من عند "أهل الخير"، من عند بعض المساجين الذين يرومون "ربح حسنة" عسى "الخالق يراعيها فيخفف عنهم الحمل" كما يقولون. والإدارة تخشى أن يكون الطعام مسموما فيتسبّب في موت المحكوم بالإعدام قبل أن تمارس عليه الدولة حقها في إماتته. المهم أن يبقى المحكوم بالإعدام في "صحة جيدة"، أن لا يصاب بما يعجّل بموته قبل "اليوم المحدد". ولا تعتقد أن الإدارة يهمها في شيء الحالة المعنوية للمحكوم، الذي يمكن أن يبقى سنوات، معزولا موثوقا إلى سريره أو إلى الحائط (كما هو الحال في سجن تونس الذي لا توجد أسرّة في جناحه المضيّق). ما يهمّها أوّلا وآخرا حالته الجسدية، أن تكون أعضاء جسده بخير. فمشنقة الدولة لا تريد أن تلتف على جسم معلول، على "نصف جسم"، على شخص نصف ميت، بل على جسم كامل الحياة، حتى يكون لعملية القتل التي سترتكبها باسم القانون، معنى، وهكذا ترى يا صديقي أيّ مفارقة تواجه الإنسان عندما يتعلق الأمر بمحكوم بالإعدام. فالمشنقة هي التي تكسي حياته، أهمية خاصة طوال فترة من الزمن بطبيعة الحال!! وهذا ليس سوى وجه ولكنه أساسي، من الوجوه الفظيعة للحكم بالإعدام الذي يمثل أبناء الطبقات والفئات الفقيرة ضحيته الأساسية، لأسباب كثيرة لا فائدة في ذكرها الآن.
إن الشخصين المحكومين بالإعدام، في جناح السجن المضيّق بالناظور يقضيان ما تبقى لهما من أيام على النحو الذي ذكرته لك!! وكثيرا ما يحصل أن أسمع الشاب الذي يشغل الزنزانة المجاورة لي (رقم 3) يقرأ القرآن ليلا وعلى مدى ساعات طويلة. ثم يختم ذلك بسلسلة من الأدعية وفي بعض الأحيان يلجأ إلى ذلك خلال النهار، بعد غلق الأبواب على إثر الحصة الصباحية. وحدث أن استيقظت في الأيام الأخيرة مبكرا (حوالي الساعة الخامسة صباحا) فسمعته يتلو القرآن. وقد فهمت أنه يفعل ذلك لمقاومة الأرق أوّلا، ولا شك أنك تدرك أنه من الصعب على محكوم بالإعدام ينتظر في كل لحظة أن ينقل إلى تونس ليشنق، من الصعب عليه أن ينام بسهولة، وأن لا يشك في كل حركة خارج الأوقات الإدارية. فهو يشعر في كل "تدويرة مفتاح" في باب جناح السجن المضيق، أنه المقصود. كما يتشكك في كل سؤال يطرحه عليه "الكبران" أو العون أو الممرض ولو بصورة عفوية فيعتقد أن طارح السؤال يخفي عنه "خبرا". إن حياة المحكوم عليه بالإعدام هي حياة ملأى بالأرق والعذاب النفسي. إنها عبارة عن موت بطيء. يكلل في النهاية بموتة حاسمة وفجئية ربّما هي أخف وطأة من الموتة الأولى البطيئة. ذات يوم وأنا أستمع إلى ساكن الزنزانة رقم 3 يردّد سلسلة من الأدعية، متضرعا، منتحبا، كاشفا عمّا يعانيه من عذاب نفسي، خطرت ببالي قولة لبطل رواية "الياطر"، لحنا مينا، زكريا المرسنلي. لقد قال وهو يتعذب في الغابة التي فرّ إليها بعد أن بعج صاحب الحانة اليوناني "زخريادس" بسكين فأرداه قتيلا في لحظة حنق وغضب، قال ما معناه "لو عاد المقتول إلى الحياة، ورأى العذاب الذي يعانيه قاتله لسامحه".
