انفجارات ضخمة تهز تل أبيب وسط دوي صفارات الإنذار    إيران.. نرفض المقترح الأميركي ونحن من سننهي الحرب وليس ترامب    رئيس الجمهورية يُؤدي زيارة إلى مصحة العمران والصيدلية المركزية.    عاجل/ ترامب يهدد ايران ويتوعد..    وزارة الثقافة تنعى المطرب وعازف الكمان أحمد داود    بهدوء: مقهى المساء وامتحان الأمومة    فرحة العيد    المقامة العيدية    لصوص النصوص بين النّقد الغائب والضمير المفقود    إلى حدود 25 مارس 2026: المدخرات من العملة الصعبة تُعادل 106 أيّام توريد    10 سنوات سجنا وخطية مالية لفتاة من أجل ترويج المخدرات    حين تغيب الرسائل وتضيع العبر...الدراما التونسية... موسم مرّ بلا أثر    مهرجان «الأنوف الحمر» بحمام سوسة ...المهرج بين العقلية الإجتماعية والتأثيرات النفسية    تونس تتموقع في السياحة البحرية: إقبال متزايد واستقطاب مُجهّزين بحريين دوليين جدد    "الإنسان الرابع" عمل مسرحي جديد للتياترو يسجل عودة توفيق الجبالي على الركح    نائب تستنكر    بن عروس: برمجة تلقيح أكثر من 80 بالمائة من القطيع بالجهة (دائرة الإنتاج الحيواني)    أول تحرك رسمي من السنغال لإلغاء سحب كأس إفريقيا: الجديد    ماذا تأكل عند هبوط السكر؟ 6 خيارات فعّالة وسريعة    توزر: مهرجان مسرح الطفل بدقاش في دورته ال24 بين الورشات والعروض فرصة للتكوين والترفيه    كمان سانغام"...حين تلتقي أوتار الهند بنبض الشرق في تونس    باجة: عرض تجارب الاقتصاد فى الماء بالقطاع الفلاحي بمناسبة اليوم الوطنى للاقتصاد في الماء    توزر: يوم تحسيسي إعلامي لفائدة مربي المجترات الصغرى استعدادا لموسم سفاد الأغنام    محكمة الاستئناف بتونس تقر عقد الجلسات الاستئنافية لقضايا الإرهاب عن بعد خلال أفريل    عاجل-الليلة: ''الحرارة إلى ما دون العشر درجات''    المستشار الجبائي يحذر: المهن غير التجارية عندها خصوصيات لازم القانون يحميها    وقتاش المنتخب يلعب أمام هايتي و كندا؟    عاجل: سوم الذهب يرتفع مرة أخرى    إيران تبلغ باكستان رفضها خطة أمريكية من 15 بنداً لإنهاء العداء    المنظمة الدولية للهجرة بتونس: عودة 97 مهاجرا إلى غينيا ضمن برنامج العودة الطوعية    فاجعة تهز هذه الولاية ليلة العيد..تفاصيل صادمة..    امتيازات جبائية لدعم التنقّل الكهربائي وبطاريات الليثيوم: وزارة المالية تكشف وتوضّح..    عاجل/ تحذير: سحب دفعات من حليب الأطفال "أبتاميل"..    عاجل: بطل تونس لرفع الأثقال كارم بن هنية يعلن اعتزاله وعرض ألماني ينتظره    وفاة فاليري بيرن نجمة فيلم سوبر مان    هل تدمر ''moteur ''كرهبتك بصمت؟ اكتشف الأخطاء اليومية    الترجي الجرجيسي: اليوم إستئناف التحضيرات إستعدادا للجديات    عاجل/ من بينهم شفيق جراية: احكام سجنية ثقيلة ضد هؤلاء..    إستعدادا لمواجهة النادي الإفريقي: مستقبل قابس يستقر على هوية مدربه الجديد    من أجل المحافظة على اللقب الإفريقي .. المنتخب السنغالي يتوجه إلى التاس    الوداد الرياضي المغربي يتعاقد مع المدرب الفرنسي باتريس كارتيرون    الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة تنظم دورة تكوينية حول التنقلات الكهربائية بصفاقس من 24 الى 26 مارس 2026    وزير الخارجية يلتقي التوانسة في المانيا...علاش؟    