"هجوم معقد" جنوب لبنان.. مقتل وإصابة جنود إسرائيليين في عمليات نوعية للمقاومة    عاجل/ بعد الكشف عن عصابة للتنقيب عن الآثار تضم أمنيين..مصدر قضائي يكشف تفاصيل جديدة..    نابل ...أكثر من 10 آلاف مترشح لباكالوريا رياضة    قفصة ...تنظيم الملتقى الجهوي للموسيقى بالوسط المدرسي    الحمامات " انتشال جثة شاب غرق في البحر"    لتجديد منظومة البحث العلمي في تونس: توقيع 14 عقدا مع عدد من المعاهد والمراكز    حضور تونسي لافت في مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية    قلق قبل كأس العالم.. أميركا تفتش لاعبي بلجيكا في مدرج المطار    القيروان ... جامعة الشطرنج تنظّم بطولة تونس للشطرنج الخاطف لعام 2026 في مدينة الاغالبة    من التوظيف إلى خلق المشاريع: تحول استراتيجي بجامعة جندوبة    خطة للحدّ من تبخّر المياه    تأجيل محاكمة العميد السابق للمحامين شوقي الطبيب    الخبير العسكري عبد الحميد محفوظي ل «الشروق» ترامب وقع في الفخّ    كأس تونس ... الترجي والنجم في اختبار عسير وجندوبة تتحدّى «السي. آس. آس»    آمنة الغروبي... فناّنة تزرع السينما في قلوب الصغار    يهم مستعملي هذه الطريق: وزير التجهيز يعلن رسميا عن موعد انتهاء الأشغال..#خبر_عاجل    عاجل/ تحت اشراف رئيسة الحكومة: مجلس وزاري يقر هذه الاجراءات..    بُشرى: نسبة امتلاء السدود ستتجاوز 60 بالمائة في الأيام القادمة    مفاجأة... أطعمة صحية شائعة قد تسرّع تدهور وظائف المخ    قفصة.. قتيل ومصابان في انحراف سيارة واصطدامها بشجرة    تطاوين: متابعة ميدانية لمزارع الحبوب تكشف تحسّن الزراعات المروية وتقدّم التجارب العلمية حول الزراعات الكبرى    تونس مسارح العالم: العرض الاسباني "كولوتشي باو" يستحضر مأساة الاستعمار الغربي لأفريقيا    اختتام فعاليات الدورة 17 من مهرجان مطماطة الدولي    سفارة الولايات المتحدة: ضمان مالي يصل إلى 15 ألف دولار لتأشيرات الأعمال والسياحة    يوم 6 أفريل القادم هو آخر أجل لخلاص معلوم الجولان لسنة 2026    كأس تونس لكرة السلة: تثبيت فوز شبيبة القيروان على جمعية الحمامات    مباراة ودية - المنتخب التونسي لكرة القدم تحت 20 عاما يفوز على نظيره الموريتاني 3-0    معهد التغذية يحذّر التوانسة: هاو كيفاش تمنع من سرطان القولون    "فوتون" تتصدر المراتب الأولى بين الجيل الجديد من الشركات الآسيوية في قطاع الشاحنات المتوسطة والخفيفة في تونس    عاجل/ السيسي يوجه هذه الرسالة الى ترامب..    ردّوا بالكم: تعليب الماكلة في الدار ينجم يوصل حتى للموت!    تونس تتألق عالميًا: حمزة الهمامي يتوج بذهبية الووشو كونغ فو    صادم/ فتاة ال16 سنة تروج المخدرات..!    ترامب: سأدمر جميع محطات توليد الكهرباء وآبار النفط وجزيرة خرج في إيران إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق    بيان من الحرس الثوري الإيراني حول تفاصيل استهداف طائرة "E-3" أمريكية و"تدميرها" (صور)    توزر: اختتام المهرجان الدولي للطائرات الورقية بعد ثلاثة أيام من الورشات والخرجات السياحية    العلم يقول اللي أحكم قراراتك تاخذها في العمر هذا    عاجل/ إسرائيل تعلن استهداف جامعة الإمام الحسين في طهران..    وزير الشؤون الاجتماعية : نعمل على إدخال تنقيحات على منظومة الكفالة تتيح للأسر التونسية رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة فاقدي السند    عاجل/ بسبب سوء الأحوال الجوية: ال"CTN" تصدر بلاغ هام وتعلن..    ركبتك توجع فيك؟ : هذه حقيقة ''البرد'' اللّي يهرّي القروش    إسبانيا تغلق مجالها الجوي أمام الطائرات المشاركة في العمليات ضد إيران    الرابطة المحترفة الاولى: روزنامة بقية جولات البطولة    عاجل: تقلّبات جوية بهذه المناطق وتحذير مهمّ لمستعملي الطريق    وزير الشؤون الدينية يفتتح الملتقى التكويني لمؤطري الحجيج التونسيين استعدادا لموسم حج 1447ه/2026م    منشور للبنك المركزي يحد من التمويل : شنوا تأثيروا على أسعار الكراهب ؟    البنك الافريقي للتنمية ينظم الدورة العاشرة لسوق الطاقة الأفريقية يومي 8 و9 أفريل 2026، بالغابون    السينما التونسية تتألق دوليا بتتويج ظافر العابدين في مانشستر... فيلم 'صوفيا'    خطير/ كلاب سائبة تنهش سيّدة بكورنيش حمام الأنف..وهذه التفاصيل..#خبر_عاجل    التوقعات الجوية لهذا اليوم..    بعد المرض والحزن ودرب الآلام... سيلين ديون عائدة إلى عاصمة الحب    ولاية تطاوين تتسلم 7 حافلات جديدة    تصعيد رسمي مغربي بعد "استعراض مثير" للسنغال في باريس    معركة «هرمجدون» (Armageddon) في الرؤية اليهوديّة    مع الشروق : من موقعة «الجمل» إلى موقعة الصواريخ فرط الصوتية !    الشيخ محجوب المحجوبي: هذي العادة في المقبرة غلط والدين يقول غيرها    احسن دعاء للميت    انطلاق فعاليات المؤتمر الدولي الطبي الثاني للوقاية من أمراض القلب والشرايين بجزيرة جربة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عظماء منسيون..عبدالعزيز الثعالبي رجل الحماسة والهمة بقلم : د. محمد موسى الشريف
نشر في الحوار نت يوم 17 - 01 - 2010


