إنه غرق سياسي معلن، ستكون له تداعيات اقتصادية ومالية كارثية. فقد قال سيباستيان لوكورنو عنه إنه «أضعف رئيس حكومة في تاريخ الجمهورية الخامسة»، لكنه سيُسجَّل أيضًا كأقصرهم بقاءً في منصبه، بعد استقالته بعد 28 يومًا فقط من تعيينه من قبل الرئيس إيمانويل ماكرون. وللإنصاف، فقد انطلق من وضع سياسي عبثي، دون أغلبية في البرلمان، وهي العلة المزمنة ذاتها التي عانى منها سلفاه ميشال بارنييه و فرانسوا بايرو. لكن لوكورنو زاد الطين بلّة، حين أعاد إلى الحكومة الوزراء أنفسهم الذين رفضهم البرلمان سابقًا – أولئك الذين كانوا مع بايرو – رغم وعده بال«قطيعة». أما القشة التي قصمت ظهره، فكانت تخلّي اليمين (الجمهوريون) عنه، رغم حصوله على المناصب التي أرادها، ما سرّع في سقوطه المدوي. عودة لو مير تشعل غضب اليمين ما أثار غضب اليمين أكثر من غيره هو عودة برونو لو مير، الرجل الذي تولّى إدارة الاقتصاد و المالية في فرنسا طوال سبع سنوات، و كانت حصيلته معروفة : عجزٌ غير مسبوق في الموازنة، و تضخمٌ قياسي في الدين العام. الرجل كان قد غادر في «إجازة» إلى سويسرا لتدريس الاقتصاد، وقيل إنه وجد هناك راحته. لكن تلك الهدنة لم تدم طويلًا. عاد لو مير – المرتبط بعلاقات وثيقة مع لوكورنو – بذريعة «تلبية نداء الواجب». غير أن هذه الحجة لم تُقنع أحدًا. لوكورنو كان يعلم أنه يتجه مباشرة نحو سقوطه في الجمعية الوطنية، بعد أن فوّضها إعداد قانون المالية لسنة 2026 – هدية مسمومة – إثر تخلّيه عن استخدام المادة 49.3 التي تخوّله فرض قراراته على النواب. لكنه أضاع ما تبقى من رصيده السياسي الهش بتشكيله حكومة «العائدين من الماضي». أما الرئيس ماكرون، فيتحمّل بدوره مسؤولية جسيمة في هذا الفشل، إذ صادق على كل الأسماء، وعلى رأسها لو مير وزيرًا للجيوش. بعد العقوبة السياسية، جاءت العقوبة الاقتصادية. انهيار في بورصة باريس وارتفاع في كلفة الدين مؤشر "كاك 40" في بورصة باريس انهار بشكل لافت بأكثر من 2% صباح الاثنين 6 أكتوبر عند الساعة العاشرة (08:00 بتوقيت غرينتش)، عقب إعلان استقالة لوكورنو. وبعد هذا الهبوط المفاجئ، تراجع المؤشر بنسبة 1,91% عند الساعة 08:30 بتوقيت غرينتش. وبالتوازي، ارتفع العائد على السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات، الذي يشهد توترًا منذ أشهر، ليصل إلى 3,61% قبل أن يتراجع قليلًا إلى 3,57% عند الساعة 08:30 بتوقيت غرينتش، أي بزيادة قدرها 7 نقاط أساس مقارنة بالإغلاق السابق. و قال أنطوان أندرياني، رئيس قسم الأبحاث في XTB فرنسا: «إذا تم تجاوز عتبة 3,60%، فقد تتعرض الديون الفرنسية لهجمات مضاربية واسعة، ما سيزيد من توتر الأسواق». و كان مؤشر "كاك 40" قد أنهى تداولات الجمعة الماضية بارتفاع طفيف نسبته 0,31% (أي 24,91 نقطة) ليستقر عند 8.081,54 نقطة، أي على بعد أقل من 100 نقطة من رقمه القياسي المسجّل في مارس. و أضاف أندرياني : «استقالة لوكورنو تُغرق المشهد السياسي في حالة من الغموض، والمستثمرون يخشون تأثيرًا متسلسلًا على السياسة الاقتصادية والمالية». الأسهم البنكية في المقدمة و الخسائر تتسع من بين أكبر الخاسرين في البورصة، أسهم "بي إن بي باريبا" (-6,00%) و"كريدي أغريكول" (-5,56%). والأسوأ من ذلك، شركة "سيب" المتخصصة في الأجهزة المنزلية الصغيرة، التي انهارت أسهمها بنسبة 21% لتصل إلى 52,05 يورو، بعد أن خفّضت توقعاتها للنتائج السنوية بسبب ضعف الطلب. ويبدو أن المشاكل الحقيقية لم تبدأ بعد… ماكرون في مواجهة العاصفة المشهد المقبل سيتوقف على الرئيس الفرنسي وقدرته على إخراج «أرنب جديد من قبعته». فإيمانويل ماكرون بات في الواجهة، يواجه أزمة متعددة الأوجه بعد «فرار» رئيس حكومته، الرجل الوحيد الذي شارك في جميع الحكومات منذ 2017. و يبدو أنه هو الآخر، مثل سابقيه غابرييل أتال وإدوار فيليب (اللذين رفضا المشاركة في الحكومة الجديدة)، لا يريد أن يغرق مع الماكرونية في مشروع محكوم عليه بالفشل. حتى ولاء لوكورنو له حدود. فهو لا يزال في التاسعة والثلاثين من عمره، أي أصغر من أن «يموت سياسيًا». أما ماكرون، الرئيس الأكثر رفضًا في تاريخ الجمهورية الخامسة، فعليه الآن أن يحمل صليبه وحده حتى 2027... إن استطاع الصمود حتى ذلك الحين. لكن من الصعب أن يقاوم الضغط المطالب باستقالته. لقد خضع لإغراء حلّ البرلمان، ولم يستطع مقاومة «زرّ الحلّ» الذي ضغط عليه ظنًا منه أنه سيحصل على أغلبية أوسع، لكن قراءته الخاطئة قد تطيح به قبل الموعد المنتظر. تعليقات