جلستان عامتان بالبرلمان الجمعة لتوجيه أسئلة شفاهية إلى وزيري التشغيل والشؤون الدينية    يهم التوانسة : سوق الفلاح يرجع    عاجل/ اندلاع حريق ببناية في باب سويقة..وهذه التفاصيل..    مفاجأة صادمة لسبب وفاة العندليب الاسمر ...العائلة تكشف    اتحاد الشغل يدين بشدّة العدوان الهمجي على لبنان    بمناسبة عيد الشهداء.. مجلس الجهات والأقاليم يؤكد ضرورة مواصلة النضال الوطني    كأس تونس لكرة اليد: تعيينات منافسات الدور ثمن النهائي    عاجل: بعد الأشغال ...بلدية تونس هذا شنوا تقلّكم على أسعار تذاكر البلفيدير    مسؤول إقليمي بمنظمة الأغذية والزراعة يؤكّد إلتزام المنظمة بمواصلة دعم جهود تونس في تحقيق التنمية الفلاحية المستدامة وتعزيز الأمن الغذائي    وزير السياحة: السياحة التونسية في نسق تصاعدي والوجهة التونسية تعزز حضورها في المنصات الرقمية    جلسة استماع للجنة المالية حول مقترحي القانونين المتعلقين بتنقيح وإتمام قانون ضبط النظام الأساسي للبنك المركزي التونسي    أُستاذ التّاريخ المُعاصر يحذر:''ستتحول الأعياد الوطنية في نظر الشباب إلى مجرد عطلة لا غير    جندوبة: زيارة ميدانية لمعاينة أضرار الانزلاقات الأرضية بعين دراهم    بريطانيا: يجب أن يشمل وقف إطلاق النار لبنان    المعهد الوطني للتكنولوجيا والعلوم بالكاف يتحصل على شهادة المطابقة للمواصفة الدولية ايزو 2018 21001    ملتقى خبراء التميز الرياضي البارلمبي يومي 11 و12 افريل بالمركز الدولي للنهوض بالأشخاص ذوي الإعاقة بقمرت    رسالة غاضبة تُكلفه غاليًا: النادي الإفريقي يفتح ملف فهد المسماري    علي يوسف يكشف المستور في بيان صادم    للي مبرمجين خرجة : شوفوا طقس الويكاند    عاجل : التقلبات الجوية ترجع ... برشا مطر و برد الجمعة الجاية    التمديد في إيقاف عناصر شبكة دولية لترويج المخدرات    سيدي البشير : الإحتفاظ بأب عنف طفله الرضبع بعصا!    وزارة التربية تنشر روزنامة الدروس الحيّة لمنصة "جسور للدعم والمرافقة"    المهرجان الدولي لفيلم الطفولة والشباب بسوسة: جلسة حوارية لتوعية الأطفال ضد خطابات الكراهية    الادارة العامة للكتاب تنظم يوما اعلاميا للتعريف بالمنصة الرقمية يوم 14 افريل 2026 بمدينة الثقافة    خبير أمريكي يحذر من خدعة ربما يعد لها ترامب بموافقته على الهدنة مع إيران    رابطة أبطال أوروبا: سان جيرمان وأتلتيكو مدريد يحققان الأفضلية ذهابًا    جثة تكشف شبكة تنقيب عن الآثار في المهدية ...شنوا الحكاية ؟    سفير إيران: جهود باكستان لوقف الحرب تقترب من مرحلة حاسمة    تونس تحيي الذكرى ال88 لعيد الشهداء    حداد وطني في لبنان على ضحايا الغارات الاسرائيلية..#خبر_عاجل    منوبة: حجز 800 كغ من السميد في محل لصنع الخبز التقليدي بالجديدة    درجات الحرارة اليوم الخميس الموافق لعطلة 9 أفريل..    ترامب يعلن: القوات الأميركية ستبقى حول ايران حتى تلتزم بالاتفاق..    