الأبعاد السياسية والإجتماعية والثقافية في "مواسم الريح" للروائي الأمين السعيدي    مسابقة الأهرام الدولية لزيت الزيتون.. تونس تفوز بالمركز الأول وتحصد 46 ميدالية ذهبية    مع الشروق :تحت الحصار ... الضفة على حافة الانفجار    صهيب المزريقي ل«الشروق» ... الإعفاءات الصينية لإفريقيا تعيد رسم ميزان القوّة    مقترح لتجاوز معضلة مسالك التوزيع    الدورة 42 لمهرجان المدينة بتونس ...30 عرضا موسيقيا.. والسوري علي حسين لأول مرّة    أولا وأخيرا .. اللهم إنّي صائم من 2011    3 ساعات قبل النوم.. قاعدة بسيطة لتعزيز صحة القلب    صادم/ أخفت جثة والدتها لحوالي 10 سنوات لتحصل على جراية التقاعد..!    وزير الشؤون الدينية: برمجة قرابة 100 ألف نشاط ديني خلال شهر رمضان القادم    عاجل/ بسبب سوء الأحوال الجوية..تعديل في رحلات هذه السفينة..    عاجل/ ايقاف تلميذ بشبهة ترويج أقراص مخدرة داخل المعهد بهذه الجهة..    تجهيزات وتكوين وسجلّ إلكتروني: خطة متكاملة لتطوير الطبّ الإنجابي    عاجل: يهم التوانسة ...هذا موعد تحري هلال رمضان 2026    كيفاش بش يكون الطقس في شهر رمضان ؟    في تونس: خطة جديدة لتأهيل المقبلين على الزواج...شنوّة الحكاية؟    عاجل: أنباء عن تولي باتريس بوميل قيادة الترجي حتى 2028    صادم : حجز 165 طن من المواد الغذائية الفاسدة قبل رمضان!    قضية الاعتداء الجنسي على طفل: بطاقة جلب دولية ضد مالكة الروضة    رسميا... رئيس ال"فيفا" يحصل على الجنسية اللبنانية    عاجل: سفيرة الهند ''نسعى لإلغاء التأشيرة للتونسيين''    بن عروس : 12 مترشحا للمنافسات النهائية في مهرجان موسيقى الطفولة في دورته الثانية    صدور كتاب "مباحث حول الموسيقى بالمدن والجهات التونسية"    قفصة: تنظيم يوم جهوي بعنوان ايام الابواب المفتوحة لفائدة الباعثين الشبان في القطاع الفلاحي    النجم الساحلي يرد على بلاغ الترجي الرياضي    رمضان 2026: تابع غيبوبة وباب بنات على ''تلفزة تي في''    ملف أحداث الغريبة: أحكام سجنية في حق المتهمين    مجلس الصحافة يقدّم الميثاق الوطني لاستعمال الذكاء الاصطناعي في الصحافة    "الكاف" يعلن عن قرار عاجل بعد أحداث مباراة الأهلي المصري والجيش الملكي المغربي    OPPO تطلق A6 5G نموذجين و A6x 5G، يوفران مزايا يومية من حيث القوة والأداء والسلاسة    على قناة نسمة الجديدة: ضحك بعد شقّان الفطر و''أكسيدون'' في السهرية    تونس تسجّل سنويًا 400 إصابة جديدة بسرطان الأطفال    العاصمة: وقفة احتجاجية للمعطّلين أمام وزارة التربية    زيادة ب3% في استهلاك المواد البترولية خلال سنة 2025    البرلمان: مقترحات قوانين حول رعاية كبار السن ودعم الأمهات والتمويل العمومي للحضانة    عاجل/ تطورات جديدة ومزلزلة في قضية الاعتداء الجنسي على طفل الثلاث سنوات بروضة في حي النصر..    عاجل/ العثور على "ظرف مشبوه" في مكتب نتنياهو..ما القصة..؟!    رخصة الإفطار: من هم الأشخاص الممنوعون من الصيام في رمضان؟    رابطة أبطال أوروبا - برنامج ذهاب الملحق المؤهل إلى ثمن النهائي    عاجل: مسؤول بوزارة الداخلية ينبّه الأولياء ''هذه أعراض تعاطي المخدّرات لدى المراهقين''    عاجل: اليك توقيت الخطوط البعيدة ''للتران'' في رمضان    ليلة الشك رمضان 2026: شمعناها ؟    