تونس وكندا تعزّزان شراكتهما: مذكرة تفاهم مع مقاطعة نيوبرنزويك في التعليم والصحة والتشغيل    عاجل: والي بنزرت يعلن تحويل حركة المرور بعد فيضان وادي سجنان    نمو الاستثمارات المصرح بها بنسبة 39،3 بالمائة خلال سنة 2025    محطات رصد الزلازل تسجل رجة أرضية شمال شرق ولاية تطاوين بقوة 3.2 درجة على سلم ريشتر    ايام قرطاج لفنون العرائس: أكثر من مائة تلميذ يلتحقون بمسابقة المطالعة    مواعيد جديدة لسفينة ''قرطاج'' بسبب سوء الأحوال الجوية    سليانة: الأمطار تعيد الحياة للسدود و هذه التفاصيل    المنستير: وفاة تلميذ بعد تعرّضه للطعن داخل معهد    النادي الصفاقسي يطالب بتسجيلات الVAR ويعلن الشروع في تتبعات عدلية    عاجل/ "الصوناد" تصدر بلاغ هام للمواطنين..    مصالح الديوانة بالمعبر الحدودي برأس جدير تحبط محاولة تهريب ما يناهز 5.5 كيلوغرام من مخدر الكوكايين    فيديو : سطو مسلّح وتفجيرات: عملية سرقة لشاحنة تنقل أموال تهز جنوب إيطاليا    أيام الدعم المسرحي بصفاقس من 9 إلى 12 فيفري 2026    فيتامينات ماتجيش مع القهوة...دراسة علمية تكشف    تحذير طبي عاجل: لا تستخدموا المناديل المبللة على الجروح أبدا!    زيت الزيتون التونسي: كنزٌ عمره آلاف السنين يُهان ويُباع بثمن بخس ب3.5 يورو للتر الواحد، وفقًا لصحيفة فايننشال تايمز    عاجل/ هذا الفريق يطالب بفتح تحقيق في هذه المباراة..    لبنان: مصرع 14 شخصا جراء انهيار مبنى في طرابلس    تظاهرة الاكلة الصحية من 10 الى 15 فيفري 2026 بدار الثقافة فندق الحدادين بالمدينة العتيقة    مركز النهوض بالصادرات ينظم لقاء لتقييم وتثمين المشاركة التونسية في التّظاهرة الكونيّة "إكسبو أوساكا "    رمضان 2026: تجميد أسعار المواد الأساسية وضبط أرباح الخضر واللحوم والأسماك    بطولة النخبة: النتائج الكاملة لمنافسات الجولة التاسعة ذهابا من مرحلة التتويج    تونس تحتضن الدورة الدولية المفتوحة للجودو من 13 الى 15 فيفري بمشاركة 33 دولة    وفتاش تنجّم تسجّل للحصول على سكن على طريق الكراء المملّك؟    بعد أزمة مسلسلها الرمضاني: شكون هي مها نصار اللي شعّلت الجدل مع هند صبري؟    توزر: تسارع التحضيرات لشهر رمضان في المنازل وحركية في المطاحن التقليدية    عاجل/ عقوبات تصل الى السجن ضد مرتكبي هذه المخالفات..    يهم التلاميذ..التوقيت المدرسي لشهر رمضان..#خبر_عاجل    عاجل/ تحذير من هبوب رياح قوية: منخفض جوي يهدد هذه المناطق التونسية..    هجرة التوانسة إلى كندا: هذه الإختصاصات المطلوبة    عاجل/ "خامنئي" يوجه هذه الرسالة للايرانيين..    عاجل : وفاة ملكة جمال بعد حادث أمام سكنها الجامعي    صداع "اليوم الأول".. خطوات هامة لتصالح مع فنجان قهوتك قبل حلول رمضان..    رمضان : أفضل وقت وماكلة للإفطار عند ارتفاع الكوليسترول    رمضان 2026: رامز جلال في مقلب صادم يشبه Squid Game    وفاة الإعلامية والأديبة هند التونسي    "لست نادما"..اعترافات صادمة لقاتل زوجته وابنته..وهذا ما قرره القضاء في حقه..    عاجل: هذه الدولة تعلن أن 18 فيفري هو أول أيام رمضان فلكيًا    عاجل/ من بينهم رضيعان: غرق مركب حرقة قبالة هذه السواحل..