وزارة التربية تمنع تنظيم "دخلة الباكالوريا" والتصوير داخل الفضاء المدرسي    عاجل: منحة الCIVP تنجم تزيد...شنوّة الحكاية؟    كاس الكونفدرالية الافريقية : نتائج قرعة الدور ربع النهائي    الرابطة الأولى: تفاصيل تذاكر "دربي" الترجي الرياضي والملعب التونسي    تفكيك وفاقين إجراميين ينشطان في تبييض الأموال وترويج المواد المخدّرة    سعيد السايبي يباشر اليوم الثلاثاء تدريب الملعب التونسي    عاجل/ تطورات جديدة في قضية "أنستالينغو"..    دراسة تحذر من الضغوط المالية على صحتك..    مسرحية "الهاربات" لوفاء الطبوبي تشارك في مهرجان سوق الفنون الفرجوية الأفريقية بأبيدجان    رمضان 2026.. مسلسل رجال الظل يكشف قيادى الإخوان ...كواليس مثيرة    توقيت رمضان في المدارس العمومية والخاصّة    عاجل-نتائج المناظرة الخارجية للديوانة: الفرز الأول متاح الآن على الموقع الرسمي    الرابطة المحترفة الثانية - فرحات زروق مدربا جديدا للقوافل الرياضية بقفصة    لحماية أطفالنا: دولة تُعلن الحرب على مواقع التواصل الاجتماعي    عاجل/ أول رد من خامنئي على تهديد ترامب..    وزير التربية يتعهد بوضع برنامج خاص لصيانة المؤسسات التربوية المتضررة من التقلبات المناخية بجندوبة    عاجل/ تحذير من هبوب رياح قوية جداً بهذه المناطق..    أريانة: إحداث 3 نقاط بيع بأسعار تفاضلية بمناسبة شهر رمضان    تونس تفوز بالمركز الأول في مسابقة الاهرام الدولية لزيت الزيتون البكر الممتاز بالقاهرة..    الرياضة في رمضان مش عذاب: تعلّم وقتاش تتحرك وكيفاش تشرب ماء بذكاء    الترجي الرياضي يهدد بالانسحاب ويشترط الصافرة الأجنبية في الدربي    فوائد كبيرة للقيلولة بعد الظهر ...و هذه أهمها    أحمد الأندلسي يكشف أسرار مسلسل غيبوبة    جمعية النساء الديمقراطيات تدعو إلى سحب مشروع القانون المتعلق بالتقاعد المبكّر في القطاع الخاص للنساء دون شرط الأمومة    بنزرت: تمكين 39 عائلة محدودة الدخل من منح تحسين سكن    عاجل : اعتقال نجوم في''حريم السلطان''متورطين في المخدرات    عاجل/ عاصفة شتوية قوية تضرب هذه المنطقة وتحذيرات من فيضانات وانهيارات..    متابعة تنفيذ مشروع " شمس" لدعم الطاقة الشمسية الفولطاضوئية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة "    عاجل/ الكشف عن شبكة دولية لترويج "الزطلة" بضفاف البحيرة..وهذه تفاصيل الحجوزات..    طقس الثلاثاء: أمطار متفرقة ورياح قوية    اللحم ب42.900: تلقاه في الوردية والسوق المركزية    وزارة التجارة تشدد الرقابة خلال رمضان وتضع رقمًا أخضر للتبليغ عن التجاوزات    باجة: البنك التونسي للتضامن يمول 685 مشروعا خلال سنة 2025    الشركة التونسية للملاحة تعدل برمجة السفينة "قرطاج" بسبب سوء الاحوال الجوية    لقاء فكري في بيت الحكمة بعنوان "العقلانيّة: ما سبيلنا إلى تحرير تاريخ الفكر العلمي والفلسفي من قبضة المركزيّة الأوروبويّة الراهنة"    رمضان 2026: شوف وقتاش ووين يتشاف هلال رمضان في تونس؟    دعاء آخر يوم فى شعبان    عاجل-ليلة الشك: رؤية الهلال شبه مستحيلة...عامر بحبة يوّضح    الرابطة الأولى: صافرة "المنصري" تدير مواجهة مستقبل سليمان والترجي الرياضي    اليوم : حدث فلكي يقترب من الأرض...