رئيس الحكومة يتعهد بقانون إصلاح المنظومة الصحية    البرلمان يشرع في مناقشة مشروع ميزانيته    نقابة القضاة تعلن تمديد الاضراب واستثناء بعض القضايا    حضور الأمن و الجيش لتوزيع قوارير الغاز بالڨصرين    لا إصابات جديدة محلية بكورونا في الصين    البحر ''يقذف '' ذهبا بأحد الشواطئ بالهند    جماعة بوكو حرام الإرهابية تذبح 43 مزارعا نيجيريا    الشرميطي لن يتولى هذه الخطة في النجم الساحلي    قام بتغييره للمرة الثانية...صلاح غاضب من قرار كلوب    طقس اليوم.. رياح قوية وأمطار رعدية بهذه الجهات    اليوم، تحذير من رياح قوية و أمطار بهذه المناطق    اليوم: دخول فصل الشتاء    وفاة و42 إصابة جديدة بكورونا    زيدان: أنا المسؤول عن الهزيمة أمام ألافيس    أخبار الملعب التونسي: بن عيسى «يحصّن» سليم نصر والرجيش آخر الوديات    «وول ستريت جورنال» السعودية تراجعت عن التطبيع مع الكيان الصهيوني    مغن كندي يجسد قصة حياة أوباما في فيلم سينمائي    ارتفاع احتياطي تونس من العملة الاجنبية الى ما يعادل 3ر22 مليار دولار بما يغطي 154 يوم توريد    بسبب جائحة كورونا....تأجيل أربعينية الفنانة نعمة إلى 14 ديسمبر    حدث اليوم ...بعد تهديدات إيران بالثأر ل«فخري زاده» الكيان الصهيوني في حالة رعب وتأهّب    هذا ما يفعله الطهو على الحطب بصحة الإنسان    بسبب الكورونا...الصناعات التقليدية في أزمة    أم العرائس .. الإيقاع بمروجي مخدرات وضبط 50 قطعة مخدرة وأموال    تنشط بين تونس و3 دول...الإطاحة بشبكات خططت لترويج 19 كلغ من المخدرات    المليكي: لا للتحيّل السياسي    تعبئة في عدة مدن فرنسية للتنديد بقانون"الأمن الشامل" واشتباكات متفرقة بين محتجين والشرطة في باريس    نكسة جديدة لحملة ترامب ... المحكمة العليا في ولاية بنسيلفانيا ترفض شكاوى تزوير الانتخابات    مع الشروق..مقاربة جديدة للتعاطي مع الأزمة    نحو تغيير عقوبات الصكوك دون رصيد    إصابة والي القصرين ب«كورونا»    أولا وأخيرا... حمّام النهضة وشفرة عبير    في مناوشة خلال الجلسة، البحيري للرحوي: نحب نذكّرك الّي وقت أحنا كنا نناضل ضد الاستبداد أنت كنت من الصبابة والقوّادة    المرسى: إلقاء القبض على شخص من أجل السّرقة من داخل محلّ مسكون    نوّاب يطالبون بهدنة اجتماعية عاجلة    عملاق صناعة اللقاحات في الهند يعتزم البدء في انتاج لقاح لفيروس كورونا خلال اسبوعين    مسرحية "لنڨار".. أو تونس بتفاصيلها المبكية المضحكة    يوميات مواطن حر: طموح الوعي    يوميات مواطن حر: سحر الجاذبية من سحر الشذى    محمد نجيب عبد الكافي يكتب لكم من مدريد: اللغة والهوية    الخطوط التونسيّة: تراجع عائدات النقل ب67 بالمائة إلى حدود 436 مليون دينار    أبو ذاكر الصفايحي يسأل بإيجاز واختصار: أليس خلق الإيثار أفضل سبيل لإنقاذ هذه الديار؟    يوميات مواطن حر: لقاح الجائحة من زوالها    كاس رابطة الابطال - دور تمهيدي - النادي الصفاقسي يفوز بخماسية نظيفة على نادي مالندج زنجبار    حسن بن عثمان: هذا ردّي على هؤلاء الذين ينعتوني ب"السكّير"!    