وهذه حصيلة الضحايا..    أمطار غزيرة بأقصى الشمال الغربي:مرصد سلامة المرور يُحذّر مستعملي الطريق    موعد جديد للندوة الصحفية للناخب الوطني "صبري اللموشي"    عاجل/ قضية المسامرة..تزامنا مع محاكمة الغنوشي وقيادات من النهضة..المعارضة توجه هذه الرسالة لأنصارها..    بطولة بو الفرنسية للتنس - معز الشرقي يفتتح مشاركته غدا الثلاثاء بملاقاة الالماني جوستين انجل    الإعلان عن التركيبة الجديدة للمكتب التنفيذي المنتخب لجمعية القضاة التونسيين    عاجل/ فضيحة جديدة..وثائق ابستين تطيح بهذه الوزيرة..    الاعلان عن تنظيم مسابقة للهواة في اطار مهرجان مساكن لفيلم التراث من 17 الى 19 افريل 2026    عاجل: الأمطار تتركّز اليوم على نابل وتونس الكبرى    بايرن يبتعد بست نقاط في الصدارة بفوزه الكبير على هوفنهايم    بنزرت: وفاة امرأة أضرمت النار في جسدها    كولومبيا: وفاة 13 شخصا جراء الأمطار الغزيرة    تواصل عمليات البحث عن الشاب حمزة غريق نفزة    الترجي الرياضي يعلن انهاء العلاقة التعاقدية مع المدرب ماهر الكنزاري    إيلون ماسك يخطط لبناء "مدينتين" على القمر والمريخ    من «سدوم» إلى إبستين ... عورات الحضارة وتكرار سنن السقوط    تحذير طبي عاجل من ترك اللحوم خارج الثلاجة لهذه المدة..مختصة تكشف..    أيام قرطاج لفنون العرائس .. فسيفساء عرائسية بصرية ملهمة فكريا وجماليا    رمضان على التلفزة الوطنية: اكتشفوا السيرة النبوية بحلة درامية جديدة    عاجل/ مدينة العلوم تكشف موعد حلول شهر رمضان..    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عودة إلى طرح قضايا المجتمع المدني
نشر في الوسط التونسية يوم 09 - 10 - 2009

يشكل التراث الفلسفي والسياسي للفكر الليبرالي الكلاسيكي الغربي، والفكر الماركسي سواء بسواء، سلسلة متصلة من الحلقات بعضها ببعض، على مستوى الفكر الإنساني، على الرغم مما قد تجد بينهما من تناقضات ومفارقات غاية في الجذرية والعمق، السلطة المرجعية المعرفية والنظرية والايديولوجية والثقافية، في تعريف ومفهوم المجتمع المدني بالمعنى الحديث، عبر المراحل والمحطات، التي قطعها في سيرورة تطوره، وفي ارتباطه بأشكال وصور الدولة السياسية الحديثة.
وليس من فيلسوف أو مفكر سياسي مهما أسبغ على المجتمع المدني من مفهوم وتعريف مجددين يستطيع أن يكون خارج هذا الإطار المرجعي الكلاسيكي الغربي، منذ بداية عصر النهضة الأوروبية 1450 1600، وامتداداً إلى عصر هيغل وماركس وغرامشي. ولقد أيقظت دراسة المجتمع المدني وعي الفلاسفة المختصين، والمفكرين السياسيين، من أجل بلورة المكونات المعرفية والنظرية، والايديولوجية الواضحة عنه، الأمر الذي جعل هذا المجتمع المدني، موضعاً لصراعات ايديولوجية، في سيرورة تطور المجتمع الغربي الحديث، حيث أصبح المجتمع الرأسمالي أو الصناعي التعبير التاريخي عنه بين مختلف المدارس الفكرية، سواء داخل النظرية الليبرالية بكل تفرعاتها، بداية من عصر النهضة والأنوار، باعتبارها التعبير التاريخي العام الفلسفي الايديولوجي والسياسي والاجتماعي عن المجتمع والدولة في العالم الرأسمالي الحديث والمعاصر، أو بين الليبرالية، والمدرسة الماركسية الكلاسيكية، ولعصرنا هذا.