بقلم : د. محمد موسى الشريف

عبد العزيز الثعالبي علم من أعلام تونس الخضراء ، وكم في تونس من أعلام ، وكم ظهر فيها من رجال عظام منذ أنست بالفتح الإسلامي إلى يوم الناس هذا ، ولئن نكبت في هذا الزمان ببورقيبة وابن علي فإن فجرها قادم بإذن الله تعالى ، وضياءها منتشر عما قريب ، ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريباً.

كانت تونس إلى القرن الثالث عشر الهجري / التاسع عشر الميلادي ولاية تابعة للخلافة العثمانية ، ولما ضعفت الدولة العثمانية في أوائل ذلك القرن بدأت الأخطار تتهدد تونس من جهتي فرنسا وبريطانيا ، وابتدأ التدخل الأجنبي يؤثر في تونس منذ الثلث الأول من ذلك القرن ، وظهر ذلك فيما يعرف بالامتيازات التي منحت لفرنسا ثم انجلترا ، وفي عدد الأجانب الكبير الذي انتشر في البلد ، وصبغ الحياة هناك بالصبغة الغربية ، وأحاطت الدسائس بتونس التي كانت قد خطت خطوات إلى الحضارة والعمران على يد خير الدين التونسي الوزير ، والشيخ محمود قابادو وآخرين..

لكن ذلك لم يدم إذ سرعان ما سقطت البلاد في قبضة الفرنسيين سنة 1881 إثر مناوشات قبلية حدودية بين تونس والجزائر اتخذتها فرنسا ذريعة لاحتلال تونس ومن ثم إعلان الحماية عليها سنة 1882 في الثاني عشر من مايو ، وعلى إثر ذلك عينت فرنسا فرنسياً مستعرباً يدعي لويس ماشويل رئيساً لإدارة المعارف وأطلقت يده في البلد فاستولى على كل ما له علاقة بالتعليم والثقافة ، واستولى على التعليم في الجامعة الزيتونية ، ووضع قوانين تقدم الفرنسية على العربية في مناهج التدريس ، وأوقف النهضة العلمية في الزيتونة التي كانت قد جمعت آنذاك بين العلوم الشرعية والعصرية ، وقيدت فرنسا حريات التونسيين في التعبير والنشر وحولت الإدارة إلى النظم الفرنسية وجعلت اللغة الفرنسية هي اللغة الرسمية في البلد وأهملت المؤسسات التي خطت خطوات في الطريق إلى الحضارة والعمران كالزيتونة ومدرسة باردو الحربية التي جمعت بين العلوم العسكرية والهندسية والرياضية ، وكان غياب خير الدين التونسي عن تونس مؤثراً في الروح المعنوية لأهلها ، فقد استقال من الوزارة قبل الاحتلال الفرنسي لتونس وصار صدراً أعظم - رئيساً للوزراء - في الدولة العثمانية وبقي فيها إلى وفاته سنة 1890.

