هام: دولة عربية ما عادش فيها لعبة ''روبلوكس''    عاجل-محرز الغنوشي:''العزري داخل بعضو اليوم.. وباش يتغشش شوية العشية''    وزارة السياحة تتابع تقدّم برنامج رقمنة الإجراءات وتبسيط الخدمات الإدارية    فيديو لسنجاب يتسبب بتوقف مباراة كرة قدم مرتين في إنقلترا    جنوب إفريقيا تعلن سحب قواتها من بعثة الأمم المتحدة في الكونغو    وفاة رضيع بعد تعذر حصوله على علاج: والدة الضحية تروي تفاصيل الساعات الأخيرة وتحمّل المستشفى المسؤولية    تفرّق دمه بين المصالح الداخلية والإقليمية والدولية .. اغتيال سيف الإسلام ينهي آمال وحدة ليبيا    ملفات إبستين تكشف: كيف نهبت ليبيا قبل القذافي وبعده؟    الصهيانة يغادرون الكيان .. .400 ألف فرّوا منذ 7 أكتوبر    الجزائر تبدأ إلغاء اتفاقية خدمات نقل جوي مع الإمارات    أخبار الشبيبة الرياضية بالعمران ..الفوز مطلوب لتحقيق الأمان    من سُلالة الموهوبين ومن أساطير الملاسين ...وداعا منذر المساكني    من أجل الاساءة إلى الغير ...إيداع قاض معزول .. السجن    باردو ... الإطاحة بعصابة لسرقة سيارات بعد نسخ مفاتيحها    من أجل الاستيلاء على أموال محكوم بها قضائيا ...أحكام بالسجن بين 3 و8 سنوات لعدل منفذ وزوجته    إيقاف 3 أشخاص في حاجب العيون ...خلاف عائلي يكشف عن عملية استخراج كنوز    أيام قرطاج لفنون العرائس .. فسيفساء عرائسية بصرية ملهمة فكريا وجماليا    أحجار على رقعة شطرنج صهيونية ...«سادة» العالم.. «عبيد» في مملكة «ابستين»    تبون يعطي الضوء الأخضر للصحفيين: لا أحد فوق القانون ومن لديه ملف وأدلة ضد أي مسؤول فلينشره    تبون: علاقاتنا متينة مع الدول العربية باستثناء دولة واحدة... والسيسي أخ لي    تأسيس «المركز الدولي للأعمال» بصفاقس    داخل ضيعة دولية بالعامرة .. قصّ مئات أشجار الزيتون ... والسلط تتدخّل!    تفاصيل محاصرة وايقاف مهرب بجهة السيجومي..#خبر_عاجل    عاجل/:وزير التجارة يشرف على جلسة عمل حول آخر الاستعدادات لشهر رمضان..وهذه التفاصيل..    البطولة الوطنية المحترفة لكرة السلة (مرحلة التتويج): نتائج الدفعة الأولى لمباريات الجولة السادسة    رقم صادم: 57 % من حالات العنف تقع داخل أسوار المؤسسات التربوية    في مثل هذا اليوم من سنة 2008...ترجل أيقونة الفكر في تونس مصطفى الفارسي...    يهمّ كلّ تونسي: كيفاش تكنجل المواد الغذائية...معلومات لازمك تعرفها    بطولة الرابطة المحترفة الاولى (الجولة20-الدفعة1): النجم يفوز في "دربي الساحل" و الحماس يشتد في اسفل الترتيب..    النجمة الزهراء: تأجيل المؤتمر العلمي الدولي "رجال حول البارون"    سياحة طبيّة واستشفائية: تونس "نموذج افريقي" مؤهل لتصدير خبراته في مجال ملائم للتعاون جنوب-جنوب    مدينة صفاقس تحتضن الصالون الوطني للتمويل 2026 من 9 الى 12 فيفري    إعادة تسخين الطعام أكثر من مرة عملية مضرّة بصحّة الإنسان (مختصة في سلامة الأغذية)    كاس تونس : نتائج الدفعة الاولى من مباريات الدور التمهيدي الرابع    العراق: استلام 2250 عنصرا من "داعش" من سوريا يحملون جنسيات مختلفة    إيران تتوعد بالرد على أي هجوم من الولايات المتحدة بضرب قواعدها في المنطقة..