كيفاش نشوفوا هلال رمضان بطريقة صحيحة؟    عاجل: السعودية تمنع تصوير الأئمة والمصلين أثناء الصلوات في رمضان    كأس العالم لسلاح السابر: المنتخب الوطني للوسطيات يُتوج بذهبية منافسات الفرق    الفريجيدار متاعك ما تبردّش بالقدا...هاو علاش    مريض بال tension والا السُكر..كيفاش تتصرّف في الصيام؟    شوف سوم ''الطُزينة ملسوقة'' قبل رمضان بقداه    عاجل: رئاسة الحكومة تُعلن توقيت رمضان للتونسيين    عاجل/ السعودية تدعو الى تحري هلال شهر رمضان..    بطولة ايطاليا : نابولي يحتفظ بالمركز الثالث بعد تعادله مع روما    عاجل/ "براكاج" مروع لسائق "تاكسي"..وهذه التفاصيل..    نيوزيلندا: عاصفة شديدة تعطل الرحلات الجوية وتقطع الكهرباء عن الآلاف    خطوة جديدة نحو العالمية: سيدي بوسعيد تحت أنظار اليونسكو فهل تصبح تراثا عالميا؟    اليك 5 خطوات بسيطة لجهاز هضمي صحي خلال رمضان    كأس العالم لسلاح السابر: المنتخب التونسي للوسطيات يتوّج بذهبية منافسات الفرق    بداية من اليوم: جامعة الثانوي تدخل في سلسلة إضرابات إقليمية    معهد الرصد الجوي: إسناد درجة إنذار كبيرة بست ولايات مع توقع هبوب رياح قوية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هذا هو العدل الذي ينشده الإسلام
نشر في الحوار نت يوم 18 - 03 - 2015

قضت اليوم أعلى هيئة قضائية دستورية في ألمانيا بقولها أن منع إرتداء الخمار بالجملة أي دون تمييز لا يتناسب مع الفصل الدستوري الأول والأعظم وهو حرية التدين. تلك هي الصيغة ومفادها هو أن الإختمار وليس الإنتقاب من لدن النساء في ألمانيا أمر مباح قانونا فلا يجرم صاحبه ولا يساءل ولا يمثل أمام أي هيئة أمنية ولا قضائية.
من منا لا يسعد لمثل هذا. صحيح أن هذه الإباحة أبطأت قليلا أي لتكون إباحة قانونية صريحة من أعلى هيئة قضائية دستورية في البلاد. ولكن العبرة هنا ليست في ذلك إنما العبرة في الشيء الذي أستحق به الأروبيون أو أغلبهم على الأقل صفة العدل والحرية والكرامة والقانون والمساواة وغير ذلك من القيم التي زرعها سبحانه في البشرية جمعاء قاطبة فطرة مفطورة ثم جاء الإسلام ليشرعها بناء على تلك الفطرة المفطورة.
ذاك ما ينشده الإسلام في تشريعه من الناس سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين. أي إتاحة الحرية لهم كاملة غير منقوصة ليكونوا كما يريدون هم وليس كما يريد القوي فيهم والمتنفذ أن يكونوا.
ورثنا ثقافة فقهية في أكثرها أجل أعي ما أقول ومن عنده غير ذلك فليأتني به لأراجع نفسي تعيسة بئيسة وخاصة فيما إتصل بحق الحريات و الكرامات والحقوق والحرمات وبصفة أخص عندما يتعلق الأمر بالمرأة. ورثنا ذلك الجهل المركب من بعد ما وقع الإنقلاب على الآلية الدستورية العظمى والأولى التي تراقب الحاكم وتحاسب المسؤول وهي توليه وهي تعزله أي الشورى. ومن بعد ذلك الإنقلاب ضد أعظم قيم الإسلام أي الشورى التي هي أكبر رمز من رموز كرامة الإنسان وقع الإنقلاب ضد المرأة.
ذاك هو يقيني : نحن مسلمون متخلفون محتلون فقراء مشتتون وهم غير مسلمين متقدمين متحضرين أقوياء أغنياء موحدين .. وليس ذلك بسبب الإسلام كما يكذب الشيوعيون والماركسيون والعالمانيون واللادينيون ولكن بسبب ركلنا للميزان الذي به نحسن فقه الإسلام.