شنوا الحكاية ؟    عمرة رمضان 2026: كيفاش تحافظ على صحتك وتكمّل مناسكك من غير تعب؟    سحورك غالط؟ ماكلة تبعد عليك النشاط وتخليك تعطش نهارك الكل...رد بالك منها    أرسنال يحل ضيفا على مانسفيلد ومانشستر سيتي يواجه نيوكاسل في الدور الخامس لكأس الاتحاد الإنقليزي    العاصمة: إصابة سائق إثر سقوط شاحنة من "قنطرة" الجمهورية    حماس ترفض مهلة ال60 يوما لتسليم السلاح    اليوم: عملية رصد هلال شهر رمضان    وصول الوفد الروسي المفاوض حول أوكرانيا إلى جنيف    وزارة الصحّة : تطوير الطبّ النووي بأحدث التّقنيات المتقدّمة    ترامب يحذر إيران من عواقب عدم إبرام اتفاق    لدى استقباله الزنزري.. سعيد يؤكد ان تونس في حاجة الى ثورة إدارية مشفوعة بأخرى ثقافيّة    الأبعاد السياسية والإجتماعية والثقافية في "مواسم الريح" للروائي الأمين السعيدي    الدورة 42 لمهرجان المدينة بتونس ...30 عرضا موسيقيا.. والسوري علي حسين لأول مرّة    5 نقاط رصد لتحري هلال شهر رمضان    تونس تعزز رصيدها التراثي: إدراج تحصينات غار الملح على القائمة النهائية للتراث الإسلامي ودعم ملف سيدي بوسعيد لدى اليونسكو    صادم : حجز 165 طن من المواد الغذائية الفاسدة قبل رمضان!    عاجل: مواجهات عربية محتملة فى دوري أبطال أفريقيا.. الترجي والأهلي الأقرب    زيادة ب3% في استهلاك المواد البترولية خلال سنة 2025    عاجل/ تحذير: رياح عاتية تضرب السواحل التونسية ومنخفض جوي "نشط"..    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حركات الاحتجاج الاجتماعي في العالم العربي

تثير حركة الاحتجاج الاجتماعي في مدن الجنوب التونسي العديد من الأسئلة حول حقيقة ومستقبل الإصلاح السياسي في العالم العربي، فقبل عامين تناقلت وسائل الأنباء أخبارا تتحدث عن وقوع وفيات في صفوف الشعب التونسي نتيجة الفقر، بل إن بعض الأنباء تحدثت عن تعرض بعض المناطق النائية إلى ما يشبه المجاعة التي أدت إلى وفاة أسر بأكملها. وتتابعت الأخبار تترى عن حدوث حالات نزوح
جماعي إلى الجزائر من مناطق الجنوب التونسي، وبدأ الحديث عن الفجوة الهائلة في التنمية بين المناطق الساحلية وبين المناطق الداخلية الجنوبية، فمناطق الشمالية تحظى بحصة الأسد من التمثيل في مؤسسات الدولة السياسية وفي مختلف القطاعات الاقتصادية ومن أبرزها السياحة.
الواضح انه لم يطرأ تغيير على السياسات الداخلية خلال العامين الماضيين، بل إن الاجراءات المتبعة أشارت إلى الاصرار على مقاومة أي اصلاحات ممكنة من جانب السلطات، بل فرضت الحكومة المزيد من القيود السياسية كان أبرزها تشديد الرقابة على وسائل الاتصال الحديثة، وقبل أسابيع قليلة من اندلاع أحداث العنف الاجتماعي في الجنوب قامت السلطات التونسية باعتقال معارضين من مناطق الجنوب، بتهمة محاولة إحياء حركة النهضة المعارضة.
أمام حالة الإحباط السياسي والاقتصادي أقدم شاب تونسي على الانتحار، محتجا على البطالة والاجراءات التي طالت مصادرة البضاعة التي كان يبيعها في الشارع العام، وهو الحادث الذي أشعل فتيل الاحتجاجات في الجنوب التونسي التي أخذت بالاتساع والانتقال من مدينة إلى أخرى.