#خير_عاجل    مُقلي ولّا في الفرن...مختصّة تحذّر التوانسة من البريك...علاش؟    عميد البياطرة: ''اجعل غذاءك دواءك''    باردو: عامل بمحطة غسيل سيارات ينسخ مفاتيح الحرفاء ثم يستولي على سياراتهم ويفككها    عاجل/ العثور على جثة امرأة بهذه المنطقة..    وفد عن لجنة القطاعات الإنتاجية بمجلس الجهات والأقاليم يزور جندوبة    الفيديو أثار ضحة: صانعة محتوى تحاول الانتحار في بث مباشر..ما القصة؟!..    تونس تتنفّس: السدود تمتلئ أكثر من 50% والمياه في تحسن مستمر!    الترجي الرياضي - الملعب المالي: من أجل الانتصار وافتكاك الصدارة    عاجل: ''ويكاند'' بطقس متقلّب    استراتيجيات الترجمة    انفراج مرتقب في النقل: دفعة أولى من الحافلات ترسو بحلق الوادي    ترامب يرفض الاعتذار عن منشوره بشأن أوباما وزوجته    مستشفى شارل نيكول.. أول عملية استئصال رحم بالجراحة الروبوتية    بورتريه ... سيف الاسلام.. الشهيد الصّائم !    رمضان على التلفزة الوطنية: اكتشفوا السيرة النبوية بحلة درامية جديدة    عاجل/ مدينة العلوم تكشف موعد حلول شهر رمضان..    كرة القدم: جولتان فقط خلال رمضان، إليكم رزنامة المباريات الرسمية!    أيام قرطاج لفنون العرائس : جمهور غفير يُتابع عروض مسرح الهواة    تنضيفة رمضان : عادة ولاحالة نفسية ؟    "كلمات معينة" يرددها صاحب الشخصية القوية..تعرف عليها..    رمضان 2026: موسم كوميدي عربي متنوع يملأ الشاشات بالضحك    نزار شقرون ينال جائزة نجيب محفوظ للرواية ...من هو؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عاشوراء دروس وعبر (1-3):أ.د. عبد الرحمن البر
نشر في الفجر نيوز يوم 19 - 12 - 2010


أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر
وعضو مكتب الإرشاد
وعضو الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين
محاضرة ألقاها : أ.د. عبد الرحمن البر في ذكري عاشوراء 2010
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، لا إله إلا هو رب الأولين والآخرين، ومالك يوم الدين.
وصلى الله وسلم وبارك على سيد الأولين والآخرين، وإمام الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين، وأسأل الله العظيم أن يجعل مجلسنا هذا مجلس خير وبر وبركة، وأن يجعله شاهدا لنا يوم العرض عليه، وأن يبيض به وجوهنا يوم الوقوف بين يديه، إنه على كل شيء قدير.
أما بعد..
أحبتي في الله.. فحياكم الله وتقبل الله مني ومنكم صالح الأعمال، وأهلا ومرحبا بكم في هذا المجلس الكريم، حيث نتذاكر معا أوامر ربنا تبارك وتعالى ومنهاج نبينا صلي الله عليه وسلم ونعيش في روضة من رياض الجنة، ما أمس حاجتنا إليها، في ظل هجير الحياة اللاهث، وشدائدها المتتابعة، يحتاج الإنسان إذا اشتدت به الأمور، إلى صدر يسند إليه رأسه، وإلى شديد ينزل عنده حاجته، وإلى سبب من أسباب القوة يركن إليه، ولا ركن أقوى من ركن الله رب العالمين، ولا سبيل أكثر شرحا للصدر، أفضل من ذكر الله تبارك وتعالى، ولا طريق لهدوء النفس أفضل وأكرم من أن تهدأ عند ربها تبارك وتعالى، وصدق الله مولانا العظيم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد/28].