ذاك هو يقيني : هم أقوياء رغم عدم إسلامهم لأنهم أطاعوا الله سبحانه فيما عصيناه فيه نحن. هم أطاعوه في الأخذ بالسنن العمرانية والإجتماعية والسياسية والمالية فتقدموا وتحضروا وترقوا وتمدنوا وأثمر ذلك عندهم قيم الإسلام شبرا بشبر أي العدل والكرامة والمساواة والعزة والوحدة والحرية والشورى والتراحم والتكافل والتضامن والمحافظة على الهوية حتى لو كانت هوية لا يسندها منطق عقلي ولا سنة إجتماعية.
ذاك هو يقيني : تأخرنا نحن ونحن مسلمون لأننا أطعناه سبحانه في الصغائر وليس في الكبائر أو في الجزئيات والتفاصيل وليس في المحكمات و العزائم أو بكلمة أخرى ربما تكون أدق : أطعناه طاعة قلبية عاطفية أي أطعناه بجهل وهو لا يعبد سبحانه بجهل وعصيناه فيما يحب هو ألا يعصى فيه أولا أي عصيناه عصيانا عقليا وفكريا ومعرفيا.
ذلك هو مصداق قوله سبحانه ولكن هل نحن فعلا قوم نحمل الكتاب ونفقهه بالميزان ونتلو لنفهم ونقرأ لنفقه أم نتخذ الكتاب أحجيات وطلاسم وعقاقير وادوية بدنية ورحمات للأموات في حين يطحن الأحياء بالمديونيات والإحتلالات والإستبدادات تعصف بهم كما تعصف الرياح المجنونة برماد في يوم إشتدت فيه الكآبة والمجاعة.. قال سبحانه في آية لو تدبرناها هي وحدها لكان لنا شأن آخر :" كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك ". ذكر الذين يريدون الدنيا فحسب والألمان يريدون الدنيا فحسب وذكر الذين يريدون الآخرة ثم ثبت قانونه الغلاب سبحانه.
أعطاهم الله قيم العدل والحرية والكرامة والمساواة وكل قيم الإسلام الدنيوية تقريبا وهم غير مسلمين بسبب طاعتهم العقلية له وإن كانت طاعة جزئية لأن العقيدة الإسلامية هي الطاعة العقلية الأولى وهي الإسلام الفكري الأكبر. ولكن ربك سبحانه يعطي على قدر العطاء لهم.
ومنعنا نحن ذلك ونحن مسلمون فلم تغن عنا عقيدة ولا صلاة ولا صوم ولا زكاة ولا حج فلم؟ لم يا ترى؟ هل لأنها أمور فارغة أم هي أمور صغيرة أم أننا تقحمناها من غير ابوابها. طبعا تقحمناها من غير أبوابها فنؤمن بغير نظر في الكون وفي التاريخ وفي القصة وفي العصر وهذا إيمان عقيم لا يثمر كثيرا بل لا يدوم كثيرا ونعبد عبادات شكلية عفوا من الروح فلا تنهانا الصلاة عن فحشاء ولا عن منكر ولا يجعلنا الصيام متكافلين ولا نزكي إ لا مكرهين متبرمين متضجرين بل لا ندفعها للعاملين عليها الذين يؤدونها بدورهم لرئيس الأمة والذي يقسمها بدوره بين أهلها إذ ليس لأمتنا رئيس واحد بل هم كثير وليس لنا مؤسسة زكاة رسمية ولذا نزكي كما نريد وعصينا أمره سبحانه : فاستقم كما أمرت . مستقيمون نحن ولكن كما نهوى نحن الإستقامة وليس كما يريد هو سبحانه.
لب الكلمة : كم من دار إسلامية إسما ورسما هي اليوم بلاد حرب مصر مثلا اليوم في ظل السفاح السيسي وتونس بالأمس لما كان يصول فيها المخلوع بن علي وزوجه ليلى وبلاد أخرى. وكم من دار غربية هي اليوم دار إسلام ودار أمان ودار دعوة ودار قرار.
