خلف شهداء وجرحى.. طيران الاحتلال يقصف قطاع غزة    الشركة التونسية للملاحة تعلن تعديل برمجة رحلاتها باتجاه مرسيليا وجنوة    بداية من الاثنين القادم.. تحويل ظرفي لحركة المرور بالمدخل الجنوبي للعاصمة    أبْسْتنة الحرب على العالم: من الحرب المُعَوْلَمة إلى الحرب المُأبْسْتنة    اكتشاف تأثير غير متوقع للحلويات على الجهاز العصبي    قرمبالية ...400 طفل يتألقون في المسابقة الجهوية للحساب الذهني    مهرجان إنكروتشي دي سيفيلتا: إبراهيم الدرغوثي... صوتٌ تونسي يعبر نحو البندقية    «فزعة» سيدي حمّادي بتوزر ... تظاهرة لابراز أصالة الموروث الجريدي    فتح بحث تحقيقي أثر العثور على 3 أطفال متوفين داخل برميل كبير الحجم    فرنسا تسلم السلطات التونسية أحد ابني المحامية منجية المناعي    البنك المركزي يطرح ورقة نقدية جديدة من فئة 5 دنانير    الإعدام ل "سفاح شارع مدريد" بعد جريمة اغتصاب وقتل هزّت العاصمة    6 سنوات سجنا في حق لطفي المرايحي    علامات مبكرة للخرف لا يجب تجاهلها... انتبه قبل فوات الأوان    وزارة التربية تنشر روزنامة المراقبة المستمرة للثلاثي الثالث 2025-2026    الجيش الوطني يشارك في التمرين العسكري المشترك الأسد الإفريقي 2026    رئيس وزراء باكستان.. الوفدان الأمريكي والإيراني يصلان غدا وسنبذل كل الجهود لإنجاح المفاوضات    المدرب الألماني كلوب: محمد صلاح ظاهرة كروية قادرة على الاستمرار لسنوات طويلة    عملاق في زمن الشوائب ....!!.    فانس: الولايات المتحدة مستعدة لمدّ يد العون لإيران    بنزرت: والي الجهة يدعو إلى التصدي للبناء الفوضوي والتنفيذ الصارم لقرارات الهدم والازالة    وزير الخارجية يشارك في مراسم إعادة افتتاح المقرّ الرّسمي للأمانة التنفيذية لتجمّع دول الساحل والصحراء    احذر: هذه الشخصيات تستنزفك دون أن تشعر    شاكيرا تمنع الهواتف واليوتيوب على أطفالها وتثير جدل عالمي!    أموال بالملايين وعقارات فاخرة... تفاصيل تفجّر قضية مدير أعمال هيفاء وهبي    رابط استراتيجي بين إفريقيا وأوروبا... شنوّا حكايته وشنوّا يفيدك كتُونسي؟    رحيل كوليت خوري: صوت نسوي جريء يودّع الأدب العربي    شنّوة الفرق بين لحم ''العلوش'' ولحم ''النعجة؟    أطباء في تونس: عمليات التجميل مش كان للزينة...أما تنجم تكون علاج ضروري!    كأس رابطة الأبطال الافريقية: برنامج مباريات نصف النهائي    عاجل/ بعد الضجة الكبيرة: زوجة ترامب تكشف حقيقة علاقتها "بجفري ابستين"..    72 شكاية ضد مكاتب وهمية للتوظيف بالخارج..وزير التشغيل يفجرها ويكشف..# خبر_عاجل    دعاء يوم الجمعه كلمات تفتح لك أبواب السماء.. متفوتوش!    كاتب الدولة للمياه: سيقع إستخدام 70 بالمائة من المياه المعالجة في مجال الري بحلول سنة 2050    جريمة قتل المحامية منجية المناعي: إحالة المتهمين على الدائرة الجنائية    وسيم الصيد يتألق ببرونزية بطولة شمال إفريقيا لكرة الطاولة    بطولة العالم للتايكواندو: إستعدادات على أعلى مستوى .. وثنائي تونسي يلفت الأنظار    الرابطة الأولى: ضربة موجعة للإتحاد المنستيري قبل قمة النادي الإفريقي    هام/ هذه البلديات تنتدب..    كارثة في القيروان: رضيعة 9 أشهر تفارق الحياة حرقًا...شنّوة الحكاية؟    