خاميس رودريغيز يحرج كريستيانو رونالدو    هذا الاحد في المنستير: مؤتمر وطني حول "النسيج التونسي التحديات والآفاق"    وزير الداخلية: الوضع الامني في البلاد في تحسن مستمر    لقاء مع الروائي محمد عيسى المؤدب باتحاد الكتاب التونسيين    تأجيل إضراب قطاع توزيع المنتجات البترولية    كان مقررا غدا الجمعة.. تأجيل إضراب قطاع النفط والمواد الكيميائية    منزل مدرب باري سان جرمان يتعرض للسرقة    مقتل 18 شخصا في هجوم انتحاري بأكاديمية للشرطة بالصومال    مهدي بن غربية: الحكومة تعمل مع مختلف الأطراف على إحداث مراكز لإيواء اللاجئين    قضية "التمويل القطري للنهضة".. الحزب الدستوري الحر يتظلّم ويطلب لقاء وزير العدل    بتهمة الاعتداء على تلاميذ.. مدير مدرسة ومعلّم يمثلان أمام ابتدائية الكاف    وزارة المراة تشرع في اعداد مشروع الخطة الوطنية الخماسية لتطوير قطاع الاسرة في تونس للفترة 2017 - 2022    مختار الكوري يمضي للنادي الافريقي عقدا بموسمين ونصف    وفد وزاري يزور سيدي بوزيد    هيئة الإفريقي تهدّد بغلق "الفيراج"    خبراء صندوق النقد الدولي ينهون المراجعة الثانية لاتفاق التسهيل الممدد مع تونس    الاولى من نوعها في تونس: تظاهرة للحث على ممارسة الرياضة    لماذا يجب أن تقدّمي الأرز لطفلك الصغير؟    وصفة البيض المسلوق تخسرك 10 كغ خلال أسبوعين...    عدد السياح الوافدين على تونس سنة 2017، فاق التقديرات المرسومة    وزارة الدفاع الوطني : إنتداب تلامذة ضباط صف لجيش الطيران ذكور و إناث ..    بين بوحجلة والشراردة: وفاة شخصين في اصطدام شاحنة بسيارة محمّلة بقوارير الغاز    صابر الرباعي في افتتاح الدورة 39 للمهرجان الدولي للتمور بتوزر    سوسة: إيقاف شخصين من اجل التحرش الجنسي وإغتصاب أنثى دون رضاها    نائب ترامب يؤجل زيارته إلى إسرائيل    فيديو/ وهبي الخزري يتغلب على عبد النور ويؤهل ران إلى ثمن نهائي كأس فرنسا    قد تكون عنوان صفحة جديدة: هيئة "السي أس أس" توجّه رسالة شكر لهيئة النجم    مسؤول في صندوق النقد الدولي: هذا موعد صرف القسط الثالث لتونس... وقانون المالية 2018 تضمن عديد الإصلاحات    صيني يلقي بنفسه وسط النار لينقذ هاتفه الجوال    المنستير: القبض على تكفيري مفتّشا عنه من أجل "الانضمام إلى تنظيم إرهابي"    فرنسا تستعد لمنع الهواتف الذكية في المدارس    الخميس: سحب عابرة والحرارة تصل الى 23 درجة    إسرائيل تقصف مواقع عسكرية ل"المقاومة" في غزة    سيدي بوزيد: إضراب قطاعي بمختلف المدارس الابتدائية    "شيفروليه كورفيت"الجديدة تغير مفاهيم السيارات السريعة    ظافر العابدين يروي تفاصيل دخوله مجال الفن    وفاة حامل بعد إصابتها بأنفلونزا (H1N1    "توننداكس" يستهل معاملات الاربعاء متطورا 0.04 بالمائة    مقتل مخرج المسلسل الشهير "نور"!    توقيع بروتوكول تعاون مشترك بين أيام قرطاج المسرحية ومهرجان شرم الشيخ الدولي    الدكتورة آمال موسى تشارك في مؤتمر حول الإسلام السياسي ب"البندقية"    اعتراف للنساء دون قاضي تحقيق ولا عصا بوليس!    دواء السكري قد يستخدم لعلاج السرطان!    النظامَين السعودي والمصري نَّسقا مع ترامب خطوة الاعتراف بالقدس كعاصمة للكيان!!    بيان تضامني من أجل القدس    نهاية علي عبد الله..