لا دار للإسلام لمن يريد الكلمة وإن لم يكن لها أصل في الإسلام إلا تلك الدار التي يكون أكثر أهلها مسلمين أو تعلو فيها قيم الإسلام العظمى أولا من مثل الحرية والكرامة والعدل والقسط والأمن والأمانة والوحدة والمساواة وإمكانات التعارف والدعوة. كل تلك في ديار الغرب بأقدار متفاوتة دارا دارا وقيمة قيمة موجودة وزيادة.
لكم أنا موجوع والله محزون مألوم وقد عشت هناك ازيد من عقدين كاملين .. لكم أنا موجوع محزون مألوم لما أجد هناك من قيم الإسلام التي بها يتم الخير وينمو حتى وأغلبهم مسيحيون أو يهود أو لا دينيون أصلا ولا أجد هنا إلا ما يحيلك إلى الفوضى والإضطراب والإكتظاظ والضوضاء والضجيج حقا وحكما معا. أي مادة ومعنى معا. أي مبنى ومعنى معا. إلا قليلا جدا ممن رحم ربك سبحانه.
سيظل الأربيون أقوياء اغنياء لهم علينا صولات وجولات ويديرون الأرض بما تيسر لهم لأنهم أعلم منا بالدنيا وبالشأن القومي سياسة ومالا وعلاقات داخلية وخارجية .. عندما نقول أنهم كذلك وهم غير مسلمين فلا يعني ذلك عند الغفل الحمقى إلا أن الله سبحانه ليس عادلا في ملكه ولكني أرى أنه من تمام عدله ورحمته ولطفه أنه حباهم بما لم يحبونا به من مرافق العيش الكريم والحريةو الكرامة والعدل بسبب طاعتهم له في الأشياء الكبرى المتعلقة بالدنيا فلما عصيناه نحن في ذلك خسف بنا الأرض أي خسفا معنويا وليس ماديا لأن الخسف المادي ولى زمانه.
لم تعد تستهويني شتائمنا ضدهم وأنهم سبب أزمتنا لأني أؤمن بالقرآن الذي يقول : قل هو من عند أنفسكم. وبه الذي يقول : إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. إن كنا أهل عدل وحق فعلا فلنسب أنفسنا ولنتشم أنفسنا ولنحاسب أنفسنا ثم لنقرر مزيدا من الهبوط أو محاولة للنهضة.
أما لعنهم سيما من خطباء الجمعة الذين يلعنون اليهود بالمطلق والنصارى معهم بالجملة فهؤلاء أغبى من الغباء دينا أولا لأن ذلك لم يرد أصلا وعند الحديث عنهم يتوخى الخطاب القرآني صيغ الموضوعية والتبعيض " منهم " و ّ" من الناس " إلخ .. ولا هو مفيد خطابا ودنيا وبناء لعقل إيجابي جديد ومعاصر.
أنا لا ألعن ولا أشتم ولا أسب بل لا أزدري أصلا قوما توخوا العدل في أبهى مظاهره الشرعية الإسلامية حتى حكموا بحرية اللباس للمرأة المسلمة في بلاد أكثرها مسيحيون ويهود ودستورها عالماني خالص.
العدل يأبى علي ذلك. إذا كان لا بد من اللعن والسب والشتم ولا فائدة منه أصلا لا دينا ولا دنيا فنحن أولى باللعن والسب والشتم لأننا تديننا تدينا مغشوشا مزيفا لا يقدم ولا يؤخر بل يؤخر.
أيهما دار الإسلام : دار تحرم بالقانون العلوي ما أباح سبحانه وتونس نفسها متورطة في هذا تورطا عجيبا في أمرين إثنين على الإقل لا مناص منهما للحياة وجنى الناس هنا منهما شرورا ومازالوا .. وغير تونس بلاد أخرى كثيرة متورطة في مثل ذلك وأكثر منه. أو دار تبيح الحرية على مصراعيها فمن شاء فليومن ومن شاء فليكفر كما فعلت ألمانيا مثلا فهي تبيح الإختمار ومن حقها أن تمنع الإنتقاب أو تقيده بقيود التفتيش مثلا أو غير ذلك لا عدوانا على حرية ولكن أمنا للبلاد والعباد وتبيح الشذوذ كذلك.
