المنظمة الدولية للهجرة بتونس: عودة 97 مهاجرا إلى غينيا    وزير الخارجية يترأّس جلسة حوارية ببرلين .. ويستعرض مواقف تونس من عدد من القضايا الإقليمية والدولية    باجة: عرض تجارب الاقتصاد فى الماء بالقطاع الفلاحي بمناسبة اليوم الوطنى للاقتصاد في الماء    توزر: يوم تحسيسي إعلامي لفائدة مربي المجترات الصغرى استعدادا لموسم سفاد الأغنام    السنغال تطعن أمام محكمة التحكيم الرياضية على تجريدها من كأس الأمم الافريقية    توزر: مهرجان مسرح الطفل بدقاش في دورته ال24 بين الورشات والعروض فرصة للتكوين والترفيه    كمان سانغام"...حين تلتقي أوتار الهند بنبض الشرق في تونس    المستشار الجبائي يحذر: المهن غير التجارية عندها خصوصيات لازم القانون يحميها    عاجل-الليلة: ''الحرارة إلى ما دون العشر درجات''    عاجل: سوم الذهب يرتفع مرة أخرى    إيران تبلغ باكستان رفضها خطة أمريكية من 15 بنداً لإنهاء العداء    عاجل: إغلاق الأنشطة التجارية عند ال 9 مساءً يشعل الجدل في هذه الدولة العربية    سيدي بوزيد: فعاليات متنوعة في الدورة 27 من مهرجان ربيع الطفل بالمزونة    فاجعة تهز هذه الولاية ليلة العيد..تفاصيل صادمة..    امتيازات جبائية لدعم التنقّل الكهربائي وبطاريات الليثيوم: وزارة المالية تكشف وتوضّح..    عاجل/ تحذير: سحب دفعات من حليب الأطفال "أبتاميل"..    عاجل: بطل تونس لرفع الأثقال كارم بن هنية يعلن اعتزاله وعرض ألماني ينتظره    الترجي الجرجيسي: اليوم إستئناف التحضيرات إستعدادا للجديات    عاجل: مادة قانونية جديدة تحسم قضية المغرب والسنغال على لقب إفريقي    عاجل/ من بينهم شفيق جراية: احكام سجنية ثقيلة ضد هؤلاء..    وفاة فاليري بيرن نجمة فيلم سوبر مان    هل تدمر ''moteur ''كرهبتك بصمت؟ اكتشف الأخطاء اليومية    الوداد الرياضي المغربي يتعاقد مع المدرب الفرنسي باتريس كارتيرون    المنتخب الوطني: إنطلاق التحضيرات إستعدادا للوديات    رئيس وزراء إسبانيا: حرب الشرق الأوسط "أسوأ بكثير" من غزو العراق    عاجل: هاندا أرتشيل وحبيبها السابق في دائرة التحقيق بقضية مخدرات    الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة تنظم دورة تكوينية حول التنقلات الكهربائية بصفاقس من 24 الى 26 مارس 2026    وزير الخارجية يلتقي التوانسة في المانيا...علاش؟    عاجل: دولة عربية ''سوم'' الطماطم فيها يرتفع بشكل مُلفت    م..قتل سبعة من الجيش العراقي بقصف جوي استهدف قاعدة عسكرية في الأنبار    سفارة الجمهورية التونسية بالقاهرة تنظم عرضا للفيلم التونسي " وراء الجبل" يوم 26 مارس 2026 بالمعهد الفرنسي بالمنيرة    إستعدادا لمواجهة النادي الإفريقي: مستقبل قابس يستقر على هوية مدربه الجديد    عاجل/ ملامح زيادة الأجور لعام 2026: النسبة والتطبيق قد يؤجل لهذا الموعد..    فرص لكل التلامذة التوانسة :كل ما تحب تعرفوا على المنصة المجانية    صغارك في خطر... ملابس الموضة السريعة ممكن تسبب التوحد ومشاكل نمو    وزارة الأسرة تحتفي بالعيد الوطني للطفولة تحت شعار "أطفال آمنون في الفضاء الرقمي ... مسؤوليّة مشتركة"    مواعيد تهّم التوانسة : الشهرية وقتاش ووأقرب jour férié    فتح بحث تحقيقي إثر العثور على جثة عون بلدي مشنوقاً بباب العسل    وزارة التجارة تعلن تلقي 342 شكاية خلال شهر رمضان..