قلت لك إذن أن السبب الأول لتلاوة جاري القرآن وترتيل الأدعية هو محاربة الأرق والبحث عن شيء من الراحة يدفعه للنوم، أما السبب الثاني فهو البحث عن "المغفرة". إعلم أنه ليس ثمة مكان ينغرس فيه مبدأ "كل شيء بمشيئة الله وقدرته" في نفوس البشر أكثر من السجن. فالسجين، وليس سجين الحق العام فقط بل حتى بعض أصناف السجناء السياسيين أيضا، يعتقد أن دخوله السجن "مقدّر من الله" وأن المدة التي حكم بها عليه، "مكتوب من الله" وأن أبواب السجن ستفتح أمامه ب"مشيئة الله". وتعمل الإدارات السجنية على غرس ذلك في نفسية السجين، خاصة المحكوم عليه بمدة طويلة أو بالإعدام، ل"ترويضه" وإخضاعه، وصرفه عن إمكانية الاحتجاج أو وعي مسؤولية النظام الإجتماعي والسياسي والثقافي عن الحالة التي وصل إليها.
إنّ العديد من الجرائم سببها الفقر. والعديد من الجرائم الأخرى سببها أنماط التربية والثقافة والعادات والتقاليد أو الكبت أو غياب الحريات، وانعدام قنوات الحوار والنقاش الديمقراطيين داخل المجتمع. والسجين العادي يفضل اللجوء إلى الغيب، عن أيّ سبيل آخر يعتبر أن فيه "تكسير راس". فالله الذي "قدّر كل شيء" له من القوة أيضا ما يجعله يأمر بن علي في المنام أو في اليقظة بتحويل حكم الإعدام إلى مؤبد أو بالحط من العقاب وبإطلاق السراح!! وإنني أطلب منك وسع البال، لأروي لك حادثة جدت لي بسجن سوسة. سمعت سجين حق عام (هو في نفس الوقت "كبران الشمبري") كان على أبواب المثول أمام محكمة الجنايات بتهمة مسك واستعمال وترويج المخدرات يتلو آية قرآنية ويرددها مرة أولى وثانية وثالثة (وكان يقطع تلاوة الآية بالصراخ وسبّ الجلالة لإسكات المساجين ومطالبتهم بالرقاد) وبما أنه كانت تربطني به علاقة طيبة، دفعني الفضول إلى سؤاله عن سبب تكرار هذه الآية بالذات وهي من سورة "يس": "وجعلنا من بين أيديهم سدًّا ومن خلفهم سدًّا فأغشيناهم فهم لا يبصرون" (سورة يس – آية 9) فأجابني أن في الأمر "سرا" لا يعرفه إلا "الكراكجية" الكبار، مضيفا أنه سيتلو هذه الآية في صدره عندما يكون في قفص الاتهام وهو ينظر في عيني رئيس المحكمة. فتلاوة هذه الآية كافية "إن شاء الله" أن تربكه وترهبه "من حيث لا يدري" فيأذن بالإفراج أو تأجيل القضية لوقت مناسب، لذلك عليه أن يحفظ الآية المذكورة "عن ظهر قلب". ومثل هذا السجين أمام المحكمة وتلا آيته ولم يفرج الحاكم عنه. ومع ذلك لم ييأس، وقال لي بكل ثقة "ربما تخطف المرة الجاية". وسمعت لاحقا أنها لم تخطف وحكم عليه بست سنوات سجنا!!
رويت لك هذه الحادثة لتقف على عمق انغراس الشعور الغيبي في نفوس المساجين ولتعرف دواعي ترتيل جاري للقرآن وترديده للأدعية. وما ذلك السجين إلا صورة لمجتمعنا ككل. فالإنسان الذي لا يجد الحلول العقلانية للمشاكل والقضايا التي تواجهه في الأرض، يلجأ، نتيجة الوعي المتدني، إلى السماء! كما أنه من السهل على إنسان في مثل هذا الوضع أن يربط نفسه بقوة غيبية، يسخّر لها حياته، ويرهنها بين يديها لتفعل بها ما تشاء، من أن يربط نفسه بمبدأ عقلاني، واقعي، يستمد قوته ممّا يبذله الإنسان من أجله من تضحيات ويواجهه من صعوبات وتعقيدات يعصر مخه من أجل تحليلها وفهمها وحلها الحل الذي يقرّبه من ساعة الخلاص الحقيقي لا الوهمي.