الديمقراطيون في الكونغرس يتخذون خطوة نحو تفعيل التعديل الخامس والعشرين لعزل ترامب    مراجعة علمية تكشف عن فوائد صحية غير متوقعة للتين الشوكي    عاجل/ رصد هذا المرض ووزارة الفلاحة تحذر..    بهدوء ...نساء في ظلال الذّاكرة    سوسيولوجيا المقهى    ما مستقبل اللغة العربية في ظل الذكاء الاصطناعي؟    قصة....طيف من البلاستيك    حين يُصبح التصفيق وهمًا..    الاحتفاظ ب8 أشخاص من أجل شبهة القتل العمد والتنقيب عن الآثار..وهذه التفاصيل..    النبض الذي لا يُسمع    دخول مجاني للمواقع الأثرية والمتاحف    كلاسيكو مشوّق بين الترجي والنادي الصفاقسي: وقتاش ووين الفُرجة؟    بعد التقاعد: علاش كبار السنّ يحسّوا بأوجاع مزمنة؟...دكتورة تكشف الحقيقة    بشرى للتونسيين..ودعا ل"باقات" الفارينة..    تونس تشارك ب13 رياضيا في بطولة العالم للتايكواندو للاواسط والوسطيات بطشقند من 12 الى 17 افريل    قبل ما تشري : شوف الفرق بين خبز الفارينة و خبز النخالة ؟    تغيير مفاجئ في برنامج مباريات الرابطة الأولى: تعرف على المواعيد الجديدة    أذكار الاربعاء...ملازمكش تفوتهم    بين تراجع التزويد وتقاطع المواسم: ما سرّ غلاء المواد الغذائية في الأسواق؟    طقس اليوم: ارتفاع طفيف في درجات الحرارة    تكريم الطاهر شريعة في الولايات المتحدة: مسار ثقافي بين نيويورك وبرينستون وواشنطن    قبل فقدان الذاكرة.. إشارات خفية تكشف الإصابة بالخرف    كيف تُغذّي الصهيونية المسيحية نرجسية ترامب؟    لحياة أسعد وأبسط.. 6 دروس في الاكتفاء الذاتي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



صراع لا ينتهي على تركيا: الهوية والخيارات والدور

واجهت تركيا في الأسابيع القليلة الماضية ضغوطا هائلة في أكثر من قضية محلية وخارجية، تتصل جميعها بمسألة الهوية والانتماء والخيارات الإستراتيجية في تكرار ممجوج لدوّامة لم تنجح تركيا في الخروج منها منذ تأسيسها الحديث عام 1923.
ومع أن بعض جوانب هذه الإشكالية يزداد تجذرا، رغم بعض التقدم على مسارات حيوية مثل المفاوضات مع الإتحاد الأوروبي، إلا أن المعضلة التركية لا زالت تتمحور حول ثلاثة عناوين: المسألة الدينية والمسألة العرقية والخيارات الخارجية.
منذ تسلمه رئاسة الأركان في 30 أغسطس الماضي، خلق الجنرال ياشار بويوك أنيت واقعا جديدا تمثّل في استعادة العصبوية العسكرية المتشدّدة، يحدُوه في ذلك عاملان رئيسيان: الأول، أنه كان شخصيا مُستهدفا من جانب حزب العدالة والتنمية في الخريف الماضي مع اتهام القضاء له، وكان لا يزال قائدا للقوات البرية، بتشكيل عصابات مسلحة خارج القانون. ونُظر إلى الاتهام على أنه محاولة لقطع الطريق أمام وصوله كمتشدّد إلى رئاسة الأركان، فتح وصوله إلى أعلى سدّة عسكرية في الجمهورية الباب أمام إمكانية "الانتقام" ممّن حاولوا إقصاءه.
العامل الثاني، هو اقتراب استحقاق انتخابات رئاسة الجمهورية في مايو 2007، حيث يتوقّع المراقبون أن يسعى حزب العدالة والتنمية إلى إيصال مرشح من صفوفه، قد يكون رجب طيب أردوغان نفسه، خصوصا أنه يمتلك أكثرية مريحة جدّا في البرلمان، الذي ينتخب الرئيس.