الإسلام لا هو هنا ولا هو هناك. الإسلام شيء آخر شريعة. ولكن أيهما أدنى إلى الإسلام وشريعته. أظن بل كلي يقين أن الدار التي تتيح الحرية هي أدنى إلى الإسلام وشريعته وإن لم تكن إسلامية خالصة اما الدار التي تمنع ما يبيحه الإسلام فلا علاقة لها بدار الإسلام ولا بالأمن والسلام.
ذلك أن أول وأكبر وأعظم مقصدي عقدي وليس شرعي فحسب هو الحرية وليس سوى الحرية. فمن يتيح الحرية هو أدنى إلى العقيدة ممن يمنعها.
تلك هي رؤيتي وذلك هو فهمي فمن له ما يعارضني به فأهلا وسهلا ومرحبا على قاعدة الحجة والبرهان وليس الخوض الباطل وعلى قاعدة الأدب وليس الطيش والحدة.
- See more at: http://www.achahed.com/%d9%87%d8%b0%d8%a7-%d9%87%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%af%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%8a-%d9%8a%d9%86%d8%b4%d8%af%d9%87-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85.html#sthash.8SEqVy3f.dpuf
قضت اليوم أعلى هيئة قضائية دستورية في ألمانيا بقولها أن منع إرتداء الخمار بالجملة أي دون تمييز لا يتناسب مع الفصل الدستوري الأول والأعظم وهو حرية التدين. تلك هي الصيغة ومفادها هو أن الإختمار وليس الإنتقاب من لدن النساء في ألمانيا أمر مباح قانونا فلا يجرم صاحبه ولا يساءل ولا يمثل أمام أي هيئة أمنية ولا قضائية.
من منا لا يسعد لمثل هذا. صحيح أن هذه الإباحة أبطأت قليلا أي لتكون إباحة قانونية صريحة من أعلى هيئة قضائية دستورية في البلاد. ولكن العبرة هنا ليست في ذلك إنما العبرة في الشيء الذي أستحق به الأروبيون أو أغلبهم على الأقل صفة العدل والحرية والكرامة والقانون والمساواة وغير ذلك من القيم التي زرعها سبحانه في البشرية جمعاء قاطبة فطرة مفطورة ثم جاء الإسلام ليشرعها بناء على تلك الفطرة المفطورة.
ذاك ما ينشده الإسلام في تشريعه من الناس سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين. أي إتاحة الحرية لهم كاملة غير منقوصة ليكونوا كما يريدون هم وليس كما يريد القوي فيهم والمتنفذ أن يكونوا.
ورثنا ثقافة فقهية في أكثرها أجل أعي ما أقول ومن عنده غير ذلك فليأتني به لأراجع نفسي تعيسة بئيسة وخاصة فيما إتصل بحق الحريات و الكرامات والحقوق والحرمات وبصفة أخص عندما يتعلق الأمر بالمرأة. ورثنا ذلك الجهل المركب من بعد ما وقع الإنقلاب على الآلية الدستورية العظمى والأولى التي تراقب الحاكم وتحاسب المسؤول وهي توليه وهي تعزله أي الشورى. ومن بعد ذلك الإنقلاب ضد أعظم قيم الإسلام أي الشورى التي هي أكبر رمز من رموز كرامة الإنسان وقع الإنقلاب ضد المرأة.
ذاك هو يقيني : نحن مسلمون متخلفون محتلون فقراء مشتتون وهم غير مسلمين متقدمين متحضرين أقوياء أغنياء موحدين .. وليس ذلك بسبب الإسلام كما يكذب الشيوعيون والماركسيون والعالمانيون واللادينيون ولكن بسبب ركلنا للميزان الذي به نحسن فقه الإسلام.
ذاك هو يقيني : هم أقوياء رغم عدم إسلامهم لأنهم أطاعوا الله سبحانه فيما عصيناه فيه نحن. هم أطاعوه في الأخذ بالسنن العمرانية والإجتماعية والسياسية والمالية فتقدموا وتحضروا وترقوا وتمدنوا وأثمر ذلك عندهم قيم الإسلام شبرا بشبر أي العدل والكرامة والمساواة والعزة والوحدة والحرية والشورى والتراحم والتكافل والتضامن والمحافظة على الهوية حتى لو كانت هوية لا يسندها منطق عقلي ولا سنة إجتماعية.