أعذرني يا صديقي عن هذه الاستطرادات فأنا في حاجة إلى الكلام. ولا شك أنك تفهم ذلك وها إنني أعود بك مجددا إلى عالم جناح السجن المضيق، لأواصل ما بدأت فيه من حديث عن "المحيط" الذي أعيش فيه في زنزانتي رقم 4. يسكن الزنزانتين المتبقيتين (رقم 1 ورقم 5) المساجين المعاقبون. والسجين في "الناظور" يعاقب لأتفه الأسباب. أحيانا لمجرّد خلاف مع عون أو الرقيب المكلف بالجناح أو لمجرد المطالبة بحق من حقوقه. وإذا كان الفصل 15 من قانون السجون ينص على ضرورة إلتآم مجلس تأديب متركب من مدير السجن بصفة رئيس وعضوية مساعد مدير السجن والمرشد الاجتماعي والعون المعاين للمخالفة وسجين "حسن السلوك" يقع اختياره من طرف مدير السجن من نفس الغرفة التي يقيم بها السجين المخالف، للنظر في المخالفة المرتكبة وتقرير عقوبة المناسبة، فإن الأمور تتم بسجن "الناظور" وغيره من السجون بصورة اعتباطية، دون مراعاة حتى لهذه الشكلية. فالسجين يوضع رأسا في جناح السجن المضيق دون أن يلتئم ذلك المجلس، بل بمجرد أمر من المدير أو من أحد مساعديه، وهو ما جعل المساجين يصفون إدارة سجن الناظور بأنها "عصابة في جبل" تحكم "بشرعها".
وإذا كان القانون ينص أيضا على أن يعزل السجين المعاقب في "غرفة انفرادية" تتوفر فيها التجهيزات الأساسية والصحية، فإن الأمور تتم في الواقع على غير تلك الصورة، بل بوحشية خليقة بالقرون الوسطى. فما أن يُؤتى بالسجين حتى يجرّد من كامل ملابسه ويفرض عليه ارتداء زيّ سجني على غاية من القذارة تبعث منه روائح كريهة لا تطاق، لأن الأزياء في جناح السجن المضيّق يتداولها المعاقبون دون أن تغسل. يستلقي السجين على ظهره فوق السرير الحديدي المثبّت في الأرض ثمّ يوثق به من إحدى رجليه ومن كلتا يديه (كلّ يد في جهة وكأنه في وضع صلب) بسلسلة حديدية. ويبقى هكذا ممددا على قطعة من "الموس" (mousse) ليلا نهارا. ولا تفك أغلاله إلا حين يؤتى له مرة في كل أربع وعشرون ساعة ب"كسكروت" (قطعة من الخبز فيها مرق وبطاطا أو باذنجان) قد يمتنع البعض على مناولته لكلبه. فيستغل السجين هذه الفرصة لقضاء حاجته البشرية. وما أن ينتهي من الأكل حتى يعود إلى وضعه السابق. ومن أشنع ما رأيته في هذا السجن اضطرار المساجين المعاقبين إلى قضاء حاجتهم البشرية في ملابسهم، خاصة في الأوقات التي يغلق فيها الجناح، وفي بعض الأحيان يكون دفع السجين إلى تلك الحالة متعمّدا من بعض الأعوان، حتى في الفترات النهارية، بغاية إذلاله وتحويله إلى موضوع تندّر بين المساجين ولا تتصور أن في ما أقوله ذرّة من المبالغة. في الآونة الأخيرة تعالى صياح سجين بالزنزانة 5 المجاورة لي، طالبا حضور أعوان الحراسة بعد أن أغلق الجناح في الساعة الحادية عشرة والنصف صباحا. ولما جاء أحد الأعوان وفتح عليه الباب قال له السجين "أعمل معروف، راني تغصرت قضيت حاجتي في دبشي، خليني نبدل الزيّ". وكان السجين كهلا يتجاوز الخمسين من عمره، نهره العون وشتمه ثم أغلق عليه الباب قائلا "هذا علاش جبتني من السماء السابعة"، وانصرف.
