اصطدم منذ أيام شخص تونسي بصفحتي وأنا موجود فوقها، فتبادلنا التّحية وبدأنا نتعارف.. وانطلقنا نتراشق بالأسئلة والأجوبة كما هو معهود بين متعارفين جديدين على هذا الفضاء، من نوع من أي مدينة أنت ماذا تعمل.. إلى آخره.. ولاختصار الطريق وتوفيرًا لجهود السّبر و الإختبار، سألته مباشرة ما فكرك..؟ فردّ عليّ أنّه لم يفهم..! قلت له من أي فكر أنت..؟ فلم يفهم استفساري.. قلت له: أنا إسلامي.. وأنت ماذا..؟ هنا فهم و قال: أنا مثلك..! قلت الحمد لله.. ثمّ وجدنا أنفسنا مباشرة في الشّأن الوطني نحلّله ونناقشه.. لكن مخاطبي، والّذي بين قوسين حامل لشهادة جامعية، فاجأني مرّة أخرى بإبداء عدم رغبته في هكذا حوار قائلا بأنّه متشائم ولا يفهم كثيرا ما يحدث في البلاد.. قلت كيف لا تفهم ما يحدث وأنت شهادتك عليا ومثقّف، وشاشة الصراع واضحة نقية تضع كلّ شيء في مكانه..؟ قال: لا لا.. لا شيء واضح.. أنا لا أرى إلاّ فوضى عارمة في كلّ مكان.. وهناك تناحر وكذب ونفاق وتآمر في صفوف السّاسة وفي العامّة أيضا.. وكلّ يجذب لمصالحه.. قلت نعم أنا معك في انتشار الفوضى وعدم الانضباط.. وصراع المصالح.. لكن في كلّ صراع في هذه الدّنيا هناك فريق على حقّ وآخر، أو آخرين على باطل، ودائما هناك قضية عادلة وأخرى باطلة.. لكن محدّثي "الإسلامي" بين ظفرين أصرّ على أنّ في تونس فوضى عارمة والجميع فيها منافقون انتهازيون متسابقون للسّلطة ولمصالحهم الخاصّة.. ولا أحد فيهم يناصر الحقّ ويحمل رسالة سامية ويعمل للوطن..! لإن ذكّرني صاحبي بذلك السّياسي التّونسي التّافه، الّذي كلّما اصطدم بقناة في طريقه وطلبت منه أن يدلي لها بكلمة قال قولته المعروفة: "البلاد داخلة في حيط".. وإذا قيل له حلّل من فضلك و بسّط كلامك الفلسفي العميق.. إذا به يتحدّث عن "سعر كيلو الفلفل" و"قفّة خالتك مباركة" الفارغة.. لإنّ ذكّرني صاحبي بهذا الزعيم الفارغ، إلاّ أنّني أحسّ بالكآبة حقيقة، حين أجد فئة من البشر بلا مناظير صافية تريهم الحقّ من الباطل في صراعات تدور حولهم و تهدّد مستقبلهم.. أقول لكلّ من منظاره مشوّش أو ليس له منظار أصلا.. إنتبه، إنّ كلّ صراع على هذه الأرض فيه قضيتين، قضية عادلة وأخرى باطلة.. فريق على حقّ أو شيء من الحقّ يقابله فريق على باطل أظلم.. لا ينبغي لمسلم، يقول إنّه إسلامي الفكر، أن لا يرتّب رقعة الشّطرنج التي حوله، و يتموقع فيها فكريا.. المسلمون الأوائل، وهم يتفرّجون على صراع إقليمي كان يدور حولهم، كان لهم منظار يمتاز بالصّفاء والوضوح، ولم يقولوا: حرب فوضى كلّهم كفار.. إلى آخره ممّا نسمع الآن.. بل مالت قلوبهم إلى أحد طرفي ذلك النّزاع الإستراتيجي، وساندوا فقط بقلوبهم وتطلّعاتهم الطّرف الّذي كان أقرب قليلا من عقيدتهم التّوحيدية، من الآخر.. ولكن الطّرف ألآخر انتصر في معركة كبرى.. ممّا أحزن المسلمين.. فنزل الوحي يؤازر المتفرّجين على الصّراع، أصحاب المنظار الصّحيح، قائلا: غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّه.. وبالفعل دارت الدّائرة في بضع سنين وانتصر الرّوم، أصحاب بقية من دين، على الفرس الّذين لم يكن لهم دين... أحقّ أنّ تونس، و ما يدور فيها من صراع سياسي، لا توجد فئة صادقة، على حقّ، تريد أن تنهض بالأمّة، وتغيّر من حالها، وتقترب بالشّعب من ربّه..؟ أليس في بلادنا من يناضل من أجل الكرامة، والتطوّر، والنّهوض بالإنسان..؟ أحقّ كلّهم منافقون..؟؟ كلّهم مجرمون..؟ كلّهم مصلحيون..؟ كلّهم أسوء من بن علي والطّرابلسية..؟ هذا خطأ.. لسبب بسيط.. وهو أنّ الأرض خلقت بالحقّ، فإذا اندثر فيها الحقّ وبقي فيها الباطل يصول لوحده.. زال سبب بقائها... من خلق الكون قال: "ولولا دفع الله النّاس بعضهم ببعض لفسدت الأرض"