ولقد كان النبي صلي الله عليه وسلم من أول بعثته حريصا على هذه المجالس التي تتباهى بها الملائكة؛ لما تحدثه من آثار نفسية روحية عميقة، تصفي كدر الحياة، وتريح القلب المتعب، وقد كان النبي صلي الله عليه وسلم يلجأ إلى الطاعات إذا اشتدت الكربات، ويرى أن في قربه من ربه غسلا لهمه، وتفريجا لكربه. وحياتنا اليوم هي مجموعة من المشاهد المؤلمة أحيانا، والمسيئة أحيانا، لولا بصيص من نور وأشعة من خير تبثها مجالس المؤمنين بعضهم مع بعض، يحييها الله تبارك وتعالى بنور الأخوة والإيمان، فيطمئن القلق، وينشط الكسول، ويجتهد المجد.. ومجلسنا اليوم أراه مجلسا من هذه المجالس، فأسأل الله العظيم أن يجعله لنا يوم القيامة شافعا ونورا.. وفي بعض الآثار، أن المؤمنين إذا التقيا في الجنة، قال أحدهما للآخر –من جملة ما يقولون تساؤل يطرحه أهل الإيمان، نرجو الله أن نكون منهم- يا فلان، تدري متى غفر الله لنا حتى أحلنا هذا المحل الكريم السَّنِيّ، وأنزلنا هذا المنزل القريب الدني، تدري متى غفر الله لنا؟ يقول: نعم، يوم جلسنا في ساعة كذا نذكر الله..
وهذا له شاهد واضح من حديث النبي صلي الله عليه وسلم، المعروف في الملائكة الذين يلتمسون الذكر، ففي الحديث، يقول الله تبارك وتعالى للملائكة: أُشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت لهم.
وهكذا.. بعد أن ينكشف الغطاء، يدرك الناس قيمة هذه المجالس الكريمة..
أيها الأحبة.. كان لا بد من التقديم لفضيلة ما نحن فيه، ولا بد للنفس أن تتذكر المرة بعد المرة، والفينة بعد الفينة قيمة ما تعمل؛ حتى لا تعتبر أمثال هذه المجالس مجرد أمور دورية لا معنى لها، بل هي في الحقيقة عبادات وطاعات، نحن في أمس الحاجة إليها، وتعظم الحاجة إليها كلما اشتدت حاجة القلب إلى راحة.. وكلما اشتدت حاجة الصدر إلى سعادة، وكلما اشتدت حاجة الناس إلى ربهم جل وعلا، يحتاجون إلى هذه المجالس الكريمة..
وهذا أحد أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم، عبد الله بن رواحة ، يقول عنه أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ إِذَا لَقِيَ الرَّجُلَ مِنْ أَصْحَابِهِ ، يَقُولُ : تَعَالَ نُؤْمِنُ بِرَبِّنَا سَاعَةً ، فَقَالَ ذَاتَ يَوْمٍ لِرَجُلٍ ، فَغَضِبَ الرَّجُلُ ، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلي الله عليه وسلم ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَلاَ تَرَى إِلَى ابْنِ رَوَاحَةَ ، يَرْغَبُ عَنْ إِيمَانِكَ إِلَى إِيمَانِ سَاعَةٍ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم : «يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ رَوَاحَةَ ، إِنَّهُ يُحِبُّ الْمَجَالِسَ الَّتِي تَتَبَاهَى بِهَا الْمَلاَئِكَةُ ، عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ» (أخرجه أحمد)
اللهم اجعل مجلسنا هذا من المجالس التي تتباهى بها الملائكة، واجعلنا على طريقة ابن رواحة ممن يحبون المجالس التي تتباهى بها الملائكة..
أيها الأحبة:
كنت أريد في الحقيقة أن أتكلم عن الهجرة، لكن بدا لي قبل ساعة من الآن أن أغير الموضوع إلى عنوان آخر متعلق باليوم الذي نحياه، (يوم عاشوراء) وما فيه من دروس، وأتناول فيه عدة نقاط على النحو التالي
(1) حكم الاحتفال بالمناسبات الدينية والقومية:
سأبدأ بقضية يكثر فيها الكلام، وهي قضية الاحتفالات بالمناسبات المختلفة؛ لأن صيام عاشوراء أحد الأصول الأساسية التي يعتمد عليها في مشروعية الاحتفال بالمناسبات، سواء كانت مناسبات –بالتعبير الحديث- قومية، أو مناسبات دينية، أو بأي شكل من الأشكال.. طالما أنها مناسبات فيها خير يُذكر الناس بخير معين.
هذا اليوم الكريم (يوم عاشوراء).. كلنا يحفظ الحديث المتفق عليه، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ ، فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى، قَالَ صلي الله عليه وسلم: «فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُم» فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ.