وظهر على إثر ذلك في تونس رجال يريدون الإصلاح والارتقاء مستمسكين بحبل الإسلام والعربية ، ومقابل هؤلاء ظهرت فئة تريد السير في ركاب فرنسا ، وهي فئة مستغربة أنشأت جمعية سمتها " قدماء الصادقية" ، وظهرت فئة ثالثة هي فئة المشايخ المعتزلين لذينك الفريقين ، وهم بين سلفي وصوفي .

أما الفئة الأولى التي بنت دعائم إصلاحها على أسس إسلامية وعربية وعلى إرادة الخلاص من فرنسا واحتلالها البغيض فقد برز فيها الشيخ سالم بو حاجب ، والبشير بن مصطفى صفر تلميذ خير الدين التونسي ، وقد كان لهم جمعية سموها (الحاضرة) وأصدروا جريدة أسبوعية لها الاسم نفسه ، ومن ثم أسسوا المدرسة الخلدونية سنة 1896 ، وفي تلك المدة برز الشيخ عبد العزيز الثعالبي الذي ولد سنة 1293 /1874 في تونس ، وهو من أصول جزائرية ، واهتم به جده المجاهد عبد الرحمن الثعالبي الذي قاوم الفرنسيين في الجزائر وقام على تعليمه وتحفيظه القرآن ومبادئ النحو والعقيدة ، ومن المواقف التي أثرت فيه في صغره أنه لما كان في السابعة من عمره رأى أمه تبكي فسألها عن السبب فقالت : أما رأيت الفرنجة يمرون من هنا ؟ إنهم يحتلون تونس ولن يخرجوا منها إلا بالحرب.

ثم التحق بمدرسة باب سويقة الابتدائية بتونس ثم بجامع الزيتونة ، واختلف المؤرخون هل أكمل دراسته أو لا ، وكان كثير الانتقاد لطرائق التدريس ومناهجه وكتبه ، وهذا أدى إلى تبرم بعض المشايخ منه.

ولما تألف في تونس الحزب الوطني الذي كان أول حزب يطالب بتحرير تونس سنة 1895 انضم إليه ، ثم أسس الحزب الوطني الإسلامي ، وكتب في الصحف داعياً إلى الاستقلال فعطل الفرنسيون جريدتين : المنتظر والمبشر ، فأسس جريدة سبيل الرشاد التي استمرت عاماً ثم عطلت ، ومن بعدها ضيقت الحكومة على الصحافة ، وهنا رأى أن تونس ضاقت عليه فقرر الخروج منها لكن الفرنسيين منعوه فهرب إلى طرابلس التي كانت لا تزال تحت الحكم العثماني فعمل السفير الفرنسي في طرابلس على إخراجه منها فخرج إلى استانبول عن طريق اليونان وبلغاريا فوصلها سنة 1898 وتحدث مع رجال الدولة وناقشهم في القضية التونسية ، ومن ثم غادرها إلى مصر واجتمع بكثير من كبارها ، ثم عاد إلى استانبول ومنها عاد إلى تونس فوصلها سنة 1902 بعد أن بقي أربع سنوات خارجها ، ومنذ ذلك الوقت أحاطت به محن وبلاءات أوجزها في الآتي :

1- قبض عليه سنة 1906 ووضع في السجن بتهمة محاربته للأولياء ، وأخذ سيراً على الأقدام من السجن إلى المحكمة وكان هناك عدد كبير من أهل البلاد قد اجتمعوا حوله رافعين علماً أبيض وكتبوا فيه : اقتلوا الثعالبي الكافر !! فسجن شهرين ثم خرج لينادي بالإصلاح الذي لم يرض عنه الفرنسيون ولا بعض المشايخ ، ولما احتلت إيطاليا ليبيا سنة 1911 حاول مساعدة المجاهدين وإرسال المساعدات فنقم عليه الفرنسيون صنيعه.