تواصل سلسلة أنشطة مشروع "في تناغم مع البيانو" بالنجمة الزهراء    سليانة: تلقيح 30 بالمائة من الأبقار ضد الجلد العقدي والحمي القلاعية منذ بداية السنة    المنظمة التونسية لارشاد المستهلك تدعو لارساء منظومة وطنية موحدة وملزمة للفوترة والتتبع الرقمي تشمل جميع المتدخلين دون استثناء    خبز ''النخّالة'' ينجم يبدّل صحتك؟ الحقيقة اللي ما يعرفوهاش برشا توانسة!    ارتفاع التضخم السنوي في ألمانيا إلى أعلى مستوى خلال عامين    سوم ''علوش العيد'' قداش باش يكون؟    كسوف تاريخي في 2027..و تونس معنية بيه شنوا حكايتوا ؟!    برلمان :جلسة استماع حول مشاريع قوانين تتعلق بالموافقة على اتفاقيات لزمات إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة    الكاف ملتزمة تماما بتطوير كرة القدم الإفريقية    أبهر الجميع بالأحمر والسعر الصادم.. طقم كريستيانو رونالدو يتصدر الترند    لا تغرنكم الحرارة..تقلبات جوية منتظرة وتيارات هوائية باردة بداية من هذا التاريخ..#خبر_عاجل    رئيس الجمهورية: العمل مستمر في كل أنحاء الجمهورية لتحقيق مطالب المواطنين المشروعة في كافة المجالات    أخصائية تغذية توضّح: هذا الفرق بين خبز الألياف والخبز الأبيض    طقس الجمعة: ارتفاع طفيف في درجات الحرارة    اليوم: برشا ماتشوات في البطولة تستنى فيكم...شوف التوقيت، وين وشكون ضدّ شكون؟    طهران تشترط وقف إطلاق النار في لبنان قبل المشاركة في المفاوضات مع واشنطن    ينبغي الحفاظ عليه . .التعليم الزيتوني تراث يشرف أمتنا والإنسانية جمعاء (1 )    خطبة الجمعة ... حقوق الجار    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حركات الاحتجاج الاجتماعي في العالم العربي

تثير حركة الاحتجاج الاجتماعي في مدن الجنوب التونسي العديد من الأسئلة حول حقيقة ومستقبل الإصلاح السياسي في العالم العربي، فقبل عامين تناقلت وسائل الأنباء أخبارا تتحدث عن وقوع وفيات في صفوف الشعب التونسي نتيجة الفقر، بل إن بعض الأنباء تحدثت عن تعرض بعض المناطق النائية إلى ما يشبه المجاعة التي أدت إلى وفاة أسر بأكملها. وتتابعت الأخبار تترى عن حدوث حالات نزوح
جماعي إلى الجزائر من مناطق الجنوب التونسي، وبدأ الحديث عن الفجوة الهائلة في التنمية بين المناطق الساحلية وبين المناطق الداخلية الجنوبية، فمناطق الشمالية تحظى بحصة الأسد من التمثيل في مؤسسات الدولة السياسية وفي مختلف القطاعات الاقتصادية ومن أبرزها السياحة.
الواضح انه لم يطرأ تغيير على السياسات الداخلية خلال العامين الماضيين، بل إن الاجراءات المتبعة أشارت إلى الاصرار على مقاومة أي اصلاحات ممكنة من جانب السلطات، بل فرضت الحكومة المزيد من القيود السياسية كان أبرزها تشديد الرقابة على وسائل الاتصال الحديثة، وقبل أسابيع قليلة من اندلاع أحداث العنف الاجتماعي في الجنوب قامت السلطات التونسية باعتقال معارضين من مناطق الجنوب، بتهمة محاولة إحياء حركة النهضة المعارضة.
أمام حالة الإحباط السياسي والاقتصادي أقدم شاب تونسي على الانتحار، محتجا على البطالة والاجراءات التي طالت مصادرة البضاعة التي كان يبيعها في الشارع العام، وهو الحادث الذي أشعل فتيل الاحتجاجات في الجنوب التونسي التي أخذت بالاتساع والانتقال من مدينة إلى أخرى.