وهذه التفاصيل..    عاجل/ طائرات مسيرة تستهدف مطار الكويت ونشوب حريق..    رحيل مخرج مصري معروف    عاجل/ بعد اصدار أوامر بنشر 2000 عنصر- ممثل خامنئي يتوعد الجنود الأمريكيين: "اقتربوا"..    تحسن في الوضع الجوي اليوم..    خطير/ تعرض المترو 5 و6 الى حادثتي تهشيم واعتداء على الركاب..#خبر_عاجل    75% من الأدوية في تونس تُصنّع محليًا    تونس تحتضن اللقاء العلمي الأول حول العلوم العصبية والطب الفيزيائي يوم 27 مارس 2026    عاجل : حكم بحبس شقيق شيرين عبد الوهاب 6 أشهر    الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد تختار نور الدين الطبوبي رئيساً وناطقاً رسمياً للمؤتمر    محمد صلاح يعلن رحيله عن ليرفربول بنهاية الموسم الحالي    عاجل: فيضانات محلية مرتقبة في عدة دول خليجية    هل تساعد القهوة على خسارة الوزن؟ التوقيت يصنع الفرق    طقس اليوم.. ارتفاع طفيف في درجات الحرارة    طهران تبلغ واشنطن بعدم رغبتها في استئناف المفاوضات مع ويتكوف وكوشنر وتفضل التعامل مع نائب الرئيس    6 اشهر سجنا لشقيق شيرين عبد الوهاب بتهمة التعدي عليها    في مشهد سماوي بديع.. القمر يقترن بالثريا الليلة    عاجل/ هذا موعد عيد الاضحى فلكيا..    هل صحيح اللي ''العرس'' في شوال مكروه؟    حديث بمناسبة ...عيد الفطر في تونس سنة 1909    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



34 يوماً ... (1-3)"إسرائيل" والحرب في لبنان

تأليف: عاموس هاريل وايفي ايسا كروف - عرض وترجمة: عمر حنين
لا يزال الجدل مثاراً في العالم العربي وفي “إسرائيل” حول العدوان “الإسرائيلي” على لبنان في صيف عام 2006 الساخن، ولكن هناك اتفاقاً واضحاً على أنها الحرب الأولى التي كشفت عورة “إسرائيل” على نحو غير مسبوق، حيث انقسم الرأي العام فيها حول مدى نجاحها أو فشلها، وكذلك فإنها سلطت الضوء على المؤسسة العسكرية “الإسرائيلية” التي تأكد أنها ليست إلا “نمراً من ورق” فقد أخفقت في تحقيق أهدافها بعد 34 يوماً من العمليات العسكرية الواسعة النطاق ضد دولة صغيرة مثل لبنان .
الجيش “الإسرائيلي” تحول إلى رهينة بيد المقاومة اللبنانية
يقدم لنا هذا الكتاب صورة من وجهة نظر “إسرائيلية” حول الآثار السياسية والعسكرية لهذه الحرب التي تمثل حلقة جديدة من حلقات الصراع العربي “الإسرائيلي” وبطبيعة الحال، فإن السؤال الملح الذي سيسطر على القارئ العربي لهذا الكتاب هو إلى أي مدى كان المؤلفان عاموس هاريل وآيفي ايسا كروف قد التزما فعلا كما يزعمان بتقديم صورة موضوعية من خلال سرد متوازن لهذه الحرب، وكذلك عرض وجهات نظر أطراف الصراع العسكري الذي كان المدنيون اللبنانيون أكبر ضحاياه . وهذه الحرب قد أصبحت الرقم الصعب في تاريخ العدوان “الإسرائيلي” على أي دولة عربية، فقد كان واضحاً أن الحرب انتهت من دون تحقيق أهداف “إسرائيل” المعلنة، وهي إلحاق ضربة قاصمة بحزب الله تقوض مكانته السياسية والعسكرية، وللأسف الشديد فإن لبنان وأهله دفعوا ثمناً باهظاً بسبب حجم الدمار الوحشي الذي ألحقته “إسرائيل” بالبلاد سواء بالنسبة للخسائر البشرية الكثيرة أو المادية وتشريد الآلاف من أهالي جنوب لبنان وتقويض البيئة التحتية .