عاجل: هاندا أرتشيل وحبيبها السابق في دائرة التحقيق بقضية مخدرات    م..قتل سبعة من الجيش العراقي بقصف جوي استهدف قاعدة عسكرية في الأنبار    فرص لكل التلامذة التوانسة :كل ما تحب تعرفوا على المنصة المجانية    عاجل/ ملامح زيادة الأجور لعام 2026: النسبة والتطبيق قد يؤجل لهذا الموعد..    وزارة التجارة تعلن تلقي 342 شكاية خلال شهر رمضان..وهذه التفاصيل..    مواعيد تهّم التوانسة : الشهرية وقتاش ووأقرب jour férié    تحسن في الوضع الجوي اليوم..    خطير/ تعرض المترو 5 و6 الى حادثتي تهشيم واعتداء على الركاب..#خبر_عاجل    عاجل/ بعد اصدار أوامر بنشر 2000 عنصر- ممثل خامنئي يتوعد الجنود الأمريكيين: "اقتربوا"..    75% من الأدوية في تونس تُصنّع محليًا    عاجل: فيضانات محلية مرتقبة في عدة دول خليجية    الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد تختار نور الدين الطبوبي رئيساً وناطقاً رسمياً للمؤتمر    محمد صلاح يعلن رحيله عن ليرفربول بنهاية الموسم الحالي    طقس اليوم.. ارتفاع طفيف في درجات الحرارة    في مشهد سماوي بديع.. القمر يقترن بالثريا الليلة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحل العربي ل "المسألة اليهودية": تفكيك الغيتو الصهيوني
نشر في الفجر نيوز يوم 11 - 04 - 2010

مما لا شك فيه أن المسألة اليهودية تشكل الأساس العميق الذي استندت إليه عملية اندلاع الصراع العربي الصهيوني منذ قرن ونيف من الزمن. إذ إنها بوصفها مسألة واجهت الأوربيين. وخصوصاً من يطلق عليهم اسم “الصهاينة غير اليهود”. دفعت بهم نحو إيجاد حلول مختلفة لها، كان أبرزها الحل الصهيوني الذي يحل المسألة على حساب العرب، ويرضي في الوقت ذاته أحلام اليهود اللاهوتية، وفوق كل شيء ينسجم مع مخططات الأوروبيين في السيطرة على المنطقة العربية لقيمتها التاريخية والحضارية والجيوستراتيجية والاقتصادية.
هذا الحل أدى إلى اندلاع الصراع العربي الصهيوني، وجر الويلات والنكبات على الأمة العربية عموماً وعلى الشعب الفلسطيني على وجه الخصوص، وكشف هذا الحل في مساره الطويل عن مفارقة مثيرة وجدت تعبيراتها ومظاهرها في محطات تسوية الصراع عبر المفاوضات، انطلاقاً من مفاوضات “رودس” مروراً بمفاوضات “جنيف” و”كامب ديفيد” وصولاً إلى مفاوضات مدريد وما تبعها من اتفاقيات كاتفاقية “أوسلو” واتفاقية “وادي عربة”. تتمثل هذه المفارقة المثيرة في مفهوم حل الصرع أو تسويته، هذه التسوية التي تمحورت أساساً حول تنفيذ قراري مجلس الأمن الدولي 242 و،338 وفق صيغة “الأرض مقابل السلام” الشهيرة، التي تعبّر عن حل غربي أمريكي أساساً للصراع العربي الصهيوني ينسجم بشكل أو بآخر مع التصور “الإسرائيلي” لآفاق عملية التسوية وجوهرها. فكل من واشنطن وتل أبيب تسعيان إلى تكريس الحل الصهيوني للمسألة اليهودية الذي أخذ شكل مشروع صهيوني عام مكون من شقين: أولهما إمبريالي (وهو الشق الكبير) وثانيهما يهودي (وهو الشق الصغير)، تجري عملية تنفيذه بشكل تراكمي، وفي الآن ذاته تقدمان ذاتهما للمجتمع الدولي بوصفهما راغبتان في إحلال السلام “المفقود” نتيجة لسلوك العرب إزاء الكيان الصهيوني منذ ما قبل الإعلان عن قيامه بزمن، وبذلك تعممان وعياً زائفاً لطبيعة الصراع وسبل حله، ليصبح الاستسلام سلماً واعداً.
