يجري السعي في إطار مبادرة تشريعية إلى تحويل الديوان الوطني للبريد إلى بنك يقدّم الخدمات المالية الميسرة لطيف واسع من التونسيين في سياق سعي الجهاز البنكي منذ سنوات لاستقطابهم، وذلك في إطار توسيع قاعدة الشمول المالي في المناطق الداخلية والريفية. وبدأ مجلس نواب الشعب في دراسة مشروع قانون يتعلق بهذا الأمر، يقترح أن يقدم "البنك البريدي" خدمات بأسعار تفضيلية ورمزية لصالح "الفئات الهشة" المعنية بخطة الدولة للإدماج المالي والحرفيين والذين يعملون في القطاع الموازي. وتعرف فئات واسعة من التونسيين من ضعف الإدماج المالي نتيجة وجود اغلب شبكة المؤسسات المالية في المدن الكبرى وعدم توفيرها للمنتجات المالية الملائمة للطبقات محدودة الدخل وهو ما تتكفل به منظومة التمويل الصغير، فضلاً عن كلفة عمولات الخدمات على الحسابات الجارية وحسابات الادخار. دعم الادماج المالي في المقابل، للبريد التونسي الذي يوفر خدمة الادخار منذ 68 عاماً عدة خصائص في علاقة بقرب مراكزه من المواطنين وتوفير تسهيلات في فتح الحسابات حيث يبلغ عدد حسابات الادخار الخاصة لدى البريد أكثر من 4.5 ملايين حساب مقابل 1.8 مليون حساب لدى البنوك، وفق أحدث البيانات الرسمية المتاحة. وحسب عضو لجنة المالية في مجلس نواب الشعب زياد الماهر، تشكل جاهزية شبكة البريد التونسي الممتدة على كامل تراب البلاد عامل قوة لتحويله إلى بنك بريدي يوفر الخدمات للفئات المهمشة ماليا. وصرح الماهر في ذات السياق لإذاعة محلية إن "المهام الأساسية للبنك البريدي وفق مقترح القانون تتمثّل في فتح حسابات جارية وحسابات ادخار وتقديم خدمات الدفع والتحويلات المالية ومنح قروض ميسرة مع ضمانات منخفضة للفئات الهشة". وكشفت دراسة حول القطاع أصدرها المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية أن البريد التونسي يمكن أن يلعب دوراً مهماً للغاية في رفع العديد من التحديات التي تجابه البلاد عبر الحد من الفوارق الجهوية ومراجعة منظومة المقاصة المالية والإدماج المالي. وأشارت الدراسة التي صدرت عام 2023 إلى أن البريد يدير شبكة تتكون من 1042 مكتباً، 53% منها في المناطق الريفية. بالإضافة إلى ذلك، تتأتى 70% من مداخيل البريد التونسي من الخدمات المالية البريدية مقارنة ب 45% في عام 1999. وأظهرت الدراسة أن من خلال التجارب المقارنة التي اعتمدتها أن المملكة المغربية استطاعت أن تكسب أكثر من 10 نقاط مئوية في نسبة الإدماج البنكي خلال تحول البريد المغربي إلى بنك. ويرى مراقبون أن البريد التونسي هو المؤسسة المالية الأكثر جاهزية لوجستياً لاستيعاب المواطنين خارج الدورة المصرفية بسبب الامتداد الجغرافي لمكاتبها وعلاقة التونسيين التاريخية به. كما يبين المراقبون ان مقترح تحويل البريد التونسي إلى مؤسسة بنكية تجارية يمكن أن يحقق أهدافاً إيجابية في تحسين الادخار الوطني واستيعاب الأموال المتداولة خارج الدورة الاقتصادية، وذلك في إطار مساعدة البنك المتوقع على توفير القروض والسيولة المالية لفائدة الفئات الهشة والحرفيين بطريقة ميسرة. تكامل مالي وحول المنافسة المتوقعة بين البنك البريدي والبنوك التجارية يجري التأكيد على أنّ البريد سيخضع للمقاييس التي يضعها البنك المركزي والتي تسري على كل المؤسسات البنكية، غير أنه قد يكتسب صبغة تفضيلية في توفير قروض بنسبة فائدة أقل من التي تقدمها المؤسسات المالية الخاصة. وفي ذات السياق يتم التشديد على انه يمكن أن يقدم البنك البريدي المتوقع خدمات مالية بسيطة وآمنة للمواطنين، من حسابات ادخار، وتحويلات مالية، وقروض صغيرة. وأظهرت بيانات نشرها البنك الدولي في 2024 أن 37% من التونسيين فقط يملكون حسابات في مؤسسات مالية في حين تناهز النسبة 29% للنساء و32% لدى الأشخاص محدودي الدخل. وتشير بيانات احصائية إلى أنّ ما بين 30% و40% من السكان البالغين (2.5 – 3.5 ملايين نسمة)، وأكثر من نصف المؤسسات والمنشآت في تونس (245 – 425 ألف شركة مسجلة) لا تزال غير قادرة على النفاذ الى خدمات القطاع المالي الرسمي أو لا تحصل على ما ينبغي الحصول عليه من هذه الخدمات، وذلك على الرغم من وجود 12 مليون حساب مسجل في البنوك ومكاتب البريد. تعليقات