رغم الإصلاحات السياسية الجذرية التي أجرتها حكومة العدالة والتنمية، فإن ممثل الإتحاد الأوروبي في تركيا هاينز كراتشمير قال بأن الجيش التركي عاد إلى نفوذه السابق في الحياة السياسية، في حين أن الجيش في الديمقراطيات الأوروبية يخضع لإمرة السلطة السياسية.
دائما، كان الجيش التركي يحمل حساسيات تتعلّق بالهوية العِلمانية للدولة تُجاه النِّزعات الإسلامية وبالسيادة تُجاه الخارج. وتتنازع القيادات العسكرية قناعات بأن استهداف دور الجيش التركي من الداخل والخارج، هو ضمن خطّة لرهن تركيا نهائيا لقوى الانفصال (الكردية) و"الرجعية" (الإسلامية).
ويحمِل قادة الجيش حساسية عالية جدا تُجاه الموقع الرسمي الأعلى، أي رئاسة الجمهورية التي هي، رغم أنها أقل أهمية من رئاسة الحكومة، إلا أنها "رمز" للجمهورية، التي أسسها مصطفى كمال اتاتورك.
وفي حال"سقط" هذا الموقع بيد رئيس إسلامي أو يدور في فَلَك حزب العدالة والتنمية، فإن إحدى العقبات الرئيسية التي لا تزال تقِف عقبة أمام مشاريع العدالة والتنمية تكون قد أزيلت. وبالتالي، تتسارع عملية "قضم" الدولة إلى حين ابتلاعها نهائيا، هكذا على الأقل، ينظر العسكر التركي إلى هذه المسألة.
من هنا، هذه الحملة المنظمة، التي تناوب على شنّها بالتكافل والتضامن رئيس الجمهورية أحمد نجدت سيزير وقادة القوات المسلحة الثلاثة، وفوقهم رئيس الأركان نفسه. وكان عنوان هذه الحملة أن "الرجعية"، أي النزعة الإسلامية، أي حزب العدالة والتنمية قد وصلت إلى مراحل غير مقبولة في محاولة "أسلمة" الدولة وتغيير طبيعتها العلمانية، وبالتالي، فإن الجيش لن يقف مكتوف اليدين.
فُسّرت هذه التصريحات على أنها تمهيد لانقلاب عسكري، ساهم في الترويج له الصحفي المعروف بقربِه من المؤسسة العسكرية أرطغرل أوزكوك، ما فتح الباب أمام تسيّد مسألة الانقلاب كل الكتابات الصحفية في الفترة الأخيرة، من دون أن يعني ذلك انقلابا عسكريا مباشرا، بل "انقلاب بوست مودرن" ما بعد حداثي على غرار "انقلاب" 28 فبرير 1997 ضد حكومة نجم الدين أربكان.
من الواضح أن الجيش لن يسمح بوصول أردوغان أو من يُشبهه إلى رئاسة الجمهورية. لذا، فهذه الحملة "الاستباقية" منذ الآن ل "حماية" العلمانية، وأن عدم إيصال مرشح لا يحظى بثقة الجيش، سيشكِّل ضربة معنوية لحزب العدالة والتنمية ويظهر أن السلطة في مكان آخر، كما سيُعيق ذلك خُطط الحزب، لإحداث تغييرات جوهرية تتطلّبها العملية الأوروبية في السنوات السبع المقبلة، مدة الرئيس الجديد، وخصوصا أن الحزب رهَن مستقبله السياسي بالتقدّم على المسار الأوروبي.