2- سنة 1912 قبض عليه الفرنسيون وأخرجوه خارج البلاد فأضربت البلاد ثلاثة أيام وأصر الشعب على رجوعه فأبى أن يرجع حتى يحقق الفرنسيون الإصلاح المنشود فقال له الفرنسيون : إن الحرب العامة على الأبواب فإذا انتهت الحرب قاموا بذلك ، فعاد إلى تونس سنة 1914.

3- ظل عاملاً في مجالات الإصلاح إلى أن اعتقل سنة 1920 وسجن في تونس ، ثم خرج من البلاد سنة 1923 وبقي خارج تونس حتى عام 1937 ، وكان سبب إخراجه هو مطالبته المستمرة بالحريات وعداؤه مع الباي – الحاكم – الجديد محمد الحبيب الذي كان من أصفيائه ثم لما تولى الحكم انقلب عليه وعلى مبادئه التي كان ينادي بها من قبل ، فغادر تونس إلى إيطاليا ففرنسا ، ثم إلى مصر فالحجاز ، ثم استقر به المقام في العراق حيث درّس في جامعة آل البيت ببغداد منذ سنة 1925 إلى سنة 1930 ، ولقد استفاد منه العراق فانتدبه للإشراف على البعثة الطلابية العراقية إلى مصر ، ومثّل العراق في مؤتمر الخلافة بمصر سنة 1925 الذي دعا إليه شيخ الأزهر عقب إسقاط الخلافة في اسطنبول ، وقد قيل إن ترشيحه ليشرف على الطلاب في مصر هو لإبعاده عن العراق التي كان له فيها مكانه عالية أخافت ذوي الأمر من الإنجليز وأذنابهم.

4- ثم ترك العراق إلى مصر ، ومنها سافر إلى الصين وسنغافورة وبورما والهند ، ثم عاد للقاهرة ومنها إلى تونس حيث استقبل استقبالاً حافلاً من الشعب وكاد الشعب يتوّجه عليه لكن قطعت فرنسا عليه الطريق حيث أعلنت حالة الحصار على البلاد ، وأنشأت المحاكم العرفية ، وهذا أدى إلى أن ينزوي في بيته ويتفرغ للتأليف والمحاضرات – أحياناً – إلى أن توفي سنة 1944 قبل أن يمتع ناظريه برؤية الاستخراب الفرنسي مطروداً من أرضه لكنه كان بلا منازع من أهم العوامل التي أسست لهذا الاستقلال وعملت له بجد واجتهاد.

أهم أعمال الثعالبي رحمه الله تعالى :

أولاً : فضح مخططات الفرنسيين وادعاءاتهم الباطلة :

فقد وقف عقبة كأداء أمام مؤامرة تجنيس فرنسا للتونسيين بعد الحرب العالمية الأولى ، وظل يكتب في الصحف المصرية وغيرها مفنداً هذا الأمر ومبيناً خطورته.

- وقد استطاع أن يظهر بوضوح أن تونس قبل الاحتلال الفرنسي كانت تملك مقومات النهضة وقد قطعت خطوات مهمة في ذلك الطريق فجاء الفرنسيون ليهدموا كل ذلك ، وليس الأمر على العكس الذي يريده الفرنسيون ويذيعونه ، وقد نشر في ذلك مقالات جيدة.

- فضح المخططات التنصيرية الفرنسية ، وكشف زيف ادعاءاتهم بأن مسلمي شمال إفريقيا كانوا نصارى ثم دخلوا في الإسلام ، وبين أن هذا غير صحيح تاريخياً ، وبين أيضاً أن ادعاء الفرنسيين أن أهل شمال إفريقيا من أصل غربي ادعاء عار عن الصحة.

- بين كيف استولى الفرنسيون على خيرات تونس فذكر أن مساحة تونس تبلغ 9 ملايين هكتار – والهكتار ألف متر مربع – منها مليون هكتار أراض جبلية ، ومليون ونصف المليون غابات وأحراش ، ومليون غير صالح للزراعة ، وهناك خمسة ملايين ونصف المليون أراض صالحة للزراعة استولى الفرنسيون على أكثرها ، واستولوا كذلك على مناجم الفوسفات والرصاص و الحديد والفحم الحجري وغير ذلك.