يتحدث المؤلفان عن استخدام “إسرائيل” لذريعة خطف الجنديين “الإسرائيليين” في صباح يوم 12 يوليو/ تموز من عام 2006 فقد كان هذا الحادث الشرارة التي أشعلت هذه الحرب “الإسرائيلية” الثانية ضد لبنان بعد غزو العام 1982 .
ويشير الكتاب إلى أنه بعد 34 يوماً من الحرب فإن وقفاً لإطلاق النار قد تحقق، ولكن الأهم من وجهة النظر “الإسرائيلية” أن الجغرافيا السياسية للمنطقة قد تغيرت على نحو كبير .
ويصف المؤلفان رد فعل “إسرائيل” على خطف الجنديين عند احدى نقاط الحدود بين لبنان و”إسرائيل” بأنه كان متعجلاً واتسم “بالعدوانية” ولكنهما يقران بأن وقتالاً عنيفاً قد دارت رحاه في جنوب لبنان، وكذلك فإن المؤسسة العسكرية “الإسرائيلية” سعت إلى تدمير الضاحية الجنوبية في بيروت معقل حزب الله، وكذلك فإن الكتاب يتطرق إلى ما أسماه المؤلفان صراع القوة الذي دار بين رئيس الوزراء اللبناني آنذاك فؤاد السنيورة وأمين عام حزب الله حسن نصر الله، وبالتوازي مع ذلك فإن الكتاب يتحدث أيضاً عن المعارك الدبلوماسية الضارية التي جرت في باريس وواشنطن ونيويورك، حيث مقر الأمم المتحدة من أجل إنهاء القتال . ومن الأمور اللافتة للنظر هنا أن دور لندن في هذا المجال كان ثانوياً وتحيط به الشبهات، حيث إن كوني بلير رئيس الوزراء في ذلك الوقت كان قد انضم إلى الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش في عدم المطالبة بوقف اطلاق النار لأنهما كانا يأملان في أن يتم القضاء على حزب الله قبل أن تسكت المدافع، وقد عجل هذا الموقف المثير للشبهات الذي اتخذه بلير بنهايته السياسية في بريطانيا، حيث كثف النواب العماليون الموالون للعرب ضغوطهم عليه لإرغامه على الإسراع بتقديم استقالته والخروج من المسرح السياسي، ولا يزال بلير يعاني حتى اليوم من آثار هذا الانحياز الأعمى ل”إسرائيل” حيث يعتبر أكثر رؤساء الوزارات في تاريخ بريطانيا انحيازاً ل”إسرائيل” . والمثير للدهشة أن عمله كمبعوث للجنة الرباعية الدولية يعتقد أنه كان للتكفير عن سيئاته في هذا المجال، إلا أن الإخفاق الذريع له في هذه المهمة كان متوقعاً تماماً من الجانب العربي .
وبالرغم من أن الكتاب يرى أن هذه الحرب لم تكن كبيرة لأن المؤلفين يزعمان أن أعمال العنف التي تقع خلال اسبوع واحد في العراق تخلف أعداداً أكبر من الضحايا بالمقارنة مع ما جرى في لبنان أو “إسرائيل” خلال 34 يوماً من القتال، إلا أن هذا يعتبر تحليلاً مغلوطاً لأن أعداد الضحايا اللبنانيين قد زاد على 1500 قتيل، علاوة على الجرحى بالمئات من المدنيين العزل .