وفي رواية عند الشيخين: أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَجَدَهُمْ يَصُومُونَ يَوْمًا -يَعْنِي عَاشُورَاءَ- فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ، وَهُوَ يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَأَغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ، فَصَامَ مُوسَى شُكْرًا لِلَّهِ .فَقَالَ: «أَنَا أَوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ» فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ.
وفي رواية عند الشيخين : ... فَقَالُوا: هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي أَظْفَرَ اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى فِرْعَوْنَ، وَنَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيمًا لَهُ... الحديث.
وأخرج الشيخان عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَعُدُّهُ الْيَهُودُ عِيدًا، قَالَ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم: « فَصُومُوهُ أَنْتُمْ».
وفي رواية عند مسلم : كَانَ أَهْلُ خَيْبَرَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، يَتَّخِذُونَهُ عِيدًا، وَيُلْبِسُونَ نِسَاءَهُمْ فِيهِ حُلِيَّهُمْ وَشَارَتَهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم: « فَصُومُوهُ أَنْتُمْ ».
وفي الحقيقة أنه لم تكن في هذا بداية صيام عاشوراء على ما هو مفهوم في الأذهان، إنما كان يوم عاشوراء يوما من أيام العرب يعظمه العرب في الجاهلية، وكانت قريش تصومه، وكان النبي صلي الله عليه وسلم يصومه؛ لأن هناك نقطة في غاية الأهمية، حين جاء النبي صلي الله عليه وسلم، لم يكن جل غرضه أن يغير الواقع أيّا كان، إنما كان يبحث عن مواطن الفساد في الواقع ليغيرها، أما ما كان في هذا الواقع من خير فقد كان النبي صلي الله عليه وسلم يحبه ويحض عليه، وهذه طبيعة الدعوة الإسلامية.. ليست الفكرة عندما يتنادى الدعاة إلى الإصلاح أن نغير المجتمع بمعنى أن نقلب المجتمع ظهرا لبطن، وإنما الفكرة أن ننظر في كل صالح في هذا المجتمع فنبقي عليه، ونحبذه، ونقدمه، ثم نبحث عن مواطن الفساد فنغيرها؛ ولذلك جاء النبي صلي الله عليه وسلم فرأى الناس يعظمون يوما من أيام الله لهم فيه مناسبات طيبة، يعظمونه بطريقة مناسبة، فكان النبي صلي الله عليه وسلم مثلهم في هذا، ولم يرَ أي حرج في أن يصوم يوم عاشوراء وهو في مكة.. وهذا أيضا جاء في حديث صحيح متفق عليه، فعن عائشة رضي الله عنها قَالَتْ: «كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِصلي الله عليه وسلم يَصُومُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِصلي الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ هُوَ الْفَرِيضَةَ، وَتُرِكَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ».
وفي رواية عند البخاري : قَالَتْ: «كَانُوا يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ رَمَضَانُ، وَكَانَ يَوْمًا تُسْتَرُ فِيهِ الْكَعْبَةُ، فَلَمَّا فَرَضَ اللَّهُ رَمَضَانَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صصلي الله عليه وسلم:«مَنْ شَاءَ أَنْ يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَتْرُكَهُ فَلْيَتْرُكْهُ».
وأخرج البخاري عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ عَاشُورَاءُ يَصُومُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ قَالَ: «مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَصُمْهُ».
وفي رواية عند مسلم : أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم صَامَهُ وَالْمُسْلِمُونَ قَبْلَ أَنْ يُفْتَرَضَ رَمَضَانُ، فَلَمَّا افْتُرِضَ رَمَضَانُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم :« إِنَّ عَاشُورَاءَ يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ ».
وفي رواية أخرى عند مسلم :أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم يَوْمُ عَاشُورَاءَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم: « كَانَ يَوْمًا يَصُومُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ كَرِهَ فَلْيَدَعْهُ ».
ولما كانت الأنصار لا تعرف صيامه ، وتراه من شعائر اليهود الخاصة؛ فقد دعاهم النبي صلي الله عليه وسلم إلى صيامه ، فقد أخرج الشيخان عَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الْأَنْصَارِ: «مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَليَصُمْ» قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمْ اللُّعْبَةَ مِنْ الْعِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الْإِفْطَارِ.
وأخرج الشيخان عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ: «أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ: أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ، فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ».
وأخرج الشيخان عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَوْمَ عَاشُورَاءَ عَامَ حَجَّ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم يَقُولُ: «هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يَكْتُبْ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، وَأَنَا صَائِمٌ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ».