- أراد الفرنسيون كتابة تاريخ تونس باللهجة العامية ، واعتمادها لغة رسمية للتعليم والخطابات الرسمية ، وكان الثعالبي وراء إفشال هذا المشروع ومشروع آخر له صلة به وهو إصدار معجم اللغة العامية ، وكانت جهوده تلك من خلال كتابته المقالات الكثيرة ضد هذه المشاريع في صحيفة (التونسي).

- كشف عوار سياسة التعليم الفرنسية ، وبين أنها ترمي إلى إيجاد أيد عاملة وليس عقولاً مدبرة ، وأوضح أيضاً كيف عملت فرنسا على محاربة اللغة العربية والدراسات الإسلامية والتاريخية ، وهذا الذي أزعج فرنسا فأخرجته من تونس وضيقت عليه خارجها ، وقد أوضح كل هذا وغيره في كتابه (تونس الشهيدة) الذي نشره بالفرنسية ثم عُرّب بعد ذلك ، وعدت فرنسا كل من يقرأ الكتاب عدواً لها ، وجعلت من قراءته جُنحة يعاقب عليها.

ثانياً : الدراسات التي قام بها عن المسلمين في أقطار كثيرة :

كان الثعالبي قد ارتحل طويلاً ، وجال في بلاد كثيرة ، وهذا ساعده على أن يقف على أحوال المسلمين في بلاد عديدة ، وكتب كل ذلك بالتفصيل ، وإني لأعجب من مثقفينا وذوي الرأي منا كيف لم يستفيدوا من تلك الكتابات ومن ثم يبنون عليها ويطورونها ، فمن جهوده في بيان أحوال المسلمين وأوضاعهم :

- التقى عشرات من زعماء المسلمين وكبارهم ومثقفيهم وأعلامهم ، واقترح عليهم أموراً من شأنها أن ترتقي بالمسلمين ، وقد قابل زعماء منهم الملك عبد العزيز والإمام يحيى ، والنحاس باشا في مصر.

- وصف أحوال الخليج العربي العلمية والثقافية في مسقط ودبي والبحرين والكويت ، وبين أن تجارة اللؤلؤ تجلب الرزق الوفير لأهل الخليج لكنهم لا يستفيدون من ذلك المال حق الاستفادة في عمل مشاريع في البلاد إنما يودعونه في المصارف الهندية ، وقد ذكر الأستاذ عبد العزيز الرشيد في (تاريخ الكويت) أنباء الاحتفالات به وما أنشد من القصائد ابتهاجاً بقدومه إلى الكويت.
- وتحدث عن اليمن وأحوالها الاقتصادية ، وبين أنها بلاد ذات حضارة ومدنية ووصف ما رآه فيها وصفاً جيداً.

- وبين أحوال المسلمين في الهند ، وكيف انتشر الإسلام هناك بدون دعوة مخطط لها أو حركة قوية من المسلمين ، وقد قدم تقريراً عن مسألة المنبوذين في الهند إلى رئيس المؤتمر الإسلامي محمد أمين الحسيني وكان تقريراً جليلاً مفصلاً غاية التفصيل وبين فيه رغبة المنبوذين في اعتناق الإسلام ، وقد بين في تقريره حقيقة تخفى على أكثر المسلمين إلى يومنا هذا ألا وهي أن حركة الاستقلال في الهند كانت بيد زعماء المسلمين وهم الذين ابتداؤها إلى أن خطفها غاندي منهم ثم نسبت إليه !!

- وذكر أحوال المسلمين - على هذا المنوال - في مناطق كثيرة ، واقترح اقتراحات عديدة اقتصادية وسياسية وثقافية لكن أين من يأخذ بكلامه واقتراحاته ؟!

ثالثاً : جهوده السياسية في العالم الإسلامي :

لم يكتف الثعالبي بجهوده السياسية في تونس ، إنما امتد عطاؤه إلى البلاد العربية والإسلامية ، فقد شارك في مؤتمر الخلافة الإسلامي في القاهرة استجابة لدعوة شيخ الأزهر المسلمين للنظر في قضية الخلافة ، وقد كان الثعالبي في العراق آنذاك مدرساً فاختاره العراق ممثلاً له ، وكان ذلك سنة 1925.