وفي هذا التصدي لدراسة العلاقة بين المجتمع المدني والدولة السياسية وجوهر هذا التناقض المزدوج الذي يحكمها، سواء في ظل سيادة الديموقراطية البرجوازية في الغرب، أو في ظل نماذج الاشتراكية المشيدة قبل انهيارها، يهمنا أن نبدأ بتحديد المفاهيم والمنطلقات الرئيسية المرتطبة بالمجتمع عامة، والمجتمع المدني خاصة. ونحن نميز جذرياً بين المجتمع المدني القديم، باعتباره ثمرة من ثمار تطور المجتمع الإنساني لحظة انفصاله عن الطبيعة، والدخول في صراع معها، من أجل السيطرة عليها، وتكييفها لتلبية حاجاته الضرورية، وباعتبار أيضاً التمدن والمدنية، خاصية متأصلة في المجتمع الانتاجي، وسمة ضرورية، وواقعاً تاريخياً من التطور البشري، وقيمة حضارية، وإنسانية نبيلة، متولدة عن الغاية العليا، التي يعمل الاجتماع البشري على تحقيقها، متجسدة في مجموع الأخلاق وطرائق السلوك الاجتماعي، والقيم العامة، شكلت حالة من حالات جدلية الثورة الكبرى، التي عرفها التاريخ البشري، والتي قوامها السير التطوري، الذي قطعه الإنسان بفضل العمل أولاً، والنطق واللغة بعده، ليحقق وثبة قوية إلى الأمام متمثلة في ظهور عنصر جديد، انبثق مع الإنسان، على حد قول أنغلز، ألا وهو المجتمع، أو المجتمع المؤنسن، وبين المجهود العقلاني العصري للتحرر الحديث، لتحقيق المجتمع المدني المنعتق سياسياً في مناطق متعددة من العالم، باعتباره صفة جوهرية تاريخية وكونية، من صفات المجتمعات الحية السائرة في دوائر ودوران التطور والتقدم، وإن اختلفت عمقها، وشموليتها، ومداها، واتجاهها، باختلاف الشعوب والأمم والعهود، وبصرف النظر عن "التعرجات"، و"الانتكاسات"، والارتدادات المحلية الموقتة، الحاصلة هنا وهناك، في سير حركة التاريخ الجدلية.
يعتبر الكاتب جون إهربنرغ أن التنظيرات الحديثة للمجتمع المدني بدأت مع نهاية الحرب الباردة، وسقوط الأنظمة الشمولية في دول أوروبا الشرقية، حين يقول في المقدمة: "لم يكن بالأمر المفاجئ أن يصوغ الأوروبيون الشرقيون مفهوم المجتمع المدني على أساس الحدّ من سلطة الدولة المحدودة، وأن يعبر عنه الأميركيون بلغة توكفيلية جديدة عن التنظيمات الوسيطة. فإذا كان المجتمع المدني يعني، في مكان معين، النزعة الجمهورية الدستورية، ويعني في مكان آخر، الروح الطوعية المحلية، المدعومة بمعايير غير رسمية من التضامن والتعاون المتبادل، فإن كلا التوجهين الفكريين يسعى لأن ينظر إلى المجتمع المدني بوصفه ميداناً للفعل الحر الديموقراطي الذي يحد من غلواء تدخل سلطة الدولة".