هذه الصورة نموذجية للنمط السائد في العالم العربي، والذي نبه إليه كل من عمر حمزاوي ومارينا أوتاي في دراستهما حول فرص التعددية وحدودها في العالم العربي، أي إننا امام نمط سيتكرر على الارجح في العديد من الدول العربية، حيث ستتصاعد حركات الاحتجاج الاجتماعي في ظل غياب الاصلاح السياسي وضعف المشاركة الشعبية ومحدودية تأثيرها، وهو أمر بدأ يتلمس معالمه العديد من الخبراء والمختصين والاقتصاديين، ولعل ما نبه إليه الدكتور جواد العناني مؤخرا في محاضرة تناول فيها الميزانية العامة الأردنية يقع في هذا السياق العربي العام، فقد حذر العناني صراحة من تصاعد حركات الاحتجاج الاجتماعي في الأردن على خلفية الواقع الذي ستفرضه الميزانية العامة للدولة الأردنية والمرتبط بزيادة الاعباء على المواطن الأردني، فحالات الفوران الاجتماعي وتصاعد العنف داخل المجتمع ما هي الا أجراس تقرع للتنبيه إلى الخلل الكبير الذي بدأ يلقي بظلاله على العلاقة بين الحكومات المتتابعة والمواطن الأردني.
الحقيقة التي يجب التذكير بها بين الفينة والأخرى -في الأردن وفي العالم العربي عموما- أن الجدل حول الاصلاح لم يلامس الواقع العملي الذي يعيشه المواطن العربي؛ فهو إما حبر على ورق أو خطابات رنانة تدين الفساد وسوء توزيع الثروة وتشيد بأهمية التنمية السياسية والاقتصادية، وتفاخر بالكوتات النسائية التي تفوقت فيها تونس على سائر الدول العربية.
فالإصلاح يجب أن يحمل في طياته إعادة نظر واقعية ودقيقة للحالة الاقتصادية والاجتماعية، وليس ترفا فكريا أو سياسيا يعززه الثقة المفرطة بالأجهزة الأمنية، ذلك أن عبء تحقيق التنمية ومعالجة الفقر والبطالة وتآكل الموارد وشح المياه لا يقع على كاهل الأجهزة الأمنية في الدولة؛ فرجل الأمن ليس من المفترض أن يتحمل المسؤولية عن شح المياه وتفاقم البطالة كما أنه غير معني بإيجاد حلول لهذه المشاكل التنموية.
النظريات الأمنية:
لقد جاءت أحداث العنف والاحتجاج لتشكك بالنظريات الأمنية التي تعد تونس رائدة فيها، وعلى رأسها إستراتيجية تجفيف المنابع التي طالت المعارضة السياسية، والقبضة الحديدية والتعتيم الإعلامي، فمن المعلوم أن تونس من أكثر الدول ثقة واعتمادا على أجهزتها الأمنية، إلا أن الأمور بدأت بشكل واضح تخرج عن السيطرة، الأمر الذي زعزع الثقة بهذه الأداة كوسيلة للحفاظ على حالة السكون والجمود السياسي فاعتقال معارضين في الجنوب لم يمنع مواطني الجنوب من التظاهر والاحتجاج على أوضاعهم الاقتصادية المتردية، والسيطرة على حركة احتجاج هنا وهناك لن يمنع من اندلاعها في مكان آخر.
وتمثل اليمن نموذجا آخر على هذه الحالة حيث الحراك الجنوبي وحركة الحوثيين، فأساس هذه الحركات الاحتجاجية اقتصادي، بل يرتبط اشد الارتباط بالموارد المائية ونضوب النفط في اليمن إلى جانب كونه يتعلق بسوء الإدارة ورداءة التمثيل السياسي الذي يتيح المجال لوضع إستراتيجية تنموية متوازنة.