ولا يحق للسجناء المعاقبين أن يغتسلوا فهم يقضون فترة العقاب كالحيوانات، تنبعث منهم ومن زنزاناتهم روائح كريهة. فلا تغيير للزيّ الوسخ الذي يعطى لهم من أول يوم، ولا حق لهم في صابون أو منديل أو أيّ أداة من أدوات النظافة. ولا تعتقد أن الإدارة تحترم المدة المنصوص عليها في القانون، كمدة قصوى لا ينبغي بأيّ حال من الأحوال تجاوزها (10 أيام عزلة). فقد حضرت على سجناء بقوا معزولين، في الأوضاع التي ذكرتها، أكثر من 20 يوما (24 و27 يوما). فالأمر تحكمه أهواء المدير ومزاجه، لا غير. فهو الذي يعاقب، وهو الذي "يغفر ويسامح" متى عنّ له ذلك! ومن بين هؤلاء المعاقبين مثلا، سجين من تونس العاصمة يعمل بورشة السجن، وهو محكوم بالمؤبّد في قضية قتل. أصبح نجّارا ماهرا، يصنع بيوت نوم راقية تبيعها إدارة السجون بمئات الدنانير بينما هو لا يتقاضى شهريا أكثر من تسعة دنانير توضع على ذمّته في حسابه في "القنوة". وقد عثر لديه على "صاشي نيسكافي" صغير يصلح لإحضار قهوة واحدة. وبما أنّ الإدارة هي المخوّلة وحدها لبيع القهوة للمساجين ("قهوة ماء") وهو ما يمكّنها من جمع أرباح طائلة فإنه يمنع الحصول بأيّ طريقة كانت على القهوة أو الشاي. وقد تعرّض السجين المذكور للعقاب الأكبر من ثلاثة أسابيع. كان المدير يأتي يوميا ليجلده لمعرفة من زوّده ب"صاشي النيسكافي"، وكان هو يرفض الوشاية، خوفا من الأضرار بالسجين أو العون الذي وفّره له.
القانون يمنع كما تعلم، ممارسة كل أشكال التعذيب الجسدية والمعنوية ويعتبر ذلك من باب "تجاوز السلطة" ويعاقب عليه بالسجن. لكن ذلك لا يمنع من أن يكون التعذيب ممارسة شائعة وممنهجة في سجن الناظور خاصة وفي سجون تونس عامة، كما هو الشأن في محلات البوليس والحرس وبالخصوص في محلات البوليس السياسي. إن أتعس اللحظات بالنسبة إلى المساجين المعاقبين هي تلك التي "يزور" فيها المدير الجناح، وهو ملازم أول شاب متخرج من الأكادمية العسكرية يدعى هشام العوني. يأتي المدير عامة في زيّ «combat » مسلحا ب"ماتراك" طويلة، مصحوبا ببعض مساعديه وينهال ضربا على ضحاياه سواء في زنزاناتهم وهم مقيدون أو في ساحة الجناح وهم مغلولو الأيدي. وتنطلق من حناجر هؤلاء الضحايا صرخات ألم وإستغاثة. ولا يتركهم المدير إلا وقد "طاب لحمهم" وازرورقت أعينهم وأصبحوا غير قادرين على المشي (فلقة). وبالطبع فأنا أتابع كل ذلك من زنزانتي كما يتابعه بقية "سكان" الجناح فتتوتر أعصابنا ويطير عنا النوم، خاصة وأن زيارات المدير تجري في أغلب الأحيان خارج أوقات العمل، بعد أن يكون كل السجناء عادوا إلى غرفهم أو زنزاناتهم. وقد احتججت أكثر من مرة على هذه الممارسات وتبادلت حتى السباب والشتم مع المدير أو بعض مساعديه دون جدوى، بل وقع تهديدي بالتعذيب.
ولعلك تتساءل عن ردّة فعل السجناء إزاء تعسف المدير وإدارته؟ لتعلم أن سجن الناظور معروف بكونه "سجن المنسيين". فهو في جبل خارج بنزرت كان ثكنة عسكرية في عهد الاستعمار الفرنسي والسجناء المعتقلون فيه، هم من أولائك المحكومين بمدد طويلة جدا (خصوصا بالمؤبد) كما أنهم عامة من أوساط فقيرة ومن جهات بعيدة. لذلك تصعب زيارتهم من أهاليهم. وهذا عامل يشجع الإدارة، التي يصفها السجين ب"عصابة في جبل"، على التعسف عليهم. ثم إن السجين ليست له أية وسيلة جدية لإيصال احتجاجه خارج السجن. فحتى لو فكر في توجيه رسالة إلى رابطة حقوق الإنسان أو أيّ هيئة إنسانية أخرى فإنه يعرف أن هذه الرسالة لن تتجاوز أسوار السجن إضافة إلى أنه سيتعرض بسببها ل"متاعب" جديدة. وهو لا يفكر مطلقا في تقديم شكوى للإدارة العامة لأنه يدرك جيدا أن ما تمارسه الإدارة المحلية ليس خافيا عليها باعتباره شائعا وممنهجا في السجون كافة.