هذه الصورة نموذجية للنمط السائد في العالم العربي، والذي نبه إليه كل من عمر حمزاوي ومارينا أوتاي في دراستهما حول فرص التعددية وحدودها في العالم العربي، أي إننا امام نمط سيتكرر على الارجح في العديد من الدول العربية، حيث ستتصاعد حركات الاحتجاج الاجتماعي في ظل غياب الاصلاح السياسي وضعف المشاركة الشعبية ومحدودية تأثيرها، وهو أمر بدأ يتلمس معالمه العديد من الخبراء والمختصين والاقتصاديين، ولعل ما نبه إليه الدكتور جواد العناني مؤخرا في محاضرة تناول فيها الميزانية العامة الأردنية يقع في هذا السياق العربي العام، فقد حذر العناني صراحة من تصاعد حركات الاحتجاج الاجتماعي في الأردن على خلفية الواقع الذي ستفرضه الميزانية العامة للدولة الأردنية والمرتبط بزيادة الاعباء على المواطن الأردني، فحالات الفوران الاجتماعي وتصاعد العنف داخل المجتمع ما هي الا أجراس تقرع للتنبيه إلى الخلل الكبير الذي بدأ يلقي بظلاله على العلاقة بين الحكومات المتتابعة والمواطن الأردني.
الحقيقة التي يجب التذكير بها بين الفينة والأخرى -في الأردن وفي العالم العربي عموما- أن الجدل حول الاصلاح لم يلامس الواقع العملي الذي يعيشه المواطن العربي؛ فهو إما حبر على ورق أو خطابات رنانة تدين الفساد وسوء توزيع الثروة وتشيد بأهمية التنمية السياسية والاقتصادية، وتفاخر بالكوتات النسائية التي تفوقت فيها تونس على سائر الدول العربية.
فالإصلاح يجب أن يحمل في طياته إعادة نظر واقعية ودقيقة للحالة الاقتصادية والاجتماعية، وليس ترفا فكريا أو سياسيا يعززه الثقة المفرطة بالأجهزة الأمنية، ذلك أن عبء تحقيق التنمية ومعالجة الفقر والبطالة وتآكل الموارد وشح المياه لا يقع على كاهل الأجهزة الأمنية في الدولة؛ فرجل الأمن ليس من المفترض أن يتحمل المسؤولية عن شح المياه وتفاقم البطالة كما أنه غير معني بإيجاد حلول لهذه المشاكل التنموية.
النظريات الأمنية:
لقد جاءت أحداث العنف والاحتجاج لتشكك بالنظريات الأمنية التي تعد تونس رائدة فيها، وعلى رأسها إستراتيجية تجفيف المنابع التي طالت المعارضة السياسية، والقبضة الحديدية والتعتيم الإعلامي، فمن المعلوم أن تونس من أكثر الدول ثقة واعتمادا على أجهزتها الأمنية، إلا أن الأمور بدأت بشكل واضح تخرج عن السيطرة، الأمر الذي زعزع الثقة بهذه الأداة كوسيلة للحفاظ على حالة السكون والجمود السياسي فاعتقال معارضين في الجنوب لم يمنع مواطني الجنوب من التظاهر والاحتجاج على أوضاعهم الاقتصادية المتردية، والسيطرة على حركة احتجاج هنا وهناك لن يمنع من اندلاعها في مكان آخر.
وتمثل اليمن نموذجا آخر على هذه الحالة حيث الحراك الجنوبي وحركة الحوثيين، فأساس هذه الحركات الاحتجاجية اقتصادي، بل يرتبط اشد الارتباط بالموارد المائية ونضوب النفط في اليمن إلى جانب كونه يتعلق بسوء الإدارة ورداءة التمثيل السياسي الذي يتيح المجال لوضع إستراتيجية تنموية متوازنة.
الاحتجاج الاجتماعي والحدود الرخوة:
أصبح الاحتجاج الاجتماعي واقعا قائما تحاول الدول العربية التعايش معه في مصر وتونس واليمن والجزائر والمغرب، لكن يخشى أن يتطور في السنين القادمة ليتحول إلى حركات انفصالية أو أفكار شديدة التطرف؛ بحيث يصعب السيطرة عليها. فالحالة التي سادت في الثمانينيات من القرن الماضي كانت حالة مصغرة ومسيطر عليها إذا ما قيس بالحالة المتفجرة في العشرية الثانية من القرن الواحد والعشرين، خاصة أن ما سمي "ثورات الخبز" في الثمانينيات من القرن الماضي لم ترتبط بالزيادة السكانية ونضوب الموارد، وإنما بالمديونيات العالية، في حين امتازت العشرية الثانية من القرن الواحد والعشرين بزيادة سكانية هائلة متوقعة في العالم العربي، إلى جانب تضخم مخيف في أعداد سكان المدن التي ستنوء بأعباء كبيرة خلال السنوات العشر القادمة، فضلا عن نضوب الموارد الأساسية، وعلى رأسها المياه؛ الأمر الذي سيحول الحدود السياسية إلى حدود هشة غير متماسكة، ولنا أن نتخيل ارتفاع عدد سكان مدينة كعمان إلى ستة ملايين نسمة بحلول 2020 في ظل تراجع المخزونات المائية. وعلى الرغم من كون العامل المشترك بين الحالتين والمرحلتين الزمنيتين هو غياب الاصلاح السياسي وسوء الإدارة، الا أن تعمق الأزمات الاقتصادية والديمغرافية يفتح أبوابا جديدة للشكل الذي سيكون عليه الصراع السياسي والاجتماعي في العالم العربي خلال السنوات العشر القادمة.