يدرس هذا الكتاب التطور التاريخي، والسياسي، والنظري، للطريقة التي صيغت بها نظريات المجتمع المدني خلال ألفين وخمسمئة عام من مسيرة الفكر السياسي الغربي.
ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول ويعالج فيه الكاتب أصول المجتمع المدني، ويتألف من ثلاثة فصول، أما القسم الثاني، فيتطرق فيه الكاتب إلى دراسة المجتمع المدني في عصر الحداثة، ويتكون هذا القسم من ثلاثة فصول أيضاً، ويعالج الكاتب في القسم الأخير المجتمع المدني في الحياة المعاصرة، ولاسيما علاقة المجتمع المدني بالشيوعية، وعلاقة المجتمع المدني بالرأسمالية، والمجتمع المدني والسياسة والديموقراطية.
في الفصل الأول،الذي يحمل العنوان التالي: المجتمع المدني والموروث الكلاسيكي، يتطرق الكاتب إلى رؤية أفلاطون حول مفهوم المجتمع المدني، فيقول: سعى أفلاطون، وهو ابن عائلة أثينية بارزة، إلى مراجعة الاضطراب السياسي والأخلاقي لعصره بواسطة عالم فلسفي من المقولات المطلقة المعززة بمقترب معرفي عقلاني. ولد افلاطون العام 428 ق.م.بعد وفاة بيركليس بسنة واحدة، ونضج في بيئة شكلتها هزيمة أثينا العسكرية، والاضطراب الاقتصادي، والتأزم السياسي، والفساد الخلاقي. وكان دافعه لتاسيس المبادئ الأخلاقية للحكم استجابة مباشرة للتقلّب والاضطراب في عصره. وشكلت الأولوية التي منحها للمعرفة والسلطة السياسيتين نظرية في المجتمع المدني تدين لتصورها الموحد عن الحقيقة بقدر ما تدين للنفور الشديد من المصالح الخاصة والميادين المنفصلة. و لما كان أفلاطون غير قادر على التنظير حول الفرد، والجمال والخير، أو أي مقولة أخرى من مقولات الحياة الاجتماعية بمعزل عن الدولة، فإن فهمه للمجتمع المدني قد خذلته الشمولية التي جاءت به الى الوجود.
لقد تم التعبير عن المجتمع المدني في مستواه الأعلى، المستوى الذي استقى منه معناه الأساسي بوصفه الحياة السياسية الشاملة ل"المدينية" بحسب أرسطو، والنظام السياسي هو الشكل الأعلى للمجتمع البشري لأنه من عمل العقل، ولأنه يتوخى إشباع الحاجات البشرية، ويخلف إمكانية الحياة على نحو أفضل.
وما دامت المدينة هي "الأكثر أهمية من بين الأشياء التي يكونها العقل، ذلك لأن المجتمعات البشرية الأخرى كلها نظمت من أجلها"، فإن علم السياسة هو العلم الأنبل والأهم من بين العلوم التطبيقية كلها، ويجب أن يقوم بتوجيه العلوم الأخرى "بقدر ما بالخير الأسمى للبشرية".
المجتمع المدني والانتقال إلى الحداثة
يقول الكاتب: "إن الحقب الانتقالية ليست يسيرة على الإطلاق، والانتقال إلى الحداثة ليس استثناء. فلقد أسفر انحلال الحياة الدينية، والسياسية، والاقتصادية في القرون الوسطى إلى استشراء قدر عظيم من الفوضى والاضطراب، حال دون بلورة نظرية متسقة عن المجتمع المدني. إذ المقولات الجديدة برزت بعد، ولم يعد بالإمكان فهم المجتمع المدني بوصفه جماعية سياسية ودينية شاملة، ولكن البنى الاقتصادية والسياسية الحديثة كانت لا تزال في طفولتها الأولى. وكانت السلطة النامية للأسواق القومية والدول القومية تطحن، لبعض الوقت، بنى الإقطاع التراتبية للمكانة والرتب، والدرجات، والطبقات الاجتماعية، قبل الهجوم المدمر الذي شنه عصر النهضة وحركة الإصلاح".