الاحتجاج الاجتماعي والحدود الرخوة:
أصبح الاحتجاج الاجتماعي واقعا قائما تحاول الدول العربية التعايش معه في مصر وتونس واليمن والجزائر والمغرب، لكن يخشى أن يتطور في السنين القادمة ليتحول إلى حركات انفصالية أو أفكار شديدة التطرف؛ بحيث يصعب السيطرة عليها. فالحالة التي سادت في الثمانينيات من القرن الماضي كانت حالة مصغرة ومسيطر عليها إذا ما قيس بالحالة المتفجرة في العشرية الثانية من القرن الواحد والعشرين، خاصة أن ما سمي "ثورات الخبز" في الثمانينيات من القرن الماضي لم ترتبط بالزيادة السكانية ونضوب الموارد، وإنما بالمديونيات العالية، في حين امتازت العشرية الثانية من القرن الواحد والعشرين بزيادة سكانية هائلة متوقعة في العالم العربي، إلى جانب تضخم مخيف في أعداد سكان المدن التي ستنوء بأعباء كبيرة خلال السنوات العشر القادمة، فضلا عن نضوب الموارد الأساسية، وعلى رأسها المياه؛ الأمر الذي سيحول الحدود السياسية إلى حدود هشة غير متماسكة، ولنا أن نتخيل ارتفاع عدد سكان مدينة كعمان إلى ستة ملايين نسمة بحلول 2020 في ظل تراجع المخزونات المائية. وعلى الرغم من كون العامل المشترك بين الحالتين والمرحلتين الزمنيتين هو غياب الاصلاح السياسي وسوء الإدارة، الا أن تعمق الأزمات الاقتصادية والديمغرافية يفتح أبوابا جديدة للشكل الذي سيكون عليه الصراع السياسي والاجتماعي في العالم العربي خلال السنوات العشر القادمة.
لقد ظهر تأثير الزيادة السكانية وتأكل الموارد وسوء الإدارة بشكل واضح في تونس من خلال موجات اللجوء الجماعي إلى الجزائر. كما برزت الظاهرة في اليمن الأمر الذي دعا الحكومة السعودية إلى بناء جدر مكهربة ومشددة الرقابة لم تمنع من لجوء الآلاف أثناء حرب صعدة.
ويتحدث الخبراء والمراقبون عن المخاطر المتوقعة من تفجر الاوضاع في اليمن على الدول المجاورة وعلى رأسها السعودية وعمُان.
ويمكن أن نقيس على ذلك ما يحدث في السودان، وما يمكن أن يحدث في دول عربية أخرى تحمل نفس الصواعق المتفجرة التي أسهمت في انفجار العنف وتطوره إلى حركات انفصالية أو عنفية متشددة، فالمعالجة الامنية للملفات الاقتصادية والاجتماعية لا زالت الخيار الامثل لدى السلطات في العالم العربي، في ظل التضخم الهائل الذي شهدته هذه الاجهزة خلال السنوات العشر الاخيرة مقابل التراجع الكبير للمؤسسات التشريعية والتعليمية في العالم العربي.
إن ما حدث ويحدث في تونس والسودان واليمن ومصر مؤشر واضح على النمط الذي سيسود في العشرية الثانية من القرن العشرين، وهو أمر جدير أن يدفع نحو الاصلاح وتوسيع المشاركة الشعبية والقاعدة الجماهيرية للحكومات، من خلال اشراكها للجماهير العريضة في عملية صناعة القرار، وهذا يتطلب اعترافا حقيقيا بالمعارضة السياسية في العالم العربي والاعتراف بالتعددية، وعدم النظر اليها باعتبارها ترفا سياسيا أو حالة نخبوية محدودة وغير مؤثرة، فغياب المعارضة وعدم اشراكها في الحياة السياسية سيدفع باتجاه افراز قوى انفصالية أو انعزالية، وأخرى متطرفة تحول الدول العربية إلى قبائل متنافرة ومتناحرة، وهي إضافة جديدة إلى ما كان عليه الحال في الثمانينيات، حيث احتدم الصراع بين قوى الاحتجاج والسلطات الحاكمة فقط.
تثير حركة الاحتجاج الاجتماعي في مدن الجنوب التونسي العديد من الأسئلة حول حقيقة ومستقبل الإصلاح السياسي في العالم العربي، فقبل عامين تناقلت وسائل الأنباء أخبارا تتحدث عن وقوع وفيات في صفوف الشعب التونسي نتيجة الفقر، بل إن بعض الأنباء تحدثت عن تعرض بعض المناطق النائية إلى ما يشبه المجاعة التي أدت إلى وفاة أسر بأكملها. وتتابعت الأخبار تترى عن حدوث حالات نزوح جماعي إلى الجزائر من مناطق الجنوب التونسي، وبدأ الحديث عن الفجوة الهائلة في التنمية بين المناطق الساحلية وبين المناطق الداخلية الجنوبية، فمناطق الشمالية تحظى بحصة الأسد من التمثيل في مؤسسات الدولة السياسية وفي مختلف القطاعات الاقتصادية ومن أبرزها السياحة.