إزاء تقديم واشنطن نفسها على أنها المبادرة لإنهاء الصراع العربي الصهيوني بجدية عالية، واستنكاف الأطراف الأخرى المنخرطة في الصراع، عن المبادرة لحله بشكل جدي، ظهرت في الأوساط السياسية والفكرية العربية والفلسطينية، وفي مراحل مختلفة من الصراع، ملامح جنينية لحل عربي ل “المسألة اليهودية” المترابطة موضوعياً بما يسمى “المشكلة الإسرائيلية” وفي الوقت ذاته بالقضية الفلسطينية. واكتست تلك الملامح شكل طروحات فكرية وسياسية وأهداف ينبغي تحقيقها من شاكلة: بناء الدولة الديمقراطية في فلسطين، وإعادة اليهود العرب (الأبناء الضالين) إلى بلدانهم العربية الأصلية.
ومن تلك الطروحات أطروحة قدمها الصحافي اللبناني الراحل “جوزيف سماحة” في كتابه الشهير (سلام عابر.. نحو حل عربي ل “المسألة اليهودية”)، وتمثلت في اعتقاده أنه “ليست هناك بالمعنى الدقيق للكلمة مشكلة فلسطينية مطروحة في وجه العرب” و”القضية الفلسطينية ليست قضية العرب الأولى أو المركزية” إذ إن القضية المركزية للعرب “هي التدرج نحو الوحدة(...) والقضية الفعلية التي تواجههم ليست القضية الفلسطينية بل القضية “الإسرائيلية””. وتتضح أكثر أطروحة سماحة بقوله إن “إسرائيل” باتت المركز الرئيس للحياة السياسية والدينية والثقافية اليهودية، صحيح أنها لم تحل مشكلة ما يُسمى ال “دياسبورا” غير أنها نقلت نقطة الثقل إليها من وسط أوروبا. وقد نجم عن ذلك تطور بالغ الأهمية يتمثل في التراجع الحاد الذي أصاب العداء للصهيونية في الأوساط اليهودية الموزعة في العالم. ولعبت الحرب العالمية الثانية، دوراً كبيراً في حسم الجدل ضمن يهود العالم لصالح الخيار الصهيوني الذي بقيت خارجه أقلية أمينة لأفكار أخرى. إن هذا المعطى الجديد لا يضع العرب في مواجهة “القضية الإسرائيلية” فحسب بل “القضية اليهودية” بكل تاريخها وتعقيداتها والحساسيات التي تثيرها. هذه هي المهمة التاريخية الحضارية الكبرى المطروحة على الأمة العربية، وهذه المهمة لا بد أن تنجزها حركة قومية عربية متجددة في سياق حل “معضلة الأمة العربية أولاً، وتقديم مشروع حل عربي للقضية “الإسرائيلية”، ولا يمكن لهذا الحل إلا أن يكون حلاً نهائياً ل “المسألة اليهودية” لأنه يضمن الخروج مرة وإلى الأبد من اللعنة التي طاردت اليهود طويلاً ومن محاولة الحل الاستعماري الصهيوني توظيفها”.
عداء للسامية أم جوديوفوبيا؟
لتطوير الملامح الجينية للحل العربي ل “المسألة اليهودية” لا بد أولاً من تحديد أصل هذه المسألة، فالمقدمات الصحيحة المتلازمة مع وعي صحيح غير زائف لهذه المسألة لا بد أن يقود إلى نتائج وحلول صحيحة وناجعة، وغير ذلك لا يعدو أن يكون دوراناً في حلقة مفرغة.
إزاء أصل المسألة اليهودية يرى الدكتور عبد الوهاب المسيري أن الدورة الاجتماعية الاقتصادية الناجمة عن تطور المجتمع الغربي من الإقطاع إلى الرأسمالية هي ما يمكن تسميته بالمسألة اليهودية. فالمسألة اليهودية ليست نتيجة اضطهاد الأغيار (غير اليهود) لليهود، وليست هي مؤامرة حيكت خصيصاً ضد اليهود، وإنما هي ظاهرة اجتماعية مفهومة، تشبه في كثير من الوجوه المسألة اليونانية أو الإيطالية في مصر أو المسألة العربية في إفريقيا (إن صح التعبير).