ويعيد المؤلفان إلى الأذهان أن نحو 4 آلاف صاروخ أطلقها حزب الله قد سقطت على المدن والقوى الشمالية في “إسرائيل”، ولذلك فإن هذه كانت الحرب الأولى التي تعرضت فيها الجبهة الداخلية في “إسرائيل” لهجمات مستمرة لفترة طويلة على هذا النحو، ويقر المؤلفان بأن الجيش “الإسرائيلي” أخفق في محاولته الرامية إلى وقف القصف الصاروخي من جانب حزب الله، ولذلك فإن “إسرائيل” لم تتمكن من السيطرة على الموقف في نهاية الحرب، على عكس ما كانت تخطط له، إلا أن “إسرائيل” تمكنت من إبعاد حزب الله عن منطقة الحدود وانتشار القوات الدولية في المنطقة الحدودية، ولكن هذا لم يكن ما يريده إيهود أولمرت، رئيس الوزراء “الإسرائيلي” آنذاك، ولذلك، فإن هيبة تل أبيب وجيشها ومستقبلها كما يوضح الكتاب قد تعرضت لهزة “في منطقة معادية تحيط بها” .
نقطة تحول
ويعترف المؤلفان بأن رد فعل “إسرائيل” كان يتسم بالمبالغة والسرعة المثيرة، وجاءت النتيجة غير الحاسمة والسلبية للحرب لتثير الشكوك لدى الرأي العام “الإسرائيلي” حتى اليوم بالنسبة لمقدرة الجيش “الإسرائيلي” الذي كان يعتبر الجيش الذي لا يقهر، وقد كشفت صواريخ حزب الله مدى عورة وضعف الجبهة الداخلية “الإسرائيلية” وكذلك فإنها ألقت أضواء كاشفة على مدى تردد الجيش “الإسرائيلي” في القيام بهجمات مضادة، ولذلك فإن المؤلفين يعتقدان أن بعض الدول العربية ترى الآن أن حزب الله قد نفذ استراتيجية ناجحة خلال هذه الحرب تستحق أن تصبح نموذجاً يحتذى في المستقبل، ولذلك فإن الكتاب يشير إلى أن حرب لبنان الثانية يمكن قراءتها على أنها تمثل نقطة التحول خلال العقد الحالي، ويوضح المؤلفان أن هذه الحرب لم تبدأ بعد خطف الجنديين فإن القصة كانت لها أبعاد أوسع نطاقاً وتعود إلى قرار “إسرائيل” الانسحاب من جنوب لبنان، والذي انتهى في مايو/ ايار من العام ،2000 ويحاول الكتاب أن يلخص لنا ما جرى خلال الأعوام الستة التي سبقت العدوان “الإسرائيلي” على لبنان في عام ،2006 وفي هذه الفترة السابقة للحرب الجديدة كانت القوات “الإسرائيلية” تواجه خلالها العمليات الانتحارية التي قامت بها الجماعات الفلسطينية ضد “إسرائيل” وبعد هذه الفترة الطويلة من انتهاء الحرب في لبنان فإن فصولاً عديدة تتعلق بها لا تزال تغلفها الأسرار وبعيدة عن الرأي العام .
فشل “إسرائيلي”
ويقول المؤلفان إن حزب الله كان يخطط منذ انتهاء الانسحاب “الإسرائيلي” في عام 2000 للدخول في مواجهة جديدة ضد “إسرائيل” .
وقد تعمد الكتاب أن يشير إلى أن المؤلفين قد قاما بأخذ شهادات وأقوال نحو 200 شخص كانوا قد شاركوا في الحرب من رتب ومستويات مختلفة، كما حصلا على معلومات مهمة من لجنة فينوجراد التي قامت بالتحقيق في ملابسات الحرب . كما تحدث المؤلفان مع مصادر دبلوماسية عديدة وصحافيين كان بعضهم في بيروت أثناء الحرب: إلا أنهما يتحدثان عن صعوبة الاتصال بشخصيات لبنانية، والأمر المثير للاهتمام هنا هو مدى صراحة الكتاب في التأكيد على أن “إسرائيل” قد أخفقت ولحق بها الفشل في تحقيق أهدافها من هذه الحرب .