رئيس الوزراء التركي رجب أردوغان مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في حفل إفطار نظم على شرفها في إستانبول يوم 5 أكتوبر 2006
ضغوطات متلاحقة
من المطرقة العسكرية في الداخل إلى المطرقة الأوروبية غير المفهومة، التي تهوي على رأس حزب العدالة والتنمية. فالمستشارة الألمانية تتحدث أمام أردوغان عن "شراكة مميّزة" وليس عن عضوية كاملة. أما نيكولا ساركوزي الفرنسي، فمواقفه المعروفة ضد تركيا يجدّدها من وقت إلى آخر. لكن خطوة البرلمان الفرنسي بمبادرة الحزب "الشيراكي" لسنّ قانون يجرّم من ينكِر حصول إبادة أرمنية، كانت محيّرة، لكنها خطيرة في ملابساتها.
فما علاقة فرنسا بحدث تاريخي طرفاه ليسا فرنسيين، هم الأرمن والأتراك؟ لا أحد إلا ويجيب أنها الحاجة لأصوات الناخبين الأرمن في فرنسا في الانتخابات الرئاسية في عام 2007. لكن ذلك، وإن كان صحيحا، فليس سوى جزء من الحقيقة التي هي مُرّة في جوانبها الأخرى.
فالقانون الفرنسي الجديد يمَس ذاكرة وثقافة وتاريخ أمّة بكاملها، وليس بهذا الاستسهال يتِم التعاطي مع 73 مليون تركي. ثم أن تركيا تقع على خط تماس حضاري بين الإسلام والمسيحية. وبين فرنسا المسيحية وتركيا المسلمة، لا يمكن أن تمرّ مثل هذه القضايا الحساسة من دون تداعيات، خصوصا في مرحلة تتعدّد فيها مظاهر سلبية على مسار العلاقة بين الغرب والإسلام.
فالبابا بندكتس 16 يشن هجوما لاذعا على الإسلام والنبي محمد (ص)، والدانمرك تسيء بكاريكاتوراتها إلى رسول الإسلام، وها هي تجدّد الإساءة عبر شرائط فيديو، وتقوم إسرائيل بدعم غير خاف من الولايات المتحدة وقوى غربية أخرى بتدمير لبنان وتجوّيع الفلسطينيين، وكل هذا أثار غضبا عارما في الشارع التركي، لتأتي فرنسا وتسنّ القانون الأرمني وتأتي الأكاديمية السويدية وتمنح جائزة نوبل للروائي التركي أورخان باموق، الذي اشتهر بتأييده القول أن إبادة حصلت وذهب ضحيتها مليون أرمني.
لا شك أن حزب العدالة والتنمية مطمئِن إلى وقوف الشعب التركي خلفه ضدّ الخطوة الفرنسية، لكنها في الوقت نفسه تعكِس استخفاف أوروبا، ممثلة بفرنسا، بانعكاسات ذلك على العلاقة التركية مع الإتحاد الأوروبي، الورقة الوحيدة التي يراهن عليها حزب العدالة والتنمية، وهو ما قد ينعكس تذمّرا داخل العدالة والتنمية تُجاه مستقبل العلاقة مع الإتحاد الأوروبي ويعزز أيضا، وهنا الأخطر، النزعات القومية والدينية المتشدّدة داخل تركيا.
فهل هذا ما تريده أوروبا ميركيل وشيراك وساركوزي وغيرهم؟ الجواب مفتوح على كل الاحتمالات.
وسط هذه التطورات الضاغطة، تتحرّك المسألة الكردية في تركيا مع إعلان حزب العمال الكردستاني وقفا إطلاق النار، وصفه زعيمه المعتقل عبد الله أوجالان بالفرصة الأخيرة.
ويكتسب الإعلان أهمية أنه اتُّخِذ بالتنسيق المُسبق مع أكراد العراق، ولاسيما جلال طالباني المعروف بصلته الوثيقة بالأمريكيين، وهو ما يطرَح علامات استفهام ضاغطة على أنقرة بشأن الملف الكردي في شمال العراق وداخل تركيا.
تتلاحق الضغوطات على تركيا وعلى حزب العدالة والتنمية، فيما يبدو استعدادا لجولة جديدة من الصراع، الذي لا يتوقّع له أن ينتهي في الأمدين، المنظور والمتوسط، على تركيا هوية ودورا وخيارات.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.