الواضح انه لم يطرأ تغيير على السياسات الداخلية خلال العامين الماضيين، بل إن الاجراءات المتبعة أشارت إلى الاصرار على مقاومة أي اصلاحات ممكنة من جانب السلطات، بل فرضت الحكومة المزيد من القيود السياسية كان أبرزها تشديد الرقابة على وسائل الاتصال الحديثة، وقبل أسابيع قليلة من اندلاع أحداث العنف الاجتماعي في الجنوب قامت السلطات التونسية باعتقال معارضين من مناطق الجنوب، بتهمة محاولة إحياء حركة النهضة المعارضة.
أمام حالة الإحباط السياسي والاقتصادي أقدم شاب تونسي على الانتحار، محتجا على البطالة والاجراءات التي طالت مصادرة البضاعة التي كان يبيعها في الشارع العام، وهو الحادث الذي أشعل فتيل الاحتجاجات في الجنوب التونسي التي أخذت بالاتساع والانتقال من مدينة إلى أخرى.
هذه الصورة نموذجية للنمط السائد في العالم العربي، والذي نبه إليه كل من عمر حمزاوي ومارينا أوتاي في دراستهما حول فرص التعددية وحدودها في العالم العربي، أي إننا امام نمط سيتكرر على الارجح في العديد من الدول العربية، حيث ستتصاعد حركات الاحتجاج الاجتماعي في ظل غياب الاصلاح السياسي وضعف المشاركة الشعبية ومحدودية تأثيرها، وهو أمر بدأ يتلمس معالمه العديد من الخبراء والمختصين والاقتصاديين، ولعل ما نبه إليه الدكتور جواد العناني مؤخرا في محاضرة تناول فيها الميزانية العامة الأردنية يقع في هذا السياق العربي العام، فقد حذر العناني صراحة من تصاعد حركات الاحتجاج الاجتماعي في الأردن على خلفية الواقع الذي ستفرضه الميزانية العامة للدولة الأردنية والمرتبط بزيادة الاعباء على المواطن الأردني، فحالات الفوران الاجتماعي وتصاعد العنف داخل المجتمع ما هي الا أجراس تقرع للتنبيه إلى الخلل الكبير الذي بدأ يلقي بظلاله على العلاقة بين الحكومات المتتابعة والمواطن الأردني.
الحقيقة التي يجب التذكير بها بين الفينة والأخرى -في الأردن وفي العالم العربي عموما- أن الجدل حول الاصلاح لم يلامس الواقع العملي الذي يعيشه المواطن العربي؛ فهو إما حبر على ورق أو خطابات رنانة تدين الفساد وسوء توزيع الثروة وتشيد بأهمية التنمية السياسية والاقتصادية، وتفاخر بالكوتات النسائية التي تفوقت فيها تونس على سائر الدول العربية.
فالإصلاح يجب أن يحمل في طياته إعادة نظر واقعية ودقيقة للحالة الاقتصادية والاجتماعية، وليس ترفا فكريا أو سياسيا يعززه الثقة المفرطة بالأجهزة الأمنية، ذلك أن عبء تحقيق التنمية ومعالجة الفقر والبطالة وتآكل الموارد وشح المياه لا يقع على كاهل الأجهزة الأمنية في الدولة؛ فرجل الأمن ليس من المفترض أن يتحمل المسؤولية عن شح المياه وتفاقم البطالة كما أنه غير معني بإيجاد حلول لهذه المشاكل التنموية.
النظريات الأمنية:
لقد جاءت أحداث العنف والاحتجاج لتشكك بالنظريات الأمنية التي تعد تونس رائدة فيها، وعلى رأسها إستراتيجية تجفيف المنابع التي طالت المعارضة السياسية، والقبضة الحديدية والتعتيم الإعلامي، فمن المعلوم أن تونس من أكثر الدول ثقة واعتمادا على أجهزتها الأمنية، إلا أن الأمور بدأت بشكل واضح تخرج عن السيطرة، الأمر الذي زعزع الثقة بهذه الأداة كوسيلة للحفاظ على حالة السكون والجمود السياسي فاعتقال معارضين في الجنوب لم يمنع مواطني الجنوب من التظاهر والاحتجاج على أوضاعهم الاقتصادية المتردية، والسيطرة على حركة احتجاج هنا وهناك لن يمنع من اندلاعها في مكان آخر.