وكان عضواً مؤسساً في المؤتمر الإسلامي الذي عقد في القدس سنة 1931 في المسجد الأقصى ، وقد اختير مفتى فلسطين محمد أمين الحسيني رئيساً لهذا المؤتمر ، واختير الثعالبي رئيساً للجنة الدعاية والنشر وعضواً في المكتب الدائم للمؤتمر.

رابعاً : جهوده السياسة في تونس :

كان الثعالبي قد جمع بين الوعي الديني والوعي السياسي ، مازجاً ذلك بثقافة إسلامية جيدة ، فكان لذلك شوكة في حلق الفرنسيين وأتباعهم من التونسيين ، وتجلت جهوده السياسية في مظاهر عديدة منها:

·شارك الثعالبي في حزب (تونس الفتاة) الذي كان ينادي بالارتباط بالخلافة الإسلامية والسلطان عبد الحميد ، وانتقاد نظام الحماية الفرنسي ، والدفاع عن الحضارة الإسلامية.

· سافر بعد الحرب العالمية الأولى إلى باريس ليكون فيها أثناء انعقاد مؤتمر الصلح – مؤتمر فرساي – وقد سمع أن الرئيس الأمريكي ويلسون سيحضره ، وهذا الرئيس كان قد أعلن مبادئه الأربعة عشر لعقد الصلح ومنها حق الشعوب في تقرير مصيرها ، فسافر ليعرض القضية التونسية وحاول في باريس أن يجمع بين قلوب المسلمين هناك على تعدد أجناسهم ، واتصل بزعماء الحركات التحررية في العالم الذين كانوا في باريس أثناء مؤتمر الصلح ، وأصدر هناك كتاب (تونس الشهيدة) الذي أشرت إليه آنفاً ، وقدّم إلى المقيم العام الفرنسي في تونس الذي كان في باريس آنذاك مذكرة طالب فيها بإلحاح برفع إجراءات الحظر على الصحافة التونسية فألغت فرنسا على أثرها قرار تعطيل الصحف ، واتصل بالرئيس الأمريكي ويلسون وبالحزب الاشتراكي الفرنسي ، وعارض في باريس حصول تونس على قرض مالي ، وكل ذلك أدى بالفرنسيين إلى سجنه في باريس ومرسيليا ، وأعيد إلى تونس ليسجن هناك أيضاً.

· إنشاء الحزب الدستوري وتولي رئاسته وذلك سنة 1920 ، ولما ضيق عليه في تونس خرج منها سنة 1923 ثم جرت أحداث عديدة انشق الحزب الدستوري على إثرها شقين ، وأسس حسن قلاتي الحزب الإصلاحي الذي تقرب إلى فرنسا ، وكان المتنازعون قد أرسلوا إليه قرابة 150 رسالة فكان على ذكر تام بما جرى هناك ، ولما عاد الثعالبي إلى تونس حاول استرداد الزعامة في الحزب الدستوري وفي الحياة السياسية التونسية لكنه أخفق ، ولعل السبب في ذلك طول غيابه عن بلده ، على أن الناس قد استقبلوه في بلده إثر عودته استقبالاً جليلاً وكان هناك ثلاثون ألفاً ينتظرونه في ميناء العاصمة لكن ذلك لم يكن كافياً لاستعادة زعامة الحياة السياسية في ظل مؤامرات فرنسية وارتباطات مشبوهة لأذيال تونسية ، وقد تعرض لمحاولتي اغتيال في تونس بعد عودته أثناء طوافه بالبلاد التونسية لجمع الشمل واجتماع الكلمة .

مؤلفاته :

للثعالبيكتب قليلة ومقالات كثيرة ، وكتابته بليغة مؤثرة كخطابته، وقد ألف بالفرنسية (روح القرآن الحرة) وألّف (تونس الشهيدة) ، وألف بالعربية (معجز محمد رسول الله) صلى الله عليه وسلم وله مئات المقالات بالعربية والفرنسية لا أدري ما حالها اليوم وهل جمعت أولا ؟ وله محاضرات مطبوعة في مجلة جامعة آل البيت في بغداد من سنة 1926 – 1928.