لقد أحدث مكيافيلي قطيعة معرفية وسياسية مع القرون الوسطى عندما أخضع افيمان لمصالح الأمير والجمهورية المدنية. كما أن إفراد مارتن لوثر على حرية الضمير الفردي قوة كبيرة للسلطات السياسية التي كانت مسؤولة عن تنظيم المجتمع المدني حول الحاجات الظاهرية لمجتمع مؤمن.
كان النظام القديم السائد في أوروبا حتى القرنين السابع عشر والثامن عشر، يجمع بين عناصر الحكم المطلق من النظام الإقطاعي البالي، وبين عناصر البنية البرجوازية الصاعدة. فالملكية المطلقة باعتبارها جزءاً من نظم القرون الوسطى، قبلت بمذهب الحكم الدستوري الإقطاعي، ودول المدن الحرة، التي تطورت في العصور الوسطى، وعصر النهضة، وشكلت حضارتها. وارتبط نمو الملكية المطلقة بنمو الملكية الدستورية الاقطاعية، وظهور شرعية العائلات المالكة المتنفذة في السلطة. وكان الحكم المطلق يستند إلى جبروت القساوسة وعبثهم، وطغيان البابا ونفوذه في بلاط الملوك والأمراء، باعتبار البابا يمثل سلطة مرجعية وزعامة روحية على مجتمع الدول المسيحية، وعلى سلطان الكنيسة الديني والقانوني، التي اعتمدت عليها الملكية المطلقة، حيث كانت الكنيسة شريكة للحكم الوطني.
من المعلوم بوجه عام، إن الإطار الزمني للنظام القديم قد شهد صراعاً عنيفاً بين النظرية السياسية، التي ترى في السلطة السياسية ملكاً للشعب، وتقر بمشروعية مقاومة الحكم المطلق، وبالتالي ضرورة إعادة المراجعة في الاعتقاد القديم، ورفض قدسية السلطان الزمني، أي الحكم المطلق ضد النظام الدستوري، والتي عبدت الطريق كمؤسسة وطنية وسلطة مركزية، وبخاصة في فرنسا، باعتبارها رد فعل وطنياً إزاء حالة عدم الاستقرار السياسي والاضطرابات التي أفرزتها الحروب الدينية.
ولأن المجتمع المدني هو بالأساس ذلك المجتمع غير الديني، أي المجتمع المنعتق سياسياً من السلطة المطلقة الدينية التيوقراطية.واستلهمت العقود الأخيرة من القرن السابع عشر، بالثورة الانكليزية، التي امتدت من العام 1689 إلى العام 1714، والتي تمخض عنها إعلان حقوق البرلمان في العام 1689، الذي كان له أهمية عظيمة، حين أصبحت الملكية الدستورية، هي النظام السياسي السائد على الأمة، وفكرة العقد، بدلاً من الملكية الوراثية المستندة على نظرية الحق الإلهي. وهذه الثورة البرجوازية، أوقفت الحروب الدينية بين البروتستانت الانكليز، التي دامت قرابة قرن، من خلال إعلان الحرية الدينية، كما أن الصراعات السياسية وجدت طريقها إلى الحل، عبر إقامة توازن السلطات بين الملك والبرلمان. وفي خضم هذه الثورة، نهج الاقتصاد البريطاني الجديد مستفيداً من تطبيق قوانين الملاحة، التي شجعها عهد تشارل الثاني، والمكتسبات التي حققتها بريطانيا في المحيط الهندي، وأميركا الشمالية، واحتلال الانكليز مكان هولندا في احتكار التجارة الأوروبية، ولا سيما في البحر المتوسط، والمحيط الهندي، واستغلال المناجم والصناعة المعدنية، والإنشاءات البحرية، وصناعة النسيج وبداية صناعة القطن، ونمو الموانئ وبخاصة ميناء نيو كاستيل للفحم، وميناء بريستول المختص بالتجارة الثلاثية.