لقد ظهر تأثير الزيادة السكانية وتأكل الموارد وسوء الإدارة بشكل واضح في تونس من خلال موجات اللجوء الجماعي إلى الجزائر. كما برزت الظاهرة في اليمن الأمر الذي دعا الحكومة السعودية إلى بناء جدر مكهربة ومشددة الرقابة لم تمنع من لجوء الآلاف أثناء حرب صعدة.
ويتحدث الخبراء والمراقبون عن المخاطر المتوقعة من تفجر الاوضاع في اليمن على الدول المجاورة وعلى رأسها السعودية وعمُان.
ويمكن أن نقيس على ذلك ما يحدث في السودان، وما يمكن أن يحدث في دول عربية أخرى تحمل نفس الصواعق المتفجرة التي أسهمت في انفجار العنف وتطوره إلى حركات انفصالية أو عنفية متشددة، فالمعالجة الامنية للملفات الاقتصادية والاجتماعية لا زالت الخيار الامثل لدى السلطات في العالم العربي، في ظل التضخم الهائل الذي شهدته هذه الاجهزة خلال السنوات العشر الاخيرة مقابل التراجع الكبير للمؤسسات التشريعية والتعليمية في العالم العربي.
إن ما حدث ويحدث في تونس والسودان واليمن ومصر مؤشر واضح على النمط الذي سيسود في العشرية الثانية من القرن العشرين، وهو أمر جدير أن يدفع نحو الاصلاح وتوسيع المشاركة الشعبية والقاعدة الجماهيرية للحكومات، من خلال اشراكها للجماهير العريضة في عملية صناعة القرار، وهذا يتطلب اعترافا حقيقيا بالمعارضة السياسية في العالم العربي والاعتراف بالتعددية، وعدم النظر اليها باعتبارها ترفا سياسيا أو حالة نخبوية محدودة وغير مؤثرة، فغياب المعارضة وعدم اشراكها في الحياة السياسية سيدفع باتجاه افراز قوى انفصالية أو انعزالية، وأخرى متطرفة تحول الدول العربية إلى قبائل متنافرة ومتناحرة، وهي إضافة جديدة إلى ما كان عليه الحال في الثمانينيات، حيث احتدم الصراع بين قوى الاحتجاج والسلطات الحاكمة فقط.
تثير حركة الاحتجاج الاجتماعي في مدن الجنوب التونسي العديد من الأسئلة حول حقيقة ومستقبل الإصلاح السياسي في العالم العربي، فقبل عامين تناقلت وسائل الأنباء أخبارا تتحدث عن وقوع وفيات في صفوف الشعب التونسي نتيجة الفقر، بل إن بعض الأنباء تحدثت عن تعرض بعض المناطق النائية إلى ما يشبه المجاعة التي أدت إلى وفاة أسر بأكملها. وتتابعت الأخبار تترى عن حدوث حالات نزوح جماعي إلى الجزائر من مناطق الجنوب التونسي، وبدأ الحديث عن الفجوة الهائلة في التنمية بين المناطق الساحلية وبين المناطق الداخلية الجنوبية، فمناطق الشمالية تحظى بحصة الأسد من التمثيل في مؤسسات الدولة السياسية وفي مختلف القطاعات الاقتصادية ومن أبرزها السياحة.