وتمثل اليمن نموذجا آخر على هذه الحالة حيث الحراك الجنوبي وحركة الحوثيين، فأساس هذه الحركات الاحتجاجية اقتصادي، بل يرتبط اشد الارتباط بالموارد المائية ونضوب النفط في اليمن إلى جانب كونه يتعلق بسوء الإدارة ورداءة التمثيل السياسي الذي يتيح المجال لوضع إستراتيجية تنموية متوازنة.
الاحتجاج الاجتماعي والحدود الرخوة:
أصبح الاحتجاج الاجتماعي واقعا قائما تحاول الدول العربية التعايش معه في مصر وتونس واليمن والجزائر والمغرب، لكن يخشى أن يتطور في السنين القادمة ليتحول إلى حركات انفصالية أو أفكار شديدة التطرف؛ بحيث يصعب السيطرة عليها. فالحالة التي سادت في الثمانينيات من القرن الماضي كانت حالة مصغرة ومسيطر عليها إذا ما قيس بالحالة المتفجرة في العشرية الثانية من القرن الواحد والعشرين، خاصة أن ما سمي "ثورات الخبز" في الثمانينيات من القرن الماضي لم ترتبط بالزيادة السكانية ونضوب الموارد، وإنما بالمديونيات العالية، في حين امتازت العشرية الثانية من القرن الواحد والعشرين بزيادة سكانية هائلة متوقعة في العالم العربي، إلى جانب تضخم مخيف في أعداد سكان المدن التي ستنوء بأعباء كبيرة خلال السنوات العشر القادمة، فضلا عن نضوب الموارد الأساسية، وعلى رأسها المياه؛ الأمر الذي سيحول الحدود السياسية إلى حدود هشة غير متماسكة، ولنا أن نتخيل ارتفاع عدد سكان مدينة كعمان إلى ستة ملايين نسمة بحلول 2020 في ظل تراجع المخزونات المائية. وعلى الرغم من كون العامل المشترك بين الحالتين والمرحلتين الزمنيتين هو غياب الاصلاح السياسي وسوء الإدارة، الا أن تعمق الأزمات الاقتصادية والديمغرافية يفتح أبوابا جديدة للشكل الذي سيكون عليه الصراع السياسي والاجتماعي في العالم العربي خلال السنوات العشر القادمة.
لقد ظهر تأثير الزيادة السكانية وتأكل الموارد وسوء الإدارة بشكل واضح في تونس من خلال موجات اللجوء الجماعي إلى الجزائر. كما برزت الظاهرة في اليمن الأمر الذي دعا الحكومة السعودية إلى بناء جدر مكهربة ومشددة الرقابة لم تمنع من لجوء الآلاف أثناء حرب صعدة.
ويتحدث الخبراء والمراقبون عن المخاطر المتوقعة من تفجر الاوضاع في اليمن على الدول المجاورة وعلى رأسها السعودية وعمُان.
ويمكن أن نقيس على ذلك ما يحدث في السودان، وما يمكن أن يحدث في دول عربية أخرى تحمل نفس الصواعق المتفجرة التي أسهمت في انفجار العنف وتطوره إلى حركات انفصالية أو عنفية متشددة، فالمعالجة الامنية للملفات الاقتصادية والاجتماعية لا زالت الخيار الامثل لدى السلطات في العالم العربي، في ظل التضخم الهائل الذي شهدته هذه الاجهزة خلال السنوات العشر الاخيرة مقابل التراجع الكبير للمؤسسات التشريعية والتعليمية في العالم العربي.
إن ما حدث ويحدث في تونس والسودان واليمن ومصر مؤشر واضح على النمط الذي سيسود في العشرية الثانية من القرن العشرين، وهو أمر جدير أن يدفع نحو الاصلاح وتوسيع المشاركة الشعبية والقاعدة الجماهيرية للحكومات، من خلال اشراكها للجماهير العريضة في عملية صناعة القرار، وهذا يتطلب اعترافا حقيقيا بالمعارضة السياسية في العالم العربي والاعتراف بالتعددية، وعدم النظر اليها باعتبارها ترفا سياسيا أو حالة نخبوية محدودة وغير مؤثرة، فغياب المعارضة وعدم اشراكها في الحياة السياسية سيدفع باتجاه افراز قوى انفصالية أو انعزالية، وأخرى متطرفة تحول الدول العربية إلى قبائل متنافرة ومتناحرة، وهي إضافة جديدة إلى ما كان عليه الحال في الثمانينيات، حيث احتدم الصراع بين قوى الاحتجاج والسلطات الحاكمة فقط.
السبيل الاردنية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.