من ينقذنا؟    مقاربة علمية لمواجهة التطرف الديني    هل أتاك حديث غزوة البطحاء والإتحاد؟    لماذا المنظمة الديمقراطية للثقافة ؟    فيديو و صور من كارثة انقلاب حافلة سياحية بباجة    الخطوط التونسية تتسلم قريبا أربع طائرات إيرباص    التوقعات الجوية ليوم الأحد 03 ديسمبر 2017    خبير اقتصادي يحذر من انهيار تام للقدرة الشرائية للتونسيين    الاسماء المرشحة لجوائز افضل الرياضيين في 2017    بعد قرعة المونديال .. مدرب إيران يطالب اتحاد الكرة بإقالته    الإمام الأول بجامع الزيتونة :تونس محفوفة بالألطاف لحُبها لرسول اللّه    بالصور: أسوأ إطلالات النجمات في ختام مهرجان القاهرة بعضها كشفت عيوب أجسامهن    صورة للفنانين على السجادة الحمراء في ختام مهرجان القاهرة السينمائي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





أزمة الملف النووي الكوري الشمالي
نشر في الصباح يوم 23 - 04 - 2009

يطرح البرنامج النووي الكوري الشمالي عدة تساؤلات، لعل من أبرزها هل من سبيل لتسويته بصفة نهائية خصوصا وأنّ كوريا الشمالية لم تلتزم في أي يوم من الأيام بصفة كلية بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النّووية التي انضمت إليها منذ عام1985 ؟
ومنذ ذلك التاريخ استخدمت كوريا الشمالية خيار التهديد بالانسحاب من المعاهدة الدولية من أجل مواجهة ضغوط الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وكوريا الجنوبية(1). وقد شهد عام 1993 التطبيق العملي لهذا الخيار،فقد قامت كوريا الشمالية بالتهديد بتطوير برنامجها النووي، وعزمها الانسحاب من معاهدة الحدّ من انتشار الأسلحة النووية. وقد تمّكن الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر أثناء الولاية الرئاسية لبيل كلينتون من التوصّل إلى حل سلمي للأزمة، من خلال ما عرف "باتفاق الإطار" المبرم في 21 أكتوبر 1994 بجنيف(2): وبمقتضاه وافقت كوريا الشمالية على البقاء طرفا في المعاهدة و"تجميد" برنامجها النووي، وفي المقابل وبتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية كونت الولايات المتحدة الأمريكية إئتلافا ماليا دوليا (Consortium)-منظمة تنمية طاقة شبه الجزيرة الكورية (KEDO - تولت من خلاله مسؤولية تأمين تكاليف إمدادات تعويضية من النفط بما يقارب 500.000 طن من زيت الوقود الثقيل كل سنة إلى كوريا الشمالية للتسخين وإنتاج الكهرباء إلى أن يتم تشغيل المفاعلين الجديدين اللذين يعملان بالماء الخفيف في غضون فترة لا تتجاوز عام 2003(3).
وفي 10 جانفي 2003،أعلنت كوريا الشمالية إنسحابها من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، وقامت باستئناف برنامجها النووي العسكري، وبالتالي إلغاء اتفاق أكتوبر 1994(4).
وقد بُذلت العديد من المحاولات من أجل تسوية سلمية لهذه الأزمة بكل تعقيداتها، ومن ضمنها إرسال واشنطن مبعوثها الخاص جيمس كيلي إلى بيكين من أجل التوصل لحلها. وفي الوقت الذي ترى فيه الإدارة الأمريكية أنّه لا بديل عن الوسيلة الدبلوماسية في تعاملها مع كوريا الشمالية، فإنّها لم تتردّد في استخدام القوّة العسكرية منذ 1991 لتدمير العراق بحجّة امتلاك أسلحة نووية في وقت أكّدت فيه كل التقارير خلو العراق من هذه الأسلحة.