الفلسفة الليبرالية الكلاسيكية ومفهوم المجتمع المدني
شكلت دراسة تحرير الفلسفة السياسية من الارتباط باللاهوت، وكذلك السياق التاريخي الذي اتجه فيه الفكر نحو دراسة المعضلات السياسية في العهد الكلاسيكي على أساس عقلاني وعلماني تدريجي، لا على أساس ديني المكونات المعرفية للفلسفة الكلاسيكية العقلانية، منذ عصر النهضة، حيث أصبحت تشكل بين أيدي الفلاسفة والمفكرين السياسيين البرجوازيين سلاحاً فعالاً في محاربة الحكم المطلق، ومقاومة أسس ومبادئ النظام الاقطاعي الاستبدادي المتناقض جذرياً مع طبيعة الإنسان، في سبيل إرساء أسس ومبادئ النظام البرجوازي الجديد.
ولم تكن النظرية السياسية الليبرالية الكلاسيكية حول مفهوم المجتمع المدني، إلا جزءاً مما قصد أن يحصل منه مذهباً شاملاً من المكونات الفلسفية والمعرفية، مبنياً على نظرية الحق الطبيعي، التي أكدت على ضرورة بناء النظام الطبيعي، باعتباره نظاماً تحكمه قوانين طبيعية متماثلاً مع المراحل الأولى من تاريخ البشرية، حين كان الإنسان يعيش في حالة الطبيعة أي الحالة الأولى السابقة على ظهور المجتمع، وعلى نظرية العقد الاجتماعي، ونظرية السيادة، التي لعبت جميعها دوراً بالغ الأهمية في تكوين الفكر السياسي الليبرالي حول مفهوم المجتمع المدني، والدولة الديموقراطية البرجوازية، في القرن الثامن عشر.
لقد كان معظم المفكرين السياسيين في العصر الكلاسيكي ينادون بنظرية القانون الطبيعي أي القانون المنبثق، معاييره وأساسه ومبادئه من طبيعة الإنسان، وبنظرية حالة الطبيعة في مقابل حالة المجتمع، باعتبارها الحالة الأولى التي عرفتها البشرية، على الرغم من أن الفلاسفة والمفكرين السياسيين "تساءلوا" بصدد حالة الطبيعة "فقالوا ما هي الأفضل بالنسبة إلى الإنسان أن يبقى على حالة الطبيعة أم الأنسب بالأحرى أن يكون على حالة المجتمع؟ وهل كانت حالة الطبيعة حالة بؤس وتعاسة، فلم يفقد الإنسان شيئاً إذ يخلص من تلك الحالة أم أنها كانت على العكس من ذلك حالة سعادة وهناء، فهو قد أضاع جزءاً وكلا من بهجته في ابتعاده عنها؟ وفي سؤال جامع: هل حالة الطبيعة حالة شر أم إنها حالة خير بالنسبة إلى الإنسان".