الواضح انه لم يطرأ تغيير على السياسات الداخلية خلال العامين الماضيين، بل إن الاجراءات المتبعة أشارت إلى الاصرار على مقاومة أي اصلاحات ممكنة من جانب السلطات، بل فرضت الحكومة المزيد من القيود السياسية كان أبرزها تشديد الرقابة على وسائل الاتصال الحديثة، وقبل أسابيع قليلة من اندلاع أحداث العنف الاجتماعي في الجنوب قامت السلطات التونسية باعتقال معارضين من مناطق الجنوب، بتهمة محاولة إحياء حركة النهضة المعارضة.
أمام حالة الإحباط السياسي والاقتصادي أقدم شاب تونسي على الانتحار، محتجا على البطالة والاجراءات التي طالت مصادرة البضاعة التي كان يبيعها في الشارع العام، وهو الحادث الذي أشعل فتيل الاحتجاجات في الجنوب التونسي التي أخذت بالاتساع والانتقال من مدينة إلى أخرى.
هذه الصورة نموذجية للنمط السائد في العالم العربي، والذي نبه إليه كل من عمر حمزاوي ومارينا أوتاي في دراستهما حول فرص التعددية وحدودها في العالم العربي، أي إننا امام نمط سيتكرر على الارجح في العديد من الدول العربية، حيث ستتصاعد حركات الاحتجاج الاجتماعي في ظل غياب الاصلاح السياسي وضعف المشاركة الشعبية ومحدودية تأثيرها، وهو أمر بدأ يتلمس معالمه العديد من الخبراء والمختصين والاقتصاديين، ولعل ما نبه إليه الدكتور جواد العناني مؤخرا في محاضرة تناول فيها الميزانية العامة الأردنية يقع في هذا السياق العربي العام، فقد حذر العناني صراحة من تصاعد حركات الاحتجاج الاجتماعي في الأردن على خلفية الواقع الذي ستفرضه الميزانية العامة للدولة الأردنية والمرتبط بزيادة الاعباء على المواطن الأردني، فحالات الفوران الاجتماعي وتصاعد العنف داخل المجتمع ما هي الا أجراس تقرع للتنبيه إلى الخلل الكبير الذي بدأ يلقي بظلاله على العلاقة بين الحكومات المتتابعة والمواطن الأردني.
الحقيقة التي يجب التذكير بها بين الفينة والأخرى -في الأردن وفي العالم العربي عموما- أن الجدل حول الاصلاح لم يلامس الواقع العملي الذي يعيشه المواطن العربي؛ فهو إما حبر على ورق أو خطابات رنانة تدين الفساد وسوء توزيع الثروة وتشيد بأهمية التنمية السياسية والاقتصادية، وتفاخر بالكوتات النسائية التي تفوقت فيها تونس على سائر الدول العربية.
فالإصلاح يجب أن يحمل في طياته إعادة نظر واقعية ودقيقة للحالة الاقتصادية والاجتماعية، وليس ترفا فكريا أو سياسيا يعززه الثقة المفرطة بالأجهزة الأمنية، ذلك أن عبء تحقيق التنمية ومعالجة الفقر والبطالة وتآكل الموارد وشح المياه لا يقع على كاهل الأجهزة الأمنية في الدولة؛ فرجل الأمن ليس من المفترض أن يتحمل المسؤولية عن شح المياه وتفاقم البطالة كما أنه غير معني بإيجاد حلول لهذه المشاكل التنموية.
النظريات الأمنية:
لقد جاءت أحداث العنف والاحتجاج لتشكك بالنظريات الأمنية التي تعد تونس رائدة فيها، وعلى رأسها إستراتيجية تجفيف المنابع التي طالت المعارضة السياسية، والقبضة الحديدية والتعتيم الإعلامي، فمن المعلوم أن تونس من أكثر الدول ثقة واعتمادا على أجهزتها الأمنية، إلا أن الأمور بدأت بشكل واضح تخرج عن السيطرة، الأمر الذي زعزع الثقة بهذه الأداة كوسيلة للحفاظ على حالة السكون والجمود السياسي فاعتقال معارضين في الجنوب لم يمنع مواطني الجنوب من التظاهر والاحتجاج على أوضاعهم الاقتصادية المتردية، والسيطرة على حركة احتجاج هنا وهناك لن يمنع من اندلاعها في مكان آخر.
وتمثل اليمن نموذجا آخر على هذه الحالة حيث الحراك الجنوبي وحركة الحوثيين، فأساس هذه الحركات الاحتجاجية اقتصادي، بل يرتبط اشد الارتباط بالموارد المائية ونضوب النفط في اليمن إلى جانب كونه يتعلق بسوء الإدارة ورداءة التمثيل السياسي الذي يتيح المجال لوضع إستراتيجية تنموية متوازنة.