ويرجع ذلك إلى حد ما إلى عدم الخبرة أو الغطرسة داخل دائرة صناعة القرار سواء من جانب الحكومة أو الجيش “الإسرائيلي” . وعلى الجانب اللبناني فإنه بالرغم من الشعور الكبير بالكبرياء بالنسبة لنجاح المقاومة اللبنانية في التصدي للعدوان “الإسرائيلي” والمؤسسة العسكرية “الإسرائيلية” التي قامت بهزيمة جيوش عربية مجتمعة من قبل ولكن الكتاب يشير أيضاً إلى انقسام الرأي العام اللبناني، وهناك أيضا مخاوف من حدوث صراعات طائفية جديدة في البلاد . وقد أسفر ذلك عن حالة استقطاب داخل الرأي العام العربي على نحو أوسع نطاقاً، بينما كانت أمريكا قد أصبحت غارقة في الحرب في أفغانستان والعراق، ومن ناحية أخرى فإن إيران قد أصبحت قوة إقليمية كبيرة، ويتحدث المؤلفان عن شبح الحرب الذي يخيم على المنطقة وخاصة بين “إسرائيل” ولبنان .
ومن أبرز الانتقادات التي يثيرها الكتاب ضد الحكومة “الإسرائيلية” في عام 2006 والفترة التي سبقها التأكيد على أن إدارة تل أبيب للأزمات كانت مثير للقلق واتسمت باتخاذ قرارات غير مدروسة وبحساسية مفرطة تجاه الرأي العام، ولذلك فإن الحكومة تعمدت اطلاق تصريحات لا تستند إلى أي اساس صحيح، وقد دخلت أول قوة عسكرية “إسرائيلية” إلى الأراضي اللبنانية بعد أقل من ساعتين من اختطاف الجنديين “الإسرائيليين” في ذلك الوقت .
وفي الوقت نفسه فإن الكتاب يرسم لنا صورة صادقة لخلفيات الأحداث داخل المسرح “الإسرائيلي” والتي يرجع تاريخها إلى عام 1999 فيقول المؤلفان إن حكومة بنيامين نتنياهو التي كانت تتولى السلطة آنذاك كانت تواجه سخطاً شعبياً، وكذلك فإن الحكومة الأمريكية كانت مستاءة للغاية من تصرفات رئيس الوزراء “الإسرائيلي” التي تتسم بالغطرسة وتجاهل واشنطن بالنسبة لقضايا بالغة الحساسية في الشرق الأوسط وربما يمكن أن تنطبق هذه الصورة السابقة على الأوضاع الحالية، فإن نتنياهو قد نجح فعلاً الآن في إثارة غضب الإدارة الأمريكية بعد الحاقة الإهانة بها بعد قراره المثير للجدل بزيادة عدد المستوطنات “الإسرائيلية” في مدينة القدس . وقد تمكن إيهود باراك من إلحاق الهزيمة بنتنياهو في 17 مايو/ ايار من عام 1999 وكان الوعد الرئيسي الذي قطعه للناخب “الإسرائيلي” هو اتخاذ قرار الانسحاب من لبنان، إلا أنه أخفق في المقابل في تحقيق السلام مع الفلسطينيين .
ويكشف الكتاب أن هذا الانسحاب لم يكن يلقى التأييد من قطاعات واسعة في الجيش “الإسرائيلي” وربما كانت حرب عام 2006 بمثابة رد فعل غير مباشر على هذا القرار الذي اتخذه باراك . فقد كان الجيش “الإسرائيلي” قد تعرض لهزة نفسية ومادية كبيرة بعد هذا الانسحاب، وخاصة بعد المخاوف المتزايدة من وقوع المزيد من الضحايا من داخل جنوب لبنان ضد الجنود “الإسرائيليين” على الحدود الشمالية في “إسرائيل” . ويرى بعض الجنرالات “الإسرائيليين” أن إحدى نقاط الضعف الرئيسية بالنسبة لاستراتيجية “إسرائيل” في لبنان كانت عدم وجود سياسة واضحة حول كيفية “قهر حزب الله أو التغلب على فصائله العسكرية” . . ولذلك فإن القوات “الإسرائيلية” في جنوب لبنان كانت قد اضحت بمثابة رهينة في أيدي حزب الله .