لذلك فمن أهم وسائل الاحتجاج التي يمارسها السجناء في الناظور كما هو الحال في السجون الأخرى (وحتى في مراكز الأمن) هو الاعتداء على ذواتهم وبالخصوص تعمّد قطع عروقهم و"تشريح" أجسادهم بشفرة حلاقة يتدبرونها أو بقطعة حديد يشحذونها، وتتحول إلى سلاح عندهم ("شيركو" بلغة السجن). كما يعمدون أيضا إلى "تفشيخ" رؤوسهم على السرير الحديدي أو على الحائط. وكلها وسائل لاجتناب التعرض للتعذيب المبرّح أو للمطالبة بالخروج من "السيلون" (الزنزانة) أو لإيصال مطلب من المطالب. ففي شهر جويلية/أوت 1994 مثلا جيء إلى الزنزانة 5 المجاورة لي بسجين مضرب عن الطعام (دام إضرابه 21 يوما) احتجاجا على حكم صادر ضده في قضية اغتصاب يؤكد أنه لم يرتكبها. في اليوم السادس من الإضراب زاره المدير وانهال عليه ضربا ب"الماتراك" وهو مقيّد في سريره فلم يجد من وسيلة للإفلات من التعذيب سوى "تفشيخ" رأسه على حافة السرير الحديدي. وقتها كف المدير عن تعذيبه وانصرف. وأمكن لذلك السجين مواصلة إضرابه في وضع سجين معاقب رغم أن القانون لا يعتبر المضرب عن الطعام معاقبا، بل ينص فقط على عزله ووضعه تحت المراقبة الطبية، وتمكينه من مراسلة الجهة المعنية لشرح وضعيته. لكن القانون في واد والممارسة في واد آخر. وقد عُومِلْتُ شخصيا في ماي الماضي (1994) في سجن تونس كمعاقب عندما وقع نقلي إليه من سجن سوسة وأنا مُضرب عن الطعام. فأوثقوني من رجلي في الحائط ليلا نهارا، وألزموني بلباس "كسوة الحاكم" والبقاء حافيا والنوم على الإسمنت، ومنعوني من الاغتسال ومن الحركة. وكنت أضطر إلى التبول على عين المكان مع العلم أنّ القانون ينصّ على ضرورة معاملة حتى المعاقب "معاملة إنسانية" ويمنع تعذيبه أو إهانته، إلخ. فالعزلة مع الحرمان من زيارة الأهل وتلقي القفة مدة عشرة أيام، هي مضمون العقوبة المنصوص عليها في الفصل 15 من قانون السجون، لكن الإدارة لا تلتزم بذلك فنظام بن علي أصدر "قانون السجون" ووقّع على بعض الاتفاقات الدولية (اتفاقية مناهضة التعذيب…) إرضاء للرأي العام الخارجي وللظهور بمظهر النظام الديمقراطي بغرض الحصول على القروض والإعانات واستجلاب الاستثمارات.
وما دمت أتحدث عن ردود فعل مساجين "الناظور"، عمّا يلحقهم من اضطهاد، لا بدّ أن أذكر لك ما حصل في شهر ماي الماضي أي قبل مجيئي إلى هذا السجن فقد سحبت الإدارة "القوامل" « les gamelles » الموضوعة على ذمة كل "غرفة" يستعملها المساجين لتسخين الأكل على "الفتيلة" وهو "امتياز" يتمتّع به مساجين هذا السجن لطول المدد المحكوم بها عليهم لذلك واحتجاجا على هذا التضييق عمد السجناء إلى الاعتصام "بغرفهم" وفي إحداها وجرّاء ما حصل لهم من توتر، عمد 8 مساجين إلى قطع "عروقهم" وجمعوا دماءهم النازفة في إناء "بلاستيك" وصبوها على وجه أحد مساعدي المدير المعروف بوحشيته ويدعى "بن عياد" وهو خرّيج جامعة! ولم يوضع حدّ لذلك الاحتجاج إلا بعد تدخل من الإدارة العامة والوعد بتحسين ظروف الإقامة. لكن عددا من السجناء لم يفلتوا من القمع، بعد أن هدأ الوضع. فنقلوا إلى سجون أخرى نقلا عقابية.