حالة الطبيعة
يعتبر مكيافيلي أول فيلسوف للتاريخ ومفكر سياسي في العصر البرجوازي الصاعد، فضلاً عن أنه رائد للمجتمع البرجوازي الصاعد، حيث أنه استطاع أن يحرر السياسة من اللاهوت، واللاهوت من السياسة، ويؤسس علم السياسة، الذي أسهم اسهاماً حقيقياً في تطور وازدهار ذلك المجتمع البرجوازي. وهذا العلم السياسي الحديث المؤسس في عصر النهضة، هو ملازم منذ نشأته بتطور علوم الفيزياء والكيمياء، وإدخال الأساليب الرياضية في هذه العلوم، وبتطور العلوم الميكانيكية التي تستخدم الرياضيات، وعلم النفس الجديد، وبتطور التقنية والصناعة، وابتكار وسائل جديدة للانتاج، حيث أن مكيافيلي اعترف بمسألة التماثل بين وجود علم للسياسة وبين المحرزات الايجابية والتقدمية للعصر البرجوازي الجديد، وحيث أن المجتمع البرجوازي الوليد يسعى إلى السيطرة على الطبيعة، مثلما كان يقوم أيضاً على سيطرة بعض
يعتبر مكيافيلي أول فيلسوف للتاريخ ومفكر سياسي في العصر البرجوازي الصاعد، فضلاً عن أنه رائد للمجتمع البرجوازي الصاعد، حيث أنه استطاع أن يحرر السياسة من اللاهوت، واللاهوت من السياسة، ويؤسس علم السياسة، الذي أسهم اسهاماً حقيقياً في تطور وازدهار ذلك المجتمع البرجوازي. وهذا العلم السياسي الحديث المؤسس في عصر النهضة، هو ملازم منذ نشأته بتطور علوم الفيزياء والكيمياء، وإدخال الأساليب الرياضية في هذه العلوم، وبتطور العلوم الميكانيكية التي تستخدم الرياضيات، وعلم النفس الجديد، وبتطور التقنية والصناعة، وابتكار وسائل جديدة للانتاج، حيث أن مكيافيلي اعترف بمسألة التماثل بين وجود علم للسياسة وبين المحرزات الايجابية والتقدمية للعصر البرجوازي الجديد، وحيث أن المجتمع البرجوازي الوليد يسعى إلى السيطرة على الطبيعة، مثلما كان يقوم أيضاً على سيطرة بعض الناس على أناس آخرين.
ليس من شك أن مكيافيلي كفيلسوف سياسي، قد خلق المعنى الذي ارتبط بالدولة في الاستعمال السياسي الحديث، ألا وهو سيادة الدولة، أو الكيان السياسي ذي السيادة، "فالدولة كقوة منظمة لها التفوق على أرضها وتنهج سياسة واسعة من التوسع في علاقاتها مع الدول الأخرى، لم تصبح المؤسسة السياسية الحديثة والنموذجية فحسب، ولكنها أصبحت بصورة متزايدة أقوى مؤسسة في المجتمع الحديث".
ولقد كانت الميكافيلية "ميزه كل البلدان التي تحتاج مجتمعاتها لحكومة مركزية قوية قادرة على إلغاء الحدود الاقتصادية العائدة إلى القرون الوسطى، وآثار الاقطاع معها (...) لقد أنشأ ريشليو الدولة القومية الموحدة في فرنسا انطلاقاً من مبادئ مكيافيلية (...).
كما أن فختة، الذي نادى بالحرية وبأنماط التفكير البرجوازي، وهو مؤلف مرافعة عن ميكافيلي. أما هيغل، الذي عبرت فلسفته أوضح تعبير ايديولوجي عن البرجوازية الألمانية ما قبل 1848، والتي كانت متعثرة في تطورها الاقتصادي والسياسي من كل الجوانب، فإنه لم يقاسم مكيافيلي عدة أفكاره فعلاً فحسب، بل إنه أبدى تقديراً عالياً لها".
إن الخلل المنهجي في تفكير مكيافيلي يكمن في تصوره للتاريخ، باعتباره نمطاً من التفكير والاحساس قائم على عوامل طبيعية ثابتة تاريخياً، من دون أخذ في الاعتبار للعوامل والمتغيرات الاجتماعية، وانعكاساتها على الطبيعة البشرية ذاتها. فعناصر النفس البشرية، كالغرائز، والأهواء، التي تشكل مكونات الطبيعة البشرية، تظل ثابتة عند مكيافيلي، في حين أن منطق العلم الجديد، يقر بأن ما هو ثابت هو نسبي، وأن هذه العناصر عينها النفسية والفيزيقية الطبيعية، تتطلب دراستها، ورؤيتها ضمن الشروط المحددة من الواقع التاريخي، في إطاره الزماني والمكاني وفي تعاقب أطواره ومراحله.