أقوال تمدح الثعالبي :

- محمود زكي باشا : (كنت من أشد الناس إعجاباً بذكائه الباهر وفصاحة لسانه ، وسعة اطلاعه ، وغزارة علمه ، وفرط حميته الإسلامية ... وكان لا ينفك عن التكلم باللغة العربية الفصحى).
- محمد لطفي جمعة : (هو من أشرف البيوت وأعظمها ، وله الكلمة العليا والصوت المسموع والأثر المحمود من أقصى تونس إلى أقصاها ، بل شمال أفريقيا كله).
- حامد المليجي محرر جريدة البلاغ : (وفي مؤتمر القدس كان الثعالبي خطيباً متحمساً فاستعرض التاريخ منذ ظهور الإسلام وتلألؤ قوته إلى الحالة التي وصل إليها أهله اليوم ، ثم ناشد المجتمعين أن يعملوا لاسترجاع المكانة التي كانت لأمتهم فقال : انسوا الماضي ولا تبكوا واعملوا وأصلحوا).
- الشاعر العراقي معروف الرصافي : (أعظم خطيب عربي عرفه هذا القرن).
- محمود أبو الفتح في جريد السياسة المصرية 16/5/1926: (إن مكانته في تونس هي مكانة سعد زغلول في مصر ، وإنني لا أنسى الثعالبي في باريس عام 1919 في عاصمة فرنسا يثير الأرض والسماء على فرنسا في تحرير تونس ، يثير أحرار الفرنسيين على سياسة الاستعباد).
- وقال الأستاذ محمد الفاضل بن عاشور : (عبد العزيز الثعالبي واحد من ذلك الرعيل من المجاهدين المسلمين في الوطن العربي إبان الحملة الاستعمارية التي اجتاحت المشرق الإسلامي ، وقد تميز هذا الرعيل بطابع خاص فهم لم يكونوا زعماء سياسيين أو مجاهدين وطنيين أو صحافيين أو كتّاباً أو مصلحين اجتماعيين ، وكلهم كانوا كل ذلك مجتمعاً في شخصياتهم القوية الصلبة التي واجهت الاحتلال الأجنبي مضحية بكل ما تملك).
- وقال الأستاذ أبو القاسم محمد كرّو : (إني لأزعم بأن أحداً من التونسيين المناضلين حديثاً والجوابين بعلمهم قديماً لا يضاهيه فيما حققه من إشعاع وتركه من صدى في معظم أنحاء آسيا والعالم الإسلامي).
والعجيب أن تونس كرّمته سنة 1989 أي بعد وفاته بخمس وأربعين سنة بدعوى أنه جاهد لاستقلال تونس ، وحكام تونس اليوم يئدون جهود الثعالبي ويذهبون بها أدراج الرياح.

خامساً : نظريات ومطالب مهمة دعا إليها :
- الإيمان العميق بالحرية ، والدعوة إليها بقوة.
- المناداة بالوحدة العربية حتى أنه اتهم من قبل بعض الباحثين بالقومية المحضة ، وهذا بعيد عن قامة مثل الثعالبي لكن الحق أنه كان ينادي بها لتكون من ثم نواة للاجتماع الإسلامي ، وما جهوده ورحلاته في العالم الإسلامي إلا برهان لما ذكرته ، والله أعلم.
- عدم الاعتراف بالحدود المصطنعة التي جعلها الاستخراب العالمي خنجراً في خصر الأمة حتى لا تتعاون التعاون الحقيقي المفضي إلى استعادة عزتها وسيادتها.
- الدعوة إلى العمل المؤسسي والجماعي ، وهذا في زمانه رأي تقدم به على كثير من غيره من المصلحين.
- الدعوة إلى العلم التخصصي المثمر فالاقتصادي يتعمق في علمه ، والعالم الطبيعي يضبط علمه ويستنفد جهده في هذا العلم حتى لا تتشتت الطاقات والجهود.
- تربية الأجيال على الإسلام والثقافة العربية والإسلامية ، وكان يرى أن هذا هو السبيل لطرد الغزاة واستعادة السيادة.
- الدعوة إلى التجديد ومقاومة الجمود والتخلف في الجامعات والمؤسسات العلمية الأخرى ، وبناء العقل بناء حراً من التقاليد والعادات الجامدة.

وبعد:

فهذا هو الثعالبي وتلك حياته موجزة لكنها معبرة عن تصميم وحماسة وجهد وبذل وتضحية، فما أحرى الشباب أن يقفوا عليها ويقتدوا بها ويستفيدوا منها، فرحمه الله رحمة واسعة ونفعنا بصنيعه وجهاده

نقله رضا المشرقي عن موقع التاريخ


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.