ولكن لماذا هذه الإزدواجية الأمريكية في التعامل مع كل من العراق وكوريا الشمالية، على الرّغم من إعلان هذه الأخيرة استمرارها في سياستها النووية وتشغيلها للمفاعلات النووية التي سبق تجميد أعمالها وبما يخالف بنود الإتفاق المُوّقع في عام 1994، وارتفاع درجة التحدّي من جانب بيونغ يونغ في مواجهة واشنطن في ما يتعلّق بالمفتشين الدوليين؟
إنّ طرفي النزاع وجميع الدول المجاورة لكوريا الشمالية تتفق على أنّ الحل الأمثل لهذا النزاع هو الحوار وتبادل وجهات النظر من أجل ضمان مصالحها.وقد عُقدت بداية من 27 أوت 2003 ثلاث جولات من المحادثات السداسية (الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الشمالية واليابان والصين وروسيا الفيدرالية وكوريا الجنوبية) بهدف حل الأزمة المتعلقة ببرنامج كوريا الشمالية النّووي. وقامت الولايات المتحدة الأمريكية بالتفاوض حول مطالب كوريا الشمالية التي تتلخّص في عدّة نقاط أساسية تتمثّل في اعتراف واشنطن بسيادتها وعدم تهديد برنامجها الاقتصادي والإنمائي وتوقيع معاهدة عدم اعتداء تتعهّد فيها الولايات المتحدة الأمريكية بعدم مهاجمتها، مقابل تخلي كوريا الشمالية عن برنامجها النّووي(5).
وتكمن نقطة الخلاف الجوهرية بين الطرفين الرئيسين وهما الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الشمالية حول مواعيد كيفية تنفيذ القرارات المتفق بشأنها: فقد أصرّت الولايات المتحدة الأمريكية على أن تنهي كوريا الشمالية جميع أنشطتها النّووية بصفة نهائية، وهو الشرط المسبق لبدء مفاوضات جديّة، ثم تقوم تحت إشراف دولي بتفكيك برامجها النّووية ولا سيّما في منشآت يونغبيون ( Yongbyon )(6). وفي المقابل تصرّ كوريا الشمالية على تطبيق"مبدا العمل المتزامن" الذي يقتضي الإستجابة لمطالبها الأساسية بصفة تدريجية مقابل تخليها عن طموحاتها النّووية،وهذا ما أدّى إلى تعليق كوريا الشمالية المشاركة إلى أجل غير مسمى في المفاوضات السداسية حول برنامجها النّووي(7).
وطالبت كوريا الشمالية بإجراء محادثات مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية والحصول على مساعدات اقتصادية في حالة موافقتها على إجراء جولة جديدة من المحادثات. وبالفعل تقرر عقد جولة رابعة من المباحثات السداسية، كانت الولايات المتحدة الأمريكية خلالها أكثر تفهما للمطالب الكورية الشمالية، مُبدية مرونة ديبلوماسية أكبر في ردّها على مقترحات كوريا الشمالية من أجل رغبتها في تهدئة مخاوف بعض حلفائها الإقليميين.
وشهدت هذه الجولة في ختامها إصدار ما يعرف" بإعلان بيكين" في 19 سبتمبر 2005 تضمن عددا من المبادئ المهمة لتسوية أزمة البرنامج النووي لكوريا الشمالية: الإعلان على موافقة كوريا الشمالية على تجميد برنامجها النّووي، وتفكيك ترسانتها النّووية، والعودة إلى معاهدة الحدّ من انتشار الأسلحة النووية، وذلك مقابل الاعتراف بحقها في امتلاك برنامج نووي للاستخدامات السلمية، والتزام الدول المشاركة في المحادثات السداسية بتقديم ضمانات أمنية واقتصادية لمساعدتها في كافة المجالات، وخاصة في مجال الطاقة والنفط من خلال تزويدها بمفاعل يعمل بالماء الخفيف.
وطبقا للوثيقة تتعهد كوريا الشمالية والولايات المتحدة الأمريكية واليابان بتطبيع تدريجي للعلاقات بينها، والتعايش في سلام، دون تحديد جدول زمني لتطبيق تلك الإجراءات(8).
ولكن إعلان بيكين لم ينجح في تبديد المخاوف الكورية الشمالية من الأهداف النهائية لصيغة المحادثات السداسية، فقد عبرّت كوريا الشمالية بعد يومين فقط من صدور الإعلان على أنّ:" الولايات المتحدة الأمريكية تسعى إلى تجريدها من سلاحها النّووي تحت مظلة المحادثات السداسية لتهاجمها فيما بعد بسلاح نووي"(9).
وقد تعمقت هذه المخاوف بسبب عدة عوامل أخرى،كان أهمها الخلاف حول تفسير وتأويل عبارة"الوقت المناسب"، وتمسكت الولايات المتحدة الأمريكية بالعقوبات المالية المفروضة ضد عدد من المؤسسات المالية الكورية الشمالية لاتهامها بالقيام بأعمال مصرفية غير مشروعة تشمل غسل الأموال وتزوير العملة الأمريكية.