وأخرج مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم يَأْمُرُنَا بِصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَيَحُثُّنَا عَلَيْهِ وَيَتَعَاهَدُنَا عِنْدَهُ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ لَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا وَلَمْ يَتَعَاهَدْنَا عِنْدَهُ.
والشاهد هنا أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يصومه لكونه يوما من أيام العرب الطيبة، ولهم فيه ذكريات مناسبة طيبة، وهذا دليل على جواز الاحتفال بالمناسبات القومية.
ولم ير النبي صلي الله عليه وسلم أي حرج على الإطلاق في هذا، ولم يقل لا.. هذا كان من فعل قريش فلا نفعله..
ولما وجد اليهود يصومونه رأى أنه أولى من اليهود، فكان هذا سبب إضافي، بل حينما وجد أن اليهود تصومه بسبب أمر أكثر تقربا إلى الله تبارك وتعالى، وأكثر أثرا، وهو نجاة الحق من بطش الباطل، ونجاة موسى وبني إسرائيل من كيد فرعون؛ حوّل الصيام من مجرد عادة كان يعتادها إلى فريضة فرضت، وصار صيام عاشوراء فريضة.. إلى أن فرض الله رمضان.. فصامه المسلمون سنة واحدة فقط على أنه فريضة، ثم فرض الله رمضان في السنة الثانية فصار صيام عاشوراء موجود على حاله احتفالا واحتفاءً بنجاة موسى عليه السلام وبني إسرائيل، وهلاك فرعون ومن معه..
لم يقل النبي صلي الله عليه وسلم أنا سأصومه احتفالا بنجاة موسى وألغي السبب الآخر، إذ لو كان الأمر كذلك لبينه النبي صلي الله عليه وسلم، إنما جاء بالمنهج الإسلامي المميز، وهو ألا يكون مجرد تقليد ولا نقل، ولذلك أمر بصيامه مع صيام التاسع، أو بصيام الحادي عشر، أو بصيامهما معا؛ حتى يخالف اليهود، إنما أصل المناسبة ما يزال موجود، وأصل المشروعية ما يزال موجود..
هذه نقطة أحببت أن أبدأ بها، وهي الاحتفال بالمناسبات الطيبة التي تحيي في الأمة الطيبة معاني الخير، ومعاني الفضل والنبل، ومعاني الكرم، ومعاني الإيمان..
أمر مشروع بشكل عام، سواء ثبت بعد ذلك أن النبي صلي الله عليه وسلم احتفل بهذا اليوم أم لم يحتفل، لأن النبي صلي الله عليه وسلم حينما رأى اليهود يصومونه سأل عن السبب، بالرغم من أنه كان يصومه عادة واتباعا لقومه فيما يرى أنه لا يخالف دينا، فرأى أن السبب يغري كل مؤمن بأن يتذكره، والعبرة ليست بأن يُصام هذا اليوم –لأنه كان يصومه طبيعة وعادة- لكن رأى سببا أهم للمشروعية، وهي قضية النجاة، فكان هذا سببا مبينا لمشروعية الاحتفال؛ ولذلك كانت عبارته صلي الله عليه وسلم واضحة، "فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُم".
ولذا كان الاحتفال بيوم عاشوراء بالصيام، وتذكر مثل هذا الأمر مشروع، وينبني عليه كل ما جاء مثله مما فيه خير البشرية، فإذا أردت أن أحتفل بميلاد النبي صلي الله عليه وسلم، فهذا حدث عظيم، وذكره مهم، وهي نعمة تستحق الشكر، وقد صام النبي صلي الله عليه وسلم بصورة أوضح، بأن صامه كل أسبوع، وهذا لا يمنع أن يأخذ الاحتفال السنوي صورة أوضح وأكبر وأجلى تتضح بها الصورة وتُذكر فيها القصة، ويعلم الناس حقيقة النور الذي جاء به رسول الله صلي الله عليه وسلم.
أقول لو كانت القضية صيام وفقط، فلم يكن هناك داعيا للفظة صامه موسى، وإنما أراد أن يتذكر الناس عند صيامه قصة الصراع الحاصل بين الحق والباطل، وكيف نجّا الله الحق وأهله.
وإلى لقاء مع الدرس الثاني بمشيئة الله تعالى.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.