بالتوازي مع عرض مسرحية «الحكماء»، يسعى المخرج المنجي بن ابراهيم حاليا الى بلورة عمل مسرحي جديد، يضيفه الى مسيرة حافلة بالأعمال المرجعية التي راهن فيها على الفرجة الفنية والمقاربة الفكرية وحاول من خلالها محاربة التشاؤم والدفع نحو حياة متفائلة حتى وهو يطرح الدراما والمأساة والترجيديا، حيث تناول بالتحليل والتشخيص العلاقات الإنسانية والروابط العائلية بنظرة حداثية معاصرة وبين من خلال اعماله ان علاقاتنا ببعضنا البعض اصبحت سيمتها الاساسية الرغبة في الابتعاد والشك في كل شيء والنفور الدائم، طارحا اعادة النظر في ماهية هذه الروابط التي تتلاشى بدعوى ضروريات الحياة الحديثة ومقتضياتها. وينأى المنجي بن ابراهيم بمسيرته عن المسرح التجاري ويركز على الجانب المتوحش في الإنسان التواق للظلم وللتجبر ليقول اننا نعيش في عصر ضرب القيم النبيلة والمبادئ ويواصل الاستلهام من النصوص القديمة ليؤكد وجهة نظره.»الصباح» تحدثت معه عن هذا العمل الجديد وعن مواضيع ذات علاقة بالمسرح التونسي فكان هذا اللقاء: * لديك عمل مسرحي جديد وتعيش حالة مخاض فهل من جديد تقوله لمريديك؟ - كل عمل جديد هو في الحقيقة قديم في داخلي ونتيجة تراكمات واهتمامات وترجمة للهواجس والقضايا المطروحة آنيا في محيطنا القريب والبعيد . هذه القضايا احللها اشخص عللها واترك فيها المجال للمشاهد يفكر ويبحث لها عن حل او بديل وان تمت خلالها الاشارة الى حل او بديل فيبقى ذلك مجرد اقتراح. وعملي الجديد هذا يذكرني بمسرحية «ميديا» التي انجزتها في بدايات فرقة «المسرح اليومي». «ميديا» تخمرت في ذهني 12 سنة بحثت خلالها عما اضيفه لها وهي التي تمت معالجتها وإعادة مسرحتها في بلدان عديدة ورأيت ان اجعل من «ميديا» اثنين « داخل وخارج « ليس بمعنى الخير والشر او الابيض والأسود باعتبار ان داخلنا كخارجنا مليء بالتناقضات.. ونص مسرحية «الباب» ايضا للكاتب الفلسطيني الراحل غسان كنفاني بقي معي قرابة 21 سنة وأنا انتظر اللحظة المتاحة لانجازه بعد ان لامنى زميل من العراق وحملني وكل المسرحيين العرب مسؤولية تجاهل هذا الكاتب الكبير.. وبحكم علاقتي بالمهرجانات العربية تأكدت من انه لم يتم تقديم اي نص لكنفاني، فاقتنيت مجموعة مسرحياته قرأتها فاستوقفتني مسرحية «الباب» لأهمية التناول وعمق الموضوع وفلسفة الأبعاد وجدت انها شبيهة بمسرحية «السد» لمحمود المسعدي. انتظرت الفرصة السانحة وعندما شاهدت الراحل ياسرعرفات في رام لله محاصرا في بيته من طرف الكيان الصهيوني بالأسلحة الثقيلة ولكنه يستقبل الضيوف الذين يقدمون له ما يشد به ازره وهو شامخ شعرت وقتها بأنني انا المحاصر وانه رمز للإنسان المعاصر المسجون، عرفت وقتها انه يمكنني انجاز «الباب» وتقديمها للناس . * عملك الجديد سيكون بالفصحى أم بالدارجة التونسية؟ -عملي الجديد عنوانه «قال جبران» مأخوذ عن نص «النبي» لجبران خليل جبران هذا الذي ساهم في تطوير المكتبات العربية والمكتبة الامريكية لأنه كتب باللغة الانقليزية وترجم نص «النبي» مثلا الى 50 لغة وقد اهتم الغرب اهتماما كبيرا بجبران ووضعه في مرتبة عالية جدا كفيلسوف وكأديب وكشاعر لكن اين اهتمام العرب بجبران؟ وأنا اتشرف اليوم بتناول جبران برؤية مسرحية انطلاقا من المسرح التونسي وأنا سعيد بهذا التناول الذي قررته هذه السنة وسأخرجه من خلال نقله من العربية الفصحى الى العامية التونسية رغم انني من انصار الفصحى، ولكن اللغة الدارجة في المسرح لها وزنها وأحب الوقوف عندها والترجمة الى الدارجة التونسية القريبة من الفصحى تضيف الى النص لان لهجتنا خالية من التحريف. * هل استقر رأيك على الاسماء التي ستؤدي شخوص المسرحية؟ -أنا بطيء في اختيار الممثلين والكاستينع عندي مرحلة صعبة جدا تحتاج الى الكثير من التأمل والتدقيق. عند توزيع الادوار تجدني امعن النظر الى الممثل فيخال انني لا اعرفه والحقيقة انني اكون بصدد تخيله صلب الشخصية لأرى قدرته على ان يحمل على عاتقه العرض المسرحي و لأرى ان كانت سحنته تتماشى مع الشخصية وأنا حاليا بصدد البحث عن ممثل لدور مختار الشخصية المحورية في المسرحية.. شخصية قوية وشاملة في علاقاتها الانسانية لها ابعاد اخرى وتتكلم بلغة قريبة من الصوفية وبرموز لا بد من اكتشافها. المسرحية تدور في ساحة مدينة ملآنة بالناس اختزلتهم في 5 او 6 شخصيات و من الاسماء المقترحة ابراهيم مستورة وفتحي بوسهيلة وحليمة داود او محمود عبد الرحمان؟ * لا نرى لك في هذه الاقتراحات نجما يمكنه أن يضمن الشباك ويجلب الجمهور؟ - النجومية لا تهمني وانما تهمني الكفاءات التي اتمكن من الانسجام معها وأنا افضل مثلا «المهلوس» اذا وجدت معه تجاوبا قد لا اجده مع نجم لان النجومية فيها اشكاليات. وقد اتعامل مع النجوم ولكن النجومية ليست شرطا اساسيا والحمد لله كل اعمالي رغم خلوها في اغلب الاحيان من النجوم فيها جمهور. ان نص «النبي» بمثابة حجة الوداع اي ان بطله سيقول للناس كل ما عنده لذا اريده بطلا يفرض الاحترام يعبر عن كنه النص ولا يضره النص اريد بطلا مواظبا ملتزما. ان اختيار الممثل المناسب للشخصية المناسبة مهم جدا وهو سبب من اسباب نجاح العمل ولكن نجاح العمل الفعلي يحتاج للعمل الاعلامي المتقن. * متى يتخلص المسرح العربي من نزعة البكاء على الاطلال؟ -نحن نتأثر بالكتب التي نقرؤها ونحنّ الى الماضي ونستمد منه ونحترمه ونؤمن به كل هذا وارد ولكن ان نتوقف عند الاطلال ونضل نبكي فهذا لا يصح وخاصة في الفن وبالأخص في المسرح لان المسرح هو بمثابة القافلة الثقافية الفكرية التي تتقدم بسير حثيث الى الامام .. ونحن مجبرين على ان نكون سابقين لعصرنا لا نتوقف.. نحن نعاني وعقدتنا تاريخنا.. لنا تاريخ كبير والأسلاف فوق الرأس لكن لا للبكائيات على الاطلال ولابد من التفكير في كيفية التنافس مع كبار القوم وان نكتشف وان نسعى للبحث في كل المجالات من منطلق الواجب.. المسرح يدعو الى التقدم والى التطور والمواكبة. * الدعم دافع أو معرقل للحركة المسرحية؟ - فلسفة الدعم هي ميزة في المسرح التونسي يجب أن نحافظ عليها فبفضله مسرحنا ليس تجاريا وله البعد الثقافي والتوعوي والتجريب فيه مبرر ومحبذ والفن مقترحات ولكن نقيّم ونجادل وننقد وهنالك ديناميكية بيني وبين الفرجة.. انا لا احبذ ان ارى نمطا راسخا في ذهني وهنا يكون دور الدعم هام جدا لهذه الحياة المسرحية المتجددة التي تعتمد البحوث والجدية في تناول المواضيع.. انا احتاج كمسرحي الى الدولة التي اذا آمنت بي تشجعني وهو ما يوجد علاقة جديلية بين الدولة والمبتكر والفنان المفكر وقيمة المنتوج وضرورة الدعم ثم تدخل قيمة الدعم، لان المسرح مثل بقية القطاعات يخضع الى التأثيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية اي انه ليس بمعزل وهو ما اثر على مقادير الدعم والعروض المدعومة من حيث العدد والتأخير والتباعد في دفع المنح وهذا أثر على الوضع الذي لا بد من ايجاد وسائل لإصلاحه وضبطه لان كل الميادين الثقافية مرتبطة بكل الامور الحيوية في البلاد. وأنا ارى ان الثقافة لها قدسية تقتضي الاهتمام بها ومراعاة الدعم الذي تستحقه ودعم المثقف الذي اختار الثقافة كحياة وكتطور حضاري وتنوير وذوق وفكر وإيمان بالقيم.. الثقافة التي يجب أن نشجعها هي التي تفيدنا دون ضحك على الذقون تمتع وتؤنس وهذا ليس في مقدور اي كان ومن يقدر لا بد من دعمه. * تقييمك للحركة المسرحية في تونس بعد الثورة؟ -انا اقيس المسرح بالسنفونية التي لا تقبل الغلط والنشاز وتكون دقيقة معتمدة على الاتقان.. وقد انتظرنا ان لا تكون الثورة فوضى بل دعوة للاستشراف والعمق الفكري وحاجتنا الى الحرية هي لتقدير المسؤولية في بناء المجتمع لا لشعار» افعل ما تريد» لان هذا يسقطنا في الفوضى. وأنا كمسرحي تهمني السياسة ولكنني لا امتهنها ولا انشط ضمن أحزاب، اتابع الانجازات السياسية واهتم بتطوراتها وأريد ان اكون رقيبا على هذا الحراك السياسي لان كلمة الحق تهمني وتعديل المسار في مجتمعي من حيث السلوكيلات والعلاقات والتطورات الفكرية والحضارية عموما يهمني ومفهوم الديمقراطية بالنسبة لي ليس افعل ما شئت، وانما الديمقراطية عندي هي الدكتاتورية على الذات والانا التي لا تحترم غيرها. صحيح انا ضد القمع والدكترة والصرامة يجب ان تكون على الذات وتبدأ باحترام الغير وحرية التعبير لا تشمل الشتائم او النظرة الاحادية في اكتساب الحق وانما هي النظرة الشاملة التي تعتمد على الاحترام المتبادل لذا ارجو ان يتوفر هذا الاحترام بانفتاح عقلاني اكثر وبتفهم البعض للبعض في صيغ اكثر سلاسة وأكثر وعي وفي ادراك حقيقي للانسجام المجتمعي الذي حلمت به طويلا كل الثورات الانسانية.