ذاك هو يقيني : تأخرنا نحن ونحن مسلمون لأننا أطعناه سبحانه في الصغائر وليس في الكبائر أو في الجزئيات والتفاصيل وليس في المحكمات و العزائم أو بكلمة أخرى ربما تكون أدق : أطعناه طاعة قلبية عاطفية أي أطعناه بجهل وهو لا يعبد سبحانه بجهل وعصيناه فيما يحب هو ألا يعصى فيه أولا أي عصيناه عصيانا عقليا وفكريا ومعرفيا.
ذلك هو مصداق قوله سبحانه ولكن هل نحن فعلا قوم نحمل الكتاب ونفقهه بالميزان ونتلو لنفهم ونقرأ لنفقه أم نتخذ الكتاب أحجيات وطلاسم وعقاقير وادوية بدنية ورحمات للأموات في حين يطحن الأحياء بالمديونيات والإحتلالات والإستبدادات تعصف بهم كما تعصف الرياح المجنونة برماد في يوم إشتدت فيه الكآبة والمجاعة.. قال سبحانه في آية لو تدبرناها هي وحدها لكان لنا شأن آخر :" كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك ". ذكر الذين يريدون الدنيا فحسب والألمان يريدون الدنيا فحسب وذكر الذين يريدون الآخرة ثم ثبت قانونه الغلاب سبحانه.
أعطاهم الله قيم العدل والحرية والكرامة والمساواة وكل قيم الإسلام الدنيوية تقريبا وهم غير مسلمين بسبب طاعتهم العقلية له وإن كانت طاعة جزئية لأن العقيدة الإسلامية هي الطاعة العقلية الأولى وهي الإسلام الفكري الأكبر. ولكن ربك سبحانه يعطي على قدر العطاء لهم.
ومنعنا نحن ذلك ونحن مسلمون فلم تغن عنا عقيدة ولا صلاة ولا صوم ولا زكاة ولا حج فلم؟ لم يا ترى؟ هل لأنها أمور فارغة أم هي أمور صغيرة أم أننا تقحمناها من غير ابوابها. طبعا تقحمناها من غير أبوابها فنؤمن بغير نظر في الكون وفي التاريخ وفي القصة وفي العصر وهذا إيمان عقيم لا يثمر كثيرا بل لا يدوم كثيرا ونعبد عبادات شكلية عفوا من الروح فلا تنهانا الصلاة عن فحشاء ولا عن منكر ولا يجعلنا الصيام متكافلين ولا نزكي إ لا مكرهين متبرمين متضجرين بل لا ندفعها للعاملين عليها الذين يؤدونها بدورهم لرئيس الأمة والذي يقسمها بدوره بين أهلها إذ ليس لأمتنا رئيس واحد بل هم كثير وليس لنا مؤسسة زكاة رسمية ولذا نزكي كما نريد وعصينا أمره سبحانه : فاستقم كما أمرت . مستقيمون نحن ولكن كما نهوى نحن الإستقامة وليس كما يريد هو سبحانه.
لب الكلمة : كم من دار إسلامية إسما ورسما هي اليوم بلاد حرب مصر مثلا اليوم في ظل السفاح السيسي وتونس بالأمس لما كان يصول فيها المخلوع بن علي وزوجه ليلى وبلاد أخرى. وكم من دار غربية هي اليوم دار إسلام ودار أمان ودار دعوة ودار قرار.
لا دار للإسلام لمن يريد الكلمة وإن لم يكن لها أصل في الإسلام إلا تلك الدار التي يكون أكثر أهلها مسلمين أو تعلو فيها قيم الإسلام العظمى أولا من مثل الحرية والكرامة والعدل والقسط والأمن والأمانة والوحدة والمساواة وإمكانات التعارف والدعوة. كل تلك في ديار الغرب بأقدار متفاوتة دارا دارا وقيمة قيمة موجودة وزيادة.
لكم أنا موجوع والله محزون مألوم وقد عشت هناك ازيد من عقدين كاملين .. لكم أنا موجوع محزون مألوم لما أجد هناك من قيم الإسلام التي بها يتم الخير وينمو حتى وأغلبهم مسيحيون أو يهود أو لا دينيون أصلا ولا أجد هنا إلا ما يحيلك إلى الفوضى والإضطراب والإكتظاظ والضوضاء والضجيج حقا وحكما معا. أي مادة ومعنى معا. أي مبنى ومعنى معا. إلا قليلا جدا ممن رحم ربك سبحانه.