وإزاء هذه الخلافات، فقد فشلت الجولة الخامسة من المحادثات التي عقدت ما بين (9-11) نوفمبر 2005 في التوصل إلى جدول زمني محدد لتنفيذ إعلان بيكين، وتلا ذلك إعلان كوريا الشمالية في 21 مارس 2006 امتلاكها سلاحا نوويا بالفعل.وهو ما أدى إلى التشكيك في نيّة الطرفين الكوري والأمريكي في التوصل إلى تسوية حقيقية للملف النووي:بمعنى أنّ الهدف الحقيقي لكوريا الشمالية يتمثل في الحصول على اعتراف أمريكي بحقها في امتلاك برنامج نووي سلمي والعودة بالمفاوضات إلى نقطة إتفاق1994، وربط مسألة البرنامج النووي الكوري الشمالي بمسألة انتشار الأسلحة النووية في شبه الجزيرة الكورية. وفي المقابل، كانت الولايات المتحدة الأمريكية تدرك أنّ كوريا الشمالية لن تكون جادة في أي اتفاق،ومن ثمّ كانت محاولة إقناعها باستئناف عمليات التفتيش للوقوف على حقيقة مستوى البرنامج النووي الكوري(10).
وفرضت التجربة النووية الكورية في 9 أكتوبر 2006 تساؤلات كثيرة تقاطعت مع أزمة الملف النووي الإيراني،أبرزها كيف لواشنطن أن تتهم بدون دليل طهران بانتهاك معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، في وقت تقوم كوريا الشمالية بخرق نظام منع الانتشار النووي خرقا مباشراً وكاملا؟ وكيف يصح الكلام عن فرض عقوبات على إيران، بينما كوريا الشمالية تهدد بإجراء تجارب نووية وصاروخية أخرى في حالة تنفيذ قرارات العقوبات ضدها؟
ومما لاشك فيه أنّ العقوبات التي أقرّها مجلس الأمن ضد كوريا الشمالية طبقا للقرار 1718 الصادر في 14 أكتوبر 2006 بسبب قيامها بإجراء تجربة نووية في 9 أكتوبر 2006(11) ذات تأثير محدود، نظرا لأنّ العلاقات الاقتصادية لكوريا الشمالية محدودة للغاية مع باقي دول العالم بسبب سياسياتها الانغلاقية وكذلك نتيجة العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها في السابق.وتقتصر في جوهرها على جوانب اقتصادية وتجارية فقط تتعلق بمنع بيع أو تسليم مواد وأجهزة تدخل في الصناعة النووية والصاروخية إلى كوريا الشمالية، وتجميد الأرصدة المالية والموارد الاقتصادية على صلة ببرامج أسلحة الدّمار الشامل الكورية، فضلا عن الامتناع عن بيع أو تسليم أسلحة ثقيلة إليها، وبالتالي فإنّ أي تهديد بفرض المزيد من العقوبات يصبح بدون جدوى(12). وهذا القرار لم يكن له تأثير على موقف كوريا الشمالية المعزولة عن العالم بدرجة كبيرة.
ويفرض برنامج الأسلحة النووية لبيونغ يانغ خطراً على مبدا حظر انتشار الأسلحة على مستوى العالم، فكوريا الشمالية تستطيع أن تصدّر التكنولوجيا النووية إلى الدول الأخرى لجلب النقود، ومن ثمّ توسيع ترسانتها النووية الخاصة بها أو بناء روابط قوية مع أقطار تمتلك مثلها برنامجاً نووياً (إيران مثلاً) أو مع الفاعلين من غير الدول كمنظمة القاعدة. بالإضافة إلى أنّ امتلاك كوريا الشمالية للأسلحة النووية سوف يؤدى إلى حدوث فوضى سياسية كبيرة في المنطقة بدلا من إحلال الإستقرار والسلام فيها.