ففي هذه المجتمعات قام اليونانيون والإيطاليون والعرب بدور الأقلية التجارية، ولكنهم وقعوا ضحية التطور التاريخي الذي طرأ على مجتمعاتهم. وقد حلت المسألة اليونانية في مصر على سبيل المثال بأن رحل كثير من اليونانيين إلى اليونان أو أية بلاد أخرى، وتبقّى من تبقّى منهم بعد أن اندمج في المجتمع المصري، وتقبّل وضعه دون تميز حضاري أو مهني، وقد تم الشيء نفسه بالنسبة للأقليات اليهودية في إنجلترا وفرنسا، إذ طردت الغالبية العظمى منهم، وبقي عدد قليل اندمج مع بقية السكان، وكان اليهود المطرودون يحلون مشكلتهم عن طريق التقهقر إلى الوراء، أي الهجرة إلى مجتمعات لا يزال النظام الإقطاعي فيها ثابتاً مستقراً، “ولجهة مصطلح “العداء للسامية” (Anti Semitism) فهو، مصطلح مركب ومفبرك فالشق الأول منه أي “السامية”، (Semitism) هو من ابتكار عالم ألماني، ابتدعه عام ،1781 للدلالة على جماعة تربطها روابط لغوية وثيقة كالعربية والعبرية. بينما ظهر مصطلح “العداء للسامية” في ألمانيا أيضاً مع نهاية القرن التاسع عشر وشاع استعماله في مرحلة لاحقة للدلالة على كره اليهود والشعور المتصل تجاههم بالعداء”،استناداً إلى فكرة التمييز بين البشر على أساس من اختلاف “العرق”.
وهذا التعبير هو تعبير مضلل جرى استعماله في غير المعنى الموضوع له أصلاً. فالسامية كما فهمها دارسو تلك المرحلة من الأوربيين تشير إلى مجموعة لغوية وثقافية من الناس لا عرقية، وتضم في الأساس، اللغات العبرية والعربية والآرامية. لذا يفضل مكسيم رودنسون استخدام تعبير “جوديوفوبيا” (Judeophobia) للتدليل على شعور العداء تجاه اليهود وحدهم، بل ويميز بين نوعين من “الجيوديوفوبيا” جاء تعبيرها الأول بدوافع دينية ويمكن فهمه في إطار الصراع التاريخي بين الديانتين اليهودية والمسيحية، أما تعبيرها المعاصر المستند إلى أساس من التمييز العرقي فحديث النشأة نسبياً.
وقد كانت وظيفة “العداء للسامية” تنحصر في إنتاج المسألة اليهودية وإعادة إنتاجها، وتدعيماً للفكرة الصهيونية، لذا نجد المفكر اليهودي البريطاني لوسيان وولف يعتبر أن “العداء للسامية” كان “الحليف الطبيعي والمتناغم مع الصهيونية والمبرر الأقوى لوجودها”. في حين اعتبر المستشرق برنارد لويس أن “معاداة السامية وحدها بين علل الدنيا لا يمكن أن تنتهي بوفاة طبيعية، بل إنها تبقى مرضاً مستفحلاً في العالم غير اليهودي”.
أما عبد الوهاب المسيري فيربط بين الصهيونية ومعاداة اليهود برباط وثيق ويجد أنهما “وجهان للعملة نفسها، وأن المعادي لليهودي يود أن يخلّص نفسه من اليهود بإلقائهم في فلسطين! ولعل بلفور، وهو أهم شخصية في تاريخ الصهيونية، تجسيد متبلور لهذه النزعة فهو كان يكن احتقاراً عميقاً لليهود، واستصدر من القوانين ما يحد من هجرة يهود شرق أوروبا إلى انجلترا، وكان هو نفسه على الرغم من هذا أو بسببه، من كبار المتحمسين لنقل اليهود على فلسطين”. بينما يرى جوزيف سماحة، في السياق ذاته أن الحل الصهيوني “أعاد إنتاج المسألة اليهودية في شروط جديدة، إذ وضع اليهود ولأول مرة منذ تشردهم التاريخي في موقع “الجلاد” أنه حل يقوم عضوياً وتكوينياً على قاعدة التصفية الوطنية والسياسية لشعب آخر وإيجاد مأساة جديدة، المأساة الفلسطينية، يمكن لها أن تشكل “الحد الأقصى” من الجرائم “المسموح بها” بعد المراجعة الشاملة، ولو غير الكاملة، لدروس “المحرقة”. لحظة إنشاء الكيان “الإسرائيلي” هي لحظة شطب شعب آخر. (فقد) نجح الغرب في تصدير المسألة اليهودية إلى الشرق جاعلاً منها وسيلة من وسائل إخضاعه”.