رابطة الابطال.. السي آس آس يذّل ملانديج الزنجباري    حليمة عدن تعتزل عالم الأزياء    توقعات بإحداث 52 ألف موطن شغل جديد خلال سنة 2021    اتحاد تطاوين يضم احمد الهمامي والمهاجم الجزائري محمد عطية    مدنين: القبض على شخص من أجل تحوّزه على بندقيّتي صيد وأسلحة بيضاء دون رخصة    قفصة: تدافع وازدحام للحصول على الغاز المنزلي    127 عملية حجز في حملات للشرطة البلدية    اليوم اختتام مهرجان نوادي المسرح ببن عروس    الإعلامي والأكاديمي ناجح الميساوي «التلفزة الوطنية»: لم أفكّر قطّ في التخلي عن العمل التلفزي رغم مرارة الجحود    أزمة حاويات ديوان التجارة    طقس اليوم.. أمطار ورياح قوية    كأس رابطة الأبطال الإفريقية: اللقب التاسع للأهلي المصري    القضاء العادل يحمي البلاد والعباد    أولا وأخيرا: تنسيقيات الصعاليك    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





جاذبية التصفيق
نشر في الحوار نت يوم 01 - 09 - 2010

التصفيق ظاهرة تستحق التركيز،وتشنف الآذان،و تسترعي الانتباه من حيث نشأتها ،و تعريفها و عبثيتها،و عدواها..
فالتصفيق هذه الكلمة ذات البعد الدلالي و الإيقاع الموسيقي و الإيحاء المستتر،و التوظيف المختلف المتباين،عبر التاريخ و حتى يومنا هذا .تجاوزت إبداء الإعجاب و إظهار التقدير،إلى كونها ممارسة ثقافية ذات بعد وظيفي تختلف بناء واستخداما و أداء و تأويلا من مجتمع إلى آخرومن ثقافة إلى أخرى.و تتوسل في ظهورها أشكالا متباينة و متعددة ،فمن الفلكلوري إلى البروتوكولي إلى الإتكيتي.فتجد تصفيقا حارا و حادا و آخر باردا أو صامتا،ومهما يكن شكل التصفيق لكنه موجود و بقوة.
فملاحظة التصفيق وإن بدت شكلية أو تافهة ربما عند البعض إلا أن الراصد للظواهر الإجتماعية تستوقفه مثيلاتها،لما لها من الإفادة.
فالشكل و إن بدا عرضيا إلا أنه ينبؤ ولو بقدرعن كنه حامله أو الموصوف به .
و إن كان لا يعرف على وجه الدقة متى بدأ الإنسان التصفيق ،إلا أنه من المسلم به أن التصفيق مفردة من مفردات لغة الجسد.ليس الجسد الفردي فقط بل و الجسد الجمعي لكل الناس أيضا.
لذا فإنه من غير الممكن الإدعاء بأن التصفيق عرف في مجتمع أو حضارة ما قبل الحضارات الأخرى .لكن هذا لا يعني أنه سلوك مستحدث،فقد عرفت الشعوب التصفيق منذ آماد غابرة سحيقة.فقد استعمله الأنسان الأول بعد أن استوقفه اكتشاف (التصدية) إثر لطم اليد لأختها(ضرب كف بكف)إشارة نداء أو تحذير للغير من مسافة بعيدة، أو تنبيه و إرشاد لخطر داهم أو قضاء زاحف ،أو قصد نش لطائر أوتفزيع لصيد.
وقد ظهر من خلال الأبحاث الأركولوجية في أرض الكنانة ما دل بالحفريات و البحوث الآثارية على وجود نقوش مصرية قديمة تظهر المصريين القدامى وهم يمارسون عملية التصفيق بالترافق مع طقوس إحتفالية كالغناء و الرقص.وهو ما أبدع في فنونه المصريون،و اتخذوا له التصفيق إيقاعا أساسيا لضبطه.
وفي كتاب (لماذا يصفق المصريون) يشير الدكتور عماد عبد اللطيف إلى أن اليونانيين ربما كانوا أقدم شعوب الأرض التي عرفت مهنة المصفق المأجور،أي الشخص الذي يصفق لقاء عطاء مادي نظير التصفيق المتحمس لمسرحية ما أو أداء موسيقي ما.