وهكذا أكون قد حدثتك، يا صديقي، عن الظروف المحيطة بي في جناح السجن المضيق. فأنا أعيش كما ترى في عزلة تامة. وفي صمت مطبق يخرقه من وقت إلى آخر صراخ المساجين المعذبين وصياح المدير وشتائمه، إضافة إلى تلاوة جاري في الزنزانة رقم 3 بعض الآيات القرآنية وترديده سلسلة من الأدعية و"طنقنقة" جارتيّ "الوزغتين". إن ظروف اعتقال السجناء السياسيين في السبعينيات كانت أفضل من الظروف الراهنة. لكن لا بدّ من الإشارة إلى أن كل التحسينات في السبعينات اكتسبت بالنضال. ولا يمكن أن يشذ الأمر عن ذلك الآن طالما أن الظروف السياسية العامة لم تتغير. لذلك فأنا عاقد العزم على مواصلة النضال من أجل تحسين أوضاعي السجنية فضلا عن المطالبة بإطلاق سراحي. ولن يثنيني أيّ شيء عن ذلك لا العزلة ولا القمع. لقد هددني المدير منذ الأيام الأولى لنقلتي بالتعذيب وبالإهانة و"التمرميد" إذا لم "أحترم نفسي" (معناه بلغة السجن الخنوع والخضوع). وقد أجبته: "إن حبل المشنقة ذاته ليس كافيا ليثنيني عن الدفاع عن حقوقي وعن كرامتي". وما من شك أنك ستلاحظ من خلال ما وصفت لك من ظروف اعتقالي، تلك الهوة السحيقة التي تفصل بين الخطاب الرسمي والقوانين من جهة وبين الواقع من جهة أخرى. إن الخطب وبعض القوانين "الجميلة" ليست سوى وسيلة لتغطية الواقع المزري للحريات وحقوق الإنسان في بلادنا، أمام الرأي العام الداخلي وخصوصا الخارجي.
إنك تعلم أنني عذبت تعذيبا وحشيا عند إيقافي بمحلات البوليس السياسي، رغم أن القانون يمنع التعذيب، ولفقت ضدي تهم باطلة بإيعاز من كبار المسؤولين في الداخلية والأمن وربما من بن علي نفسه، رغم كثرة الحديث عن "دولة القانون". وحوكمت محاكمة جائرة لم يكن فيها للقضاء من دور سوى صبغ ما قررته السلطة التنفيذية لي من حبس، بصبغة قانونية، رغم كثرة الخطب حول "استقلالية القضاء". ثم ها إنني كما ترى أعيش في سجن الناظور في ظروف لا إنسانية ولا قانونية، رغم ما يروج من كلام حول "إصلاح السجون" و"أنسنة" ظروف الإقامة فيها في "العهد الجديد".
إن السلطة ليس لها من غاية سوى السعي إلى تدميري جسديا ومعنويا حتى تخمد صوتي. ولكن هيهات أن تبلغ ذلك، بل قد تتمكن من تدمير جسدي طالما أن لها الوسائل المادية، لكنها لن تقدر على النيل من معنوياتي. لن أموت إلا واقفان ولن أطأطئ رأسي للظلم والقهر والاستغلال كلفني ذلك ما كلفني. إنني قادر على أن أتحمل في جسدي كل الأتعاب والويلات من أجل أن أبقى في سلام مع ضميري. فصوت الضمير بالنسبة لي أشدّ وأعتى مليون مرة من سوط الجلاد وهمجيته. ومهما يكن من أمر فالمستقبل للحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وما الظروف الحالية التي تعيشها بلادنا و"يستأسد" فيها أعداء الحرية إلا ظروف عابرة، ستنتهي في يوم من الأيام. لذلك لنثق بالمستقبل ولنعمل من أجل أن يكون مشرقا. في رواية "أندري مالرو" الشهيرة condition humaine la (الشرط الإنساني) تقول إحدى الشخصيات « Il n'ya pas de dignité qui ne se fonde sur la douleur » (لا وجود لكرامة في هذا العالم ليست مبنية على الألم) وهذا القول صالح خاصة في بلد مثل بلدنا يكاد يحاسب فيه المواطن حتى صمته وليس على ما يقوله فحسب.
في النهاية أشدّ على يديك وإلى الملتقى.
قائمة مراسلة حزب العمال الشيوعي التونسي
الاحد 14 شباط (فبراير) 2010
البديل عاجل 14 فيفري 2010


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.