فالحل الصهيوني شكل تجاوزاً من الغرب لحلول سابقة كالحل الذي طرحته الثورة الفرنسية، والحل الشيوعي والحل النازي الذي أطلق عليه اسم “الحل النهائي للمسألة اليهودية”، والذي شكل محاولة مجنونة للحل تمثلت في الإبادة الجسدية الكاملة لليهود.
ولعل من أخطر المفاهيم السياسية التي زرعتها الصهيونية في فكرنا بشكل عام، هو اعتبار “إسرائيل” دولة اليهود. فالحقيقة هي أنها دولة يهودية عنصرية، ولكنها ليست دولة اليهود. لقد رفض هؤلاء الاعتراف بها على هذا الأساس، وقبلنا نحن به، وعليه حتى دون الإقرار بذلك، تصبح الصهيونية حركة “انعتاق قومي” يهودي، بينما هي في الحقيقة حركة سياسية مفبركة، سعت لتوظيف اليهود في خدمة المصالح الإمبريالية، ساهم في تشكيلها قطاع صغير من اليهود المندمجين في المجتمعات الغربية، لتسخير التجمعات اليهودية، وتحت وطأة المسألة اليهودية، في مشاريع المراكز اليهودية.
دعوة إعادة اليهود
ونتيجة للوعي العربي الزائف لجوهر الصراع العربي الصهيوني وأساساً للمسألة اليهودية، طرحت مشاريع بصياغات مختلفة تتمحور حول دعوة اليهود العرب للعودة إلى أوطانهم العربية الأصلية وذلك “لسحب البساط من تحت أقدام المشروع الفلسطيني الهادف إلى إقامة الدولة الديمقراطية العلمانية في فلسطين. ذلك أنه إما أن نلتزم بذلك المشروع فنبقي اليهود حيث هم لكي تتشكل منهم الدولة الديمقراطية العلمانية العتيدة، أو نسحبهم من هناك فينتقي بذلك الأساس البشري اللازم لإقامة مثل تلك الدولة” وهذا حسب ما عبر عنه أسعد عبد الرحمن في عرضه لمسوغات رفض الفكرة.
ومكمن الخلل في مشروع إعادة اليهود العرب إلى بلدانهم يتمثل في الاعتقاد بأن هجرتهم نحو فلسطين المحتلة كانت نتيجة لوجود مسألة يهودية في البلدان العربية، وقد غالى محمود عباس في ذلك من خلال قوله: “لنعترف أننا ظلمناهم وأننا ارتكبنا بحقهم أخطاء قاتلة، وإننا أجبرناهم على ما يكرهون وأغلقنا أمامهم كل طرق الحياة الكريمة (...) نحن وضعناهم في الخط المعادي وفي الصف المعادي، نحن أجبرناهم (لليهود العرب) على الوقوف في هذا الموقف لم نعطهم خياراً آخر. لم نمنحهم فرصة أخرى فرضنا عليهم إما الرحيل إلى (إسرائيل) أو الموت هلاكاً ولا خيار ثالثاً”.
ويكمن الخلل أيضاً في سذاجة وسطحية رؤية آلية عودة يهود البلدان العربية وانعكاسها على الحركة الصهيونية، وهذا ما يظهر جلياً في قول نزيه قورة في كتابة “المشروع الصهيوني في مواجهة أزمته الداخلية”. “إن مقتل الحركة الصهيونية يكمن في تبني الدول العربية، مجتمعة ومتفردة، لسياسة حكيمة تجاه هؤلاء اليهود، تتيح لهم العودة بأمان إلى أوطانهم العربية، أو على الأقل تتيح تسهيلات معينة لمن يريد الانتقال عبر البلدان العربية إلى أية بلدان يختارونها”.
وبالرغم من أن معطيات تاريخية كثيرة تشير إلى أن المجتمعات العربية الإسلامية لم تشهد مسألة يهودية، وان اليهود في تلك المجتمعات لم يعانوا من أي اضطهاد، إلا أنه يمكن القول إنه تمت وفي حالات قليلة عملية تشكل ملامح مسألة يهودية في المجتمعات العربية لم تتطور إلى مستوى المسألة اليهودية التي برزت بقوة في المجتمعات الأوروبية.