فقد كان بعض المؤلفين المسرحيين الذين يعرضون مسرحياتهم على مسرح ديونيسيوس يؤجرون فئاما من الناس تمارس التصفيق لمسرحياتهم أمام لجان التحكيم التي تقوم بتقييم المسابقات المسرحية
و مع اليونانيين تحولت وظيفة التصفيق من وسيلة لضبط الايقاع الموسيقي و الغنائي، الى وسيلة لاظهار استحسان الجمهور وإعجابهم بالعروض المسرحية أو الموسقية أو الغنائية . وتذكر كتب التاريخ ولع طاغية روما الشهير( نيرون )بالتصفيق إذ أسس له مدرسة خاصة تعلم أصول التصفيق و أنه كان يأمر ما يقارب من خمسة آلاف فارس وجندي من أفراد الجيش بحضور الحفلات الموسيقية التي كان يغني فيها وهو يعزف على القيثارة؛ ليصفقوا له بعد أن ينتهي من الغناء والعزف.
وهذه لعمري سابقة تحفظ له فقد كان بلاؤه في العروض العزف ، و بلاؤهم فيها التصفيق . أما بلاؤنا في طواغيت العرب اليوم فعلى طريقة برامج ال((تولك شو)) في القنوات الفضائية العربية .talk show
أو برامج عروض النكت التلفزية المركبة التي تسمع فيها النكتة لا تعجبك ولكن سرعان ما تأتيك أصوات الضحكات وضوضاء التصفيق الحاد المجلجل ، و إن كانت مملة كقائلها.
فجمهور المصفقين نحتاجه ليغطي قبح الناطق، وليجمل صورته أمام الحضور. فطواغيتنا على ضرب من الصفاقة لايحسنون العزف ولا يملون التصفيق.
وسرت عدوى التصفيق من الفراعنة و اليونانيين الى العبرانيين القدامى و إن إختلفت الدلالات وافترقت الغايات , فقد طبع في "أشعيا"و"المزامير" بعاطفة الفرح الانساني المحبب للرب :
ففي المزامير , يأمر الرب البشر بالتصفيق قائلا :"أيها الناس صفقوا بأيديكم ,إرفعوا أصواتكم إلى الرب محملة بالفرحة ,لكي يخشى المولى الأجل الأعلى , الملك الأعظم في كل الأرض"
أما المسيحيون فقد عرفوه مع الكهان مبكرا في سجعهم إذا استحسنوه وفي التصفيق الإيقاعي في حفلات الزواج والتعميد الكنسي،و هو ما يعني أن التصفيق في الكنائس القديمة كان يقوم بمهمتين ،الأولى ضبط الإيقاع،و هي امتداد لوظيفته عند الفراعنة،و الثانية إظهار الإستحسان،و هي إمتداد لوظيفته عند اليونانيين.
ثم شاع منذ عصر الرومان حتى غدا ممارسة ثقافية و شعيرة تواصلية،بل عرفا مستقرا ، و يرجح العلماء والدارسون من المتخصصين في علم الإنسان (الإنثروبولوجيا) و باحثو الآثار و الحفريات القديمة أن تطوره تم تلقائيا كسلوك مكتسب عبر مراحل نماء تدريجي بدأ بالملاحظة و المحاكاة والتقليد ،و تطور بالتوجيه و الإرشاد ،و تم صقله بالخبرة والممارسة. و كأي مهارة تواصلية فقد برع فيه بعض الناس و أصبحوا الأقدر على انتخاب أفضل الأوقات و أنسب الكيفيات وساقوا بذلك دفته إلى أبواق الصفاقين...
فما التصفيق إذن..!؟؟
التصفيق حالة انفعال وجداني كامن يخترق اللحظة و يصبغ النفسي بالجسدي في حركة سيكولوجية تتحدث لغة جسدية بامتياز ،فتعطل الألفاظ و تفعل الحركات و الإيماءات و الإشارات،و تخلط الشعور باللاشعور . فيتبدى الشعور في الإعجاب رضا و استحسانا و تشجيعا ،لما نشاهده أو نسمعه أو نعرض له من نجاحات نصنعها أو يصنعها الآخرون .