ويركز الكتاب في صفحاته التالية على تفاصيل تتعلق بقرار الانسحاب “الإسرائيلي” من لبنان وتداعياته بالنسبة لتل أبيب وللبنان وخاصة بالنسبة لسيطرة حزب الله على المناطق التي انسحبت منها القوات “الإسرائيلية”، ويتطرق الكتاب أيضاً الى استراتيجية رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري بأن تصبح بلاده أكثر استقلالاً وبعداً عن السيطرة السورية وكذلك التطورات التي وقعت بعد اغتيال الحريري في 14 فبراير/ شباط من عام 2005 والتوترات التي وقعت بين سوريا ولبنان بعد هذا الحدث الخطير واسفرت بعد ذلك عن انسحاب القوات السورية من الأراضي اللبنانية .
أوهام أولمرت
ويعود المؤلفان بعد هذا العرض المختصر للأوضاع في لبنان بعد اغتيال الحريري وانسحاب سوريا الى اندلاع شرارة الحرب بعد اختطاف الجنديين “الإسرائيليين” . وقد كان أولمرت مصمماً على أن يقوم برد فعل عاجل على ذلك، حيث كان يرى أن تصرف حزب الله يمثل بالنسبة له فرصة كبيرة للتخلص من سيطرة الحزب على جنوب لبنان وإلحاق ضربة قوية بكيانه العسكري والسياسي . وبالمقارنة مع فترة حكم شارون فإن أولمرت تمكن بسرعة من أن يحصل على دعم رئيس أركان الجيش، على عكس ما كان الوضع خلال رئاسة شارون للحكومة، ويقول مستشارو أولمرت إنه كان هناك اجماع بعد المشاورات التي أجراها رئيس الحكومة مع المؤسسة العسكرية على ضرورة القيام بعمل عسكري مباغت ضد لبنان . وكان قرار الحرب قد جاء استكمالاً لاتفاق سابق تم التوصل اليه في مارس/آذار من عام 2006 حول ضرورة القيام بعمل ما ضد حزب الله لكسر شوكته، وكان المنطق “الإسرائيلي” كما يوضحه المؤلفان هو أن كل الأجهزة الأمنية اتفقت على ضرورة التحرك السريع في حال تعرض أي جندي “إسرائيلي” للاختطاف . وكانت هناك توصية بأن يكون هذا الرد متمثلاً في القيام بعمل عسكري كبير . وكانت هناك قناعة بأنه إذا لم تقم بالرد إذا ما تعرضت لأي ضربة “فإنك ستكون ضحية في المرة التالية لضربة أكثر ألماً وحدة” . وبعد مشاورات عاجلة وافق عمير بيرتس وزير الدفاع “الإسرائيلي” آنذاك على تنفيذ خيارين وهما شن هجوم على كل معاقل حزب الله على طول الحدود وكذلك القيام بضربات جوية على العمق اللبناني . وكانت القيادة العسكرية “الإسرائيلية” بقيادة دان حالوتس اعتبرت أن حادث الاختطاف يعتبر “نقطة تحول” في الحوار اللبناني “الإسرائيلي” وأنه من الضروري استهداف أي منشآت تابعة للحكومة اللبنانية، إلا أن الأمر اللافت للنظر كان القرار “الإسرائيلي” تعمد تفادي الزج بسوريا في الحرب، وتم تحميل الحكومة اللبنانية مسؤولية هذا الحادث وحدها، ووضعت خطط سريعة لقصف مواقع في بيروت خاصة أن هذا الموسم كان يمثل ذروة الموسم السياحي وفقاً لما يؤكده الكتاب . أي أن الحكومة “الإسرائيلية” كانت قد تعمدت إلحاق أكبر خسائر مادية ومالية بلبنان في هذه الفترة التي تعتبر مصدراً كبيراً للدخل السياحي في البلاد، اضافة إلى الاصرار على ضرورة إغلاق مطار بيروت وكذلك إعطاء إشارات واضحة إلى حكومة فؤاد السنيورة “بأن أيامها في الحكم قد اصبحت معدودة” .