وبعد أن وفدت الحركة الصهيونية إلى المنطقة العربية كجزء لا ينفصل من الوجود الاستعماري الأوروبي، وبتشجيعه وتحت رعايته، وسمح للمبعوثين الصهاينة بدخول البلاد العربية وممارسة نشاطهم بحرية كاملة تقريباً، بغرض جمع الأموال أساساً، لم يكن النشاط الصهيوني محظوراً في هذه البلاد حتى عام ،1948 لكن مواقف يهود البلاد العربية، اتسمت تجاه النشاط الصهيوني بعدم المبالاة والشك وغالباً بالعداء، وقررت النخبة المثقفة في الطوائف اليهودية، الأكثر عراقة وتقدماً في تركيا والعراق ومصر على وجه الخصوص، الأخطار التي ستجرها الصهيونية السياسية على طوائفهم سلفاً. وشُغل بعض هؤلاء المثقفين بالتحذير من قبل أعوام من نجاحها في جذب اهتمام غيرهم من مفكري هذه الدول.
كما أن المتتبع لوتيرة الهجرة اليهودية من البلاد العربية، يلاحظ مدى ارتباطها الوثيق بجولات الحرب وارتفاع حدة المواجهة في الصراع العربي الصهيوني. وبقيت هذه بمثابة السمة الأساس التي طبعت الهجرات الكبرى والجماعية في الفترة التي أعقبت قيام “إسرائيل” حتى اليوم. فجاءت الهجرة الكبرى ليهود اليمن والعرق، وبدرجة أقل المغرب، مع انتهاء الجولة الأولى من الحرب العربية “الإسرائيلية” 1948- ،1949 وجاء الخروج الأكبر ليهود مصر عقب العدوان الثلاثي عليها سنة 1956. كما جاء الخروج الأكبر ليهود ليبيا وتونس بعد حرب 1967.
الحل العربي ل “المسألة اليهودية”
يمكن أن يتجسد الحل العربي ل “المسألة اليهودية” في سياق عملية سياسية تاريخية تهدف إلى إزالة العقبات من طريق نهضة الأمة العربية، بالاستناد إلى مشروع حضاري يشكل رداً على الطروحات الصهيونية الزائفة، ويلغي الدور الذي يقوم به الكيان الصهيوني في المنطقة العربية وصولاً إلى تفكيك هذا الكيان المفبرك.
هذا هو جوهر الحل العربي ل “المسألة اليهودية” أنه حل في حال توافر مقوماته وشروطه الموضوعية الكامنة أصلاً في قدرة الأمة العربية على تجاوز حالة الهزيمة الراهنة سيجذب بالضرورة اليهود نحو المشاركة في بناء المجتمع العربي الجديد، إذ سيجدون أن المساهمة في تحقيق وحدة الأمة العربية وتطورها هو المدخل لخلاصهم النهائي من النكبات التي جرّتها عليهم الحركة الصهيونية وقادة الكيان الصهيوني. وخلاف ذلك، أي التسوية الراهنة للصراع العربي الصهيوني، فهي في جوهرها شكل جديد للصراع وليست نهاية له.
المراجع:
1- جوزيف سماحة، سلام عابر، نحو حل عربي ل “المسألة اليهودية” دار النهار للنشر بيروت 1993.
2- محمود عباس، “الصهيونية، بداية ونهاية” دراسة، تاريخ النشر ومكانه غير مذكور.
3- د.عبدالوهاب المسيري، الاستعمار الصهيوني وتطبيع الشخصية اليهودية، مؤسسة الأبحاث العربية بيروت 1990.
4- نزيه قورة “المشروع الصهيوني في مواجهة أزمته الداخلية، مؤسسة الأرض للدراسات الفلسطينية دمشق 1990.
5-s.d.goitein, Jews and Arabs, their contacts .
through the ages, schocken books-new York,
fifth printing-1970
6- د. أسعد عبد الرحمن “عودة العرب اليهود: المسألة اليهودية” شؤون فلسطينية، العدد 59 تموز/ آب/ أيلول 1976.
7- عباس شبلاق، “حول شعور العداء لليهود في الدول العربية، مناقشة لوجهات النظر السائدة”، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 2 ربيع 1990.
8- د.إلياس شوفاني، “التسوية في نظر “إسرائيل” استكمال للصراع...” مجلة “النور” العدد 46 آذار/ مارس 1995.
الخليج:الأحد ,11/04/2010


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.