سيظل الأربيون أقوياء اغنياء لهم علينا صولات وجولات ويديرون الأرض بما تيسر لهم لأنهم أعلم منا بالدنيا وبالشأن القومي سياسة ومالا وعلاقات داخلية وخارجية .. عندما نقول أنهم كذلك وهم غير مسلمين فلا يعني ذلك عند الغفل الحمقى إلا أن الله سبحانه ليس عادلا في ملكه ولكني أرى أنه من تمام عدله ورحمته ولطفه أنه حباهم بما لم يحبونا به من مرافق العيش الكريم والحريةو الكرامة والعدل بسبب طاعتهم له في الأشياء الكبرى المتعلقة بالدنيا فلما عصيناه نحن في ذلك خسف بنا الأرض أي خسفا معنويا وليس ماديا لأن الخسف المادي ولى زمانه.
لم تعد تستهويني شتائمنا ضدهم وأنهم سبب أزمتنا لأني أؤمن بالقرآن الذي يقول : قل هو من عند أنفسكم. وبه الذي يقول : إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. إن كنا أهل عدل وحق فعلا فلنسب أنفسنا ولنتشم أنفسنا ولنحاسب أنفسنا ثم لنقرر مزيدا من الهبوط أو محاولة للنهضة.
أما لعنهم سيما من خطباء الجمعة الذين يلعنون اليهود بالمطلق والنصارى معهم بالجملة فهؤلاء أغبى من الغباء دينا أولا لأن ذلك لم يرد أصلا وعند الحديث عنهم يتوخى الخطاب القرآني صيغ الموضوعية والتبعيض " منهم " و ّ" من الناس " إلخ .. ولا هو مفيد خطابا ودنيا وبناء لعقل إيجابي جديد ومعاصر.
أنا لا ألعن ولا أشتم ولا أسب بل لا أزدري أصلا قوما توخوا العدل في أبهى مظاهره الشرعية الإسلامية حتى حكموا بحرية اللباس للمرأة المسلمة في بلاد أكثرها مسيحيون ويهود ودستورها عالماني خالص.
العدل يأبى علي ذلك. إذا كان لا بد من اللعن والسب والشتم ولا فائدة منه أصلا لا دينا ولا دنيا فنحن أولى باللعن والسب والشتم لأننا تديننا تدينا مغشوشا مزيفا لا يقدم ولا يؤخر بل يؤخر.
أيهما دار الإسلام : دار تحرم بالقانون العلوي ما أباح سبحانه وتونس نفسها متورطة في هذا تورطا عجيبا في أمرين إثنين على الإقل لا مناص منهما للحياة وجنى الناس هنا منهما شرورا ومازالوا .. وغير تونس بلاد أخرى كثيرة متورطة في مثل ذلك وأكثر منه. أو دار تبيح الحرية على مصراعيها فمن شاء فليومن ومن شاء فليكفر كما فعلت ألمانيا مثلا فهي تبيح الإختمار ومن حقها أن تمنع الإنتقاب أو تقيده بقيود التفتيش مثلا أو غير ذلك لا عدوانا على حرية ولكن أمنا للبلاد والعباد وتبيح الشذوذ كذلك.
الإسلام لا هو هنا ولا هو هناك. الإسلام شيء آخر شريعة. ولكن أيهما أدنى إلى الإسلام وشريعته. أظن بل كلي يقين أن الدار التي تتيح الحرية هي أدنى إلى الإسلام وشريعته وإن لم تكن إسلامية خالصة اما الدار التي تمنع ما يبيحه الإسلام فلا علاقة لها بدار الإسلام ولا بالأمن والسلام.
ذلك أن أول وأكبر وأعظم مقصدي عقدي وليس شرعي فحسب هو الحرية وليس سوى الحرية. فمن يتيح الحرية هو أدنى إلى العقيدة ممن يمنعها.
تلك هي رؤيتي وذلك هو فهمي فمن له ما يعارضني به فأهلا وسهلا ومرحبا على قاعدة الحجة والبرهان وليس الخوض الباطل وعلى قاعدة الأدب وليس الطيش والحدة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.