وينكمش فيما دونه سخطا يتجلى في رسائل سالبة غير التي إعتدنا عليها, على ضرب من المفارقة والتمايز لما سلف , تظهر في ابطاء الايقاع وزيادة الفاصل الزمني بين كل تصفيقة وأخرى . في بعد رمزي نابذ ومفارق، يتوسل صورة الغاظب المصدوم الذي يضرب كف يده بجبهته أو كف يده بركبته .
وقد تعرض لهذا التصفيق المتباطئ رئيس الوزراء البرطاني السابق توني بلير عندما كان يلقي خطابا في جموع نسوية بالمعهد البرطاني للمرأة في يونيو 2000 حيث قابت النساء حديثه عن الرعاية الصحية باستخفاف فصفقن بتياطؤ لمدة لم تكن قصيرة مما تسبب له في تعرق وحرج , دفعه للتوقف عن الكلام لفترة .
وتسربت عدوى التصفيق من الإعجاب والإستحسان بالعروض المسرحية أو الموسقية أو الغنائية عند اليونانيين، الى تصفيق جنائزي حار يحل محل دقيقة الصمت عند تأبين الراحلين من مشاهير الرياضة تخليدا لذكراهم .
ومن رقصات دراويش الصوفية وتصفيقهم في قاعات وزوايا الذكر التركية الى حماسة تصفيقاتهم في تأبين وتوديع من مات لهم .
أما الوجه الآخر من التصفيق فيصنف بالحار او (الحامي) وتعرفه ساحات الملاعب الرياضية ، ودور السنما العالمية ، وقاعات المآمرات (المؤتمرات) والقصور البرلمانية العربية ,فما إن يخرج الرئيس أو الأمير او الملك حتى ترتفع حناجر المصفقين بالتهليل , وأكفهم بالتصفيق الحار ويهبون وقوفا ولأطول مدة ممكنة .وما إن يتكلم حتى يقاطعوا خطابه بتصفيق حماسي مبالغ في طوله، لتحريك وتهييج مشاعر الرأي العام أو لتضخيم الهالة من حول القيادة السياسية .
عرف العالم التصفيق بضوابطه اذ لايكون إلا لسبب مستحق: إما عرفانا لجميل أو إظهارا لإعجاب أو إشادة بموقف ,أو تأييدا لمشروع .
أما نحن معاشر العرب فقد عرفنا التصفيق إمتهانا للكرامة وطلبا لفتات حق من مغتصب له , أو طلبا لخدمة.. ونيل حضوة كاذبة عند سلطان جائر.
بتنا نصفق حتى ذابت بصمات أكفنا من حرفة التصفيق .. نصفق أكثر مما نأكل ونشرب .. ولعا نصفق .. هلعا نصفق.. وخلفنا تصفق الأبواب .
نصفق وآخرون يجرون صفقات في ظل صخب تصفيقنا الببغائي , وبين التصفيقات والصفقات ضاع الوطن وارتسم إشكال مابين التصفيق و الكلمة من جدل وما بين الحرية والفعل من تباين.
وأمام هذه الطقوس الشعائرية من التصفيق يتطاوس الممدوحون على خشبة الوطن ورقعة المواطن وروح الدساتير . وينفشون ريشهم ومصفقيهم ضمائر غائبة ومستترة , فيظل بهم صدى التصفيق مجلجلا وأكف المصفقين حمرا .
وقبل الختام لابد لي من إحالة على فوائد التصفيق في ما ذكره الدكتور الكوري (تشو يونغ تشون ) الذي سلخ من عمره 30 سنة بحثا في فوائد التصفيق فقال ما نصه : "صفقوا لمدة 30 دقيقة يوميا , كي تتمتعوا بالصحة والعافية وحسن الحظ.. !"
وفي المثل الفرنسي :" يظل الطفل بريئا حتى يتعلم التصفيق .."
وفي المثل العربي :"اليد الواحدة لا تصفق.."
ومع ذلك :( يظل التصفيق الوسيلة الوحيدة التي تستطيع أن تقاطع بها أي متحدث دون أن تثير غضبه) وهذا شيء من سحر ما فيه .

علي يحيى 31/08/2010


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.