دمار واسع
وأعلن ناطق باسم وزارة الدفاع “الإسرائيلية” للصحافيين بعد اجتماع عاجل للحكومة بأن رئيس الأركان قد أكد ضرورة أن “يتم إرجاع لبنان عشرين عاماً إلى الوراء”، واتخذ رئيس الأركان مواقف تتسم بالتشدد والتصلب وتم الإيحاء لوسائل الاعلام بأن رد فعل “إسرائيل” سيكون قاسياً ومتشدداً . وتم اتخاذ قرارات أيضاً . بضرورة “القيام بأعمال عدوانية شديدة على طول خط الحدود واستخدام الجرافات وتقويض المنطقة لتصبح ركاماً ووضع قواعد جديدة للعبة” .
وتطرق حالوتس إلى فكرة تتمثل في شن هجمات على أهداف مدنية بما في ذلك المنشآت التحتية في لبنان، وكذلك قصف مطار بيروت بالقنابل وإطفاء جميع انوار بيروت بحيث يعم الظلام فيها وكذلك الهجوم على محطات الطاقة الكهربائية لتحقيق ذلك . وكان رئيس الأركان يوصي بضرورة انقطاع الكهرباء عن بيروت لمدة عام كامل، وأن يكون حجم الدمار ضخماً بحيث يقدر بمليارات الدولارات . وكانت السلطات “الإسرائيلية” قد اعتقدت بأن امامها فرصة لا تتجاوز يومين أو ثلاثة قبل ان يتدخل المجتمع الدولي . ولكن الخطة كانت تقوم على ألا يتم الاعلان بأن هدف هذا العمل العسكري الشرس هو مجرد إعادة الجنديين “الإسرائيليين” والافراج عنهما .
تحاشي سوريا
وكان رئيس الأركان يعتقد أن الجنديين قد يكونان نقلا إلى سوريا أو ايران . ويكشف الكتاب أن موقف وزير الدفاع “الإسرائيلي” بيرتس كان الأكثر تشدداً، وذلك على الرغم من عدم خبرته بالشؤون العسكرية كما يقول المؤلفان، ويوجهان الاتهام اليه بأنه كان خاضعاً لضغوط من الجنرالات، وكانت “إسرائيل” تعتقد أنه سيكون بوسعها تدمير صواريخ حزب الله من خلال ضربات جوية وقائية . وكانت احدى النظريات المطروحة هي أنه إذا ما تم الحاق ضربات بالمرافق الاساسية فإن حزب الله سيقع في ورطة حول ما اذا كان سيتمكن من الرد . ولكن وزير الدفاع كان مصراً على أن يشمل الهجوم حزب الله والحكومة اللبنانية معاً . وأكد حالوتس رفضه القاطع لضرب أي اهداف في سوريا، وكذلك أبدى مائيير داغان مدير الاستخبارات “الإسرائيلية” تحفظاته على القيام بأي هجمات ضد سوريا، ولكنه أوصى بأن يتم ضرب اهداف للمقاومة الفلسطينية في سوريا وكان يعارض أيضاً ضرب أي مرافق اساسية لبنانية لأن ذلك سيؤدي إلى توحيد الشعب اللبناني ضد “إسرائيل”، ولكن بعض القادة العسكريين حذروا من توسيع نطاق العمل “الإسرائيلي” لأن حزب الله قد يقوم بضرب مناطق الجليل بالصواريخ مع عدم توافر مخابئ كافية هناك . وكان الحديث عن القيام بهجوم بري مثار جدل ايضاً، مع تحذيرات بأنه سيكون غير مقبول على نطاق واسع من الرأي العام “الإسرائيلي” وسيكشف الفصل التالي عن الاتصالات التي أجرتها “إسرائيل” مع واشنطن قبل شن هذا الهجوم الموسع، وكيف كان رد فعل واشنطن على ذلك .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.