أما طوماس هوبز (1588 1679)، فهو ينطلق في فلسفته السياسية، في تفسيرها للمجرى العام للتاريخ، وكل التحولات في الدولة، والسياسة والدين، وفي الأخلاق والقانون، من مفهوم الفرد معزولاً عن الآخرين. وحيث أن هوبز يتصور أن خصائص هذه الفرد تظل ثابتة و"متماثلة تماثلاً واعياً مع خصائص الأجسام اللاعفوية".
في معنى الحرية، التي لا يربطها هربز بالإرادة بالمعنى المثالي، إنما يرى الحرية موجودة ضمن ارتباطها بالعقبات والعراقيل، التي تحد من امكانيات الإنسان في التصرف، يقول: "ليست الحرية شيئاً آخر سوى غياب كل ما يمنع الحركة. ولهذا السبب فإن الماء المقفل عليه داخل إناء ليس حراً، الإناء يمنع جريانه، وبالعكس فإن الماء يغدو حراً عندما يتحطم الإناء. وكل واحد هو أكثر أو أقل حرية حسب امتلاكه للكثير أو للقليل من الحيز كي يتحرك.
ولهذا السبب فإن شخصاً سجيناً داخل سجن واسع هو أكثر حرية من سجين داخل سجن صغير. ويمكن للإنسان أيضاً أن يكون حراً من جانب دون أن يكون كذلك من جانب آخر. وهكذا، فإن أسيجة أو أسوار، من هذا الجانب أو من ذاك، من شأنها أن تمنع عابر السبيل من اتلاف الحقول أو الكروم التي تحاذي الطريق. والعوائق التي من هذا النوع هي عوائق خارجية، ومطلقة. وبهذا المعنى يعد كل العبيد وكل من هم خاضعون للعنف أحراراً شريطة ألا يكونوا مقيدين أو معتقلين.
إن محور فلسفة هوبز السياسية، محور عقلاني ومادي في الوقت عينه، خصوصاً وأنه تأثر تأثراً كبيراً بالاكتشافات العلمية التي قام بها معاصراه غاليلو وهارفي. ففي تعريفه للمجتمع المدني يقول هوبز، الطبيعة لم تغرس في الإنسان غريزة الاجتماع، والإنسان لا يبحث عن أصحاب إلا بدافع المنفعة والحاجة، إن المجتمع المدني (السياسي) هو ثمرة مصطنعة لميثاق اختياري لحساب قائم على المنفعة. ويميل منهج هوبز، مثله في ذلك مثل روسو وكانط إلى نظرية العقد الاجتماعي، فنقل الحق الطبيعي المطلق، الذي يملكه كل واحد في كل شيء، إلى شخص ثالث، بعقد يتم "بين كل واحد وكل واحد: "هو الاصطناع الذي يكون من الناس الطبيعيين مجتمعاً مدنياً (سياسياً)".
يتطرق الكاتب في الفصل ما قبل الأخير إلى التنظيرات التي برزت حول المجتمع المدني لدى المنشقين من أوروبا الشرقية الذين كانوا يعانون من الأنظمة الشمولية التي سادت طيلة مرحلة الحرب الباردة. كان من المفهوم أن تصورهم للمجتمع المدني ذي النزعة الدستورية الليبرالية والروابط الوسيطة، في تلك الظروف، يستهدف دولة الحزب الواحد البيروقراطية. لقد حققت "الاشتراكية القائمة" قدراً من الرفاه الاجتماعي، ولكن الديموقراطية السياسية كانت مسألة أخرى تماماً، وهذا يساعدنا على تفسير السبب الذي دفع الأوروبيين الشرقيين إلى التنظير للمجتمع المدني بمصطلحات ليبرالية جديدة.
الكتاب: المجتمع المدني: التاريخ النقدي للفكرة.
الكاتب: جون إهرنبرغ، ترجمة د. علي حاكم صالح، د. حسن ناظم، مراجعة فالح عبد الجبار.
الناشر: المنظمة العربية للترجمة، توزيع مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، شباط/فبراير 2008


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.