الاحتجاج الاجتماعي والحدود الرخوة:
أصبح الاحتجاج الاجتماعي واقعا قائما تحاول الدول العربية التعايش معه في مصر وتونس واليمن والجزائر والمغرب، لكن يخشى أن يتطور في السنين القادمة ليتحول إلى حركات انفصالية أو أفكار شديدة التطرف؛ بحيث يصعب السيطرة عليها. فالحالة التي سادت في الثمانينيات من القرن الماضي كانت حالة مصغرة ومسيطر عليها إذا ما قيس بالحالة المتفجرة في العشرية الثانية من القرن الواحد والعشرين، خاصة أن ما سمي "ثورات الخبز" في الثمانينيات من القرن الماضي لم ترتبط بالزيادة السكانية ونضوب الموارد، وإنما بالمديونيات العالية، في حين امتازت العشرية الثانية من القرن الواحد والعشرين بزيادة سكانية هائلة متوقعة في العالم العربي، إلى جانب تضخم مخيف في أعداد سكان المدن التي ستنوء بأعباء كبيرة خلال السنوات العشر القادمة، فضلا عن نضوب الموارد الأساسية، وعلى رأسها المياه؛ الأمر الذي سيحول الحدود السياسية إلى حدود هشة غير متماسكة، ولنا أن نتخيل ارتفاع عدد سكان مدينة كعمان إلى ستة ملايين نسمة بحلول 2020 في ظل تراجع المخزونات المائية. وعلى الرغم من كون العامل المشترك بين الحالتين والمرحلتين الزمنيتين هو غياب الاصلاح السياسي وسوء الإدارة، الا أن تعمق الأزمات الاقتصادية والديمغرافية يفتح أبوابا جديدة للشكل الذي سيكون عليه الصراع السياسي والاجتماعي في العالم العربي خلال السنوات العشر القادمة.
لقد ظهر تأثير الزيادة السكانية وتأكل الموارد وسوء الإدارة بشكل واضح في تونس من خلال موجات اللجوء الجماعي إلى الجزائر. كما برزت الظاهرة في اليمن الأمر الذي دعا الحكومة السعودية إلى بناء جدر مكهربة ومشددة الرقابة لم تمنع من لجوء الآلاف أثناء حرب صعدة.
ويتحدث الخبراء والمراقبون عن المخاطر المتوقعة من تفجر الاوضاع في اليمن على الدول المجاورة وعلى رأسها السعودية وعمُان.
ويمكن أن نقيس على ذلك ما يحدث في السودان، وما يمكن أن يحدث في دول عربية أخرى تحمل نفس الصواعق المتفجرة التي أسهمت في انفجار العنف وتطوره إلى حركات انفصالية أو عنفية متشددة، فالمعالجة الامنية للملفات الاقتصادية والاجتماعية لا زالت الخيار الامثل لدى السلطات في العالم العربي، في ظل التضخم الهائل الذي شهدته هذه الاجهزة خلال السنوات العشر الاخيرة مقابل التراجع الكبير للمؤسسات التشريعية والتعليمية في العالم العربي.
إن ما حدث ويحدث في تونس والسودان واليمن ومصر مؤشر واضح على النمط الذي سيسود في العشرية الثانية من القرن العشرين، وهو أمر جدير أن يدفع نحو الاصلاح وتوسيع المشاركة الشعبية والقاعدة الجماهيرية للحكومات، من خلال اشراكها للجماهير العريضة في عملية صناعة القرار، وهذا يتطلب اعترافا حقيقيا بالمعارضة السياسية في العالم العربي والاعتراف بالتعددية، وعدم النظر اليها باعتبارها ترفا سياسيا أو حالة نخبوية محدودة وغير مؤثرة، فغياب المعارضة وعدم اشراكها في الحياة السياسية سيدفع باتجاه افراز قوى انفصالية أو انعزالية، وأخرى متطرفة تحول الدول العربية إلى قبائل متنافرة ومتناحرة، وهي إضافة جديدة إلى ما كان عليه الحال في الثمانينيات، حيث احتدم الصراع بين قوى الاحتجاج والسلطات الحاكمة فقط.
السبيل الاردنية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.