ولأنّ تحول كوريا الشمالية إلى قوة نووية فعليا، وعدم تقيدها بحظر انتشار التقنيات النووية يشكل خطرا على منظومة الاحتكار النووي للدول الكبرى، ولأنّ أي عدوان عسكري على كوريا الشمالية يمكن أن ينتهي بكارثة على كوريا الجنوبية واليابان وللقوات الأمريكية المتواجدة في كوريا الجنوبية، وربما لغرب الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، وهو ما جعل الولايات المتحدة الأمريكية وبقية الدول الأطراف تضطر للعودة للتفاوض مع كوريا الشمالية لإقناعها بالتراجع عن دخولها النادي النووي، فكوريا الشمالية تملك القدرة على التفاوض وفرض شروطها أو الحصول على شروط عادلة على الأقلّ. وهكذا فإنّ إستمرار التزام كوريا الشمالية ببيان تمّ توقيعه قبل إجرائها لتجربتها النووية وتحولها لقوة نووية فعلية كمرجعية رئيسية لتسوية أزمتها يؤكد مدى استعدادها للتنازل عن برنامجها النووي العسكري، وتعاملها مع هذا البرنامج باعتباره وسيلة لتحقيق أهداف أخرى(13).
وإنّ الرأي القائل بأنّ" الولايات المتحدة الأمريكية دولة لا تحترم إلا الأقوياء" رأي صائب إلى حد بعيد، فكوريا الشمالية هي نفسها التي كانت- منذ أشهر مضت- إحدى دول محور الشر حسب التصنيف الأمريكي(14)، ولكنّ التجربة النووية لكوريا الشمالية جعل واشنطن تسعى لمواصلة التفاوض معها، وتصف الاتفاق معها حول تفكيك برنامجها النووي"بالنصر الديبلوماسي"، بعد أن كانت تسعى لمزيد عزلها دوليا(15).
وقد أحرزت المباحثات السداسية التي تتواصل منذ ما يناهز ثلاث أعوام تقدما ملحوظاً لإنهاء أزمة البرنامج النووي الكوري الشمالي، وتحولت خلالها كوريا الشمالية تدريجياً إلى اتباع استراتيجية ديبلوماسية لإقناع الآخرين بعدم فعالية أسلوب الولايات المتحدة الأمريكية في التفاوض مستندة إلى عدم تجاوبها أثناء المباحثات السداسية. ويعود ذلك في نظرنا إلى عدم قدرة واشنطن على معرفة ما إذا كانت كوريا الشمالية على استعداد بالفعل للتخلي عن برنامجها النووي.وإذا حدث وتخلّت كوريا الشمالية عن برنامجها النووي، فما هو المقابل الذي يحظى برضا الكوريين الشماليين؟
إنّ الأهداف المراد تحقيقها عن طريق المفاوضات هي إنهاء التهديد الأمني الذي تمثله كوريا الشمالية بسبب برنامجها النووي، بالإضافة إلى تجنب المواجهة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية،وليس بتقديم الحوافز الاقتصادية والتجارية والأمنية يتم تحقيق ذلك فحسب، ولكن أيضاً بتطبيع العلاقات السياسية والاقتصادية بين واشنطن وبيونغ يانغ.
وفي ظل الأخطار التي يفرضها البرنامج النووي الكوري الشمالي والإخفاقات المتتالية للمباحثات السداسية، تسعى واشنطن إلى إيجاد أجل للتفاهم حول تفاصيل تنفيذ الإتفاق الرئيسي الجديد بخصوص تفكيك البرنامج النّووي لكوريا الشمالية، لأنّه من الخطإ أن نستند إلى القول بأنّها سوف تستسلم بسبب الضغوط السياسية والاقتصادية.
ولقد تم التوصل في نهاية سنة 2007 إلى إبرام اتفاق بين الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الشمالية بموجبه تتخلى هذه الأخيرة عن برنامجها النووي العسكري مقابل الاعتراف الديبلوماسي بها والحصول على مساعدات اقتصادية. ولكن أمام" مماطلة" الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الإيفاء بتعهداتها ،وعدم التزامها بوعودها تجاه كوريا الشمالية وخاصة إلى العمل بشكل وثيق معها من أجل شطب إسمها من قائمة الدول الراعية للإرهاب، قامت هذه الأخيرة في منتصف شهر أوت 2008 بوقف تفكيك منشأتها النووية، لتقرر في 13 أفريل 2009 الإنسحاب من المحادثات السداسية وطرد مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية الموجدين على أراضيها واستئناف أنشطتها النووية في مفاعل يونغبيون، كرد فعل على إدانة مجلس الأمن لعملية إطلاق الصاروخ التي قامت بها مؤخرا.
ولا يزال اللجوء إلى الخيار الديبلوماسي مبدأ أساسيا في تعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع أزمة البرنامج النووي الكوري الشمالي،وهذا ما يؤكد أنّ طبيعة العلاقات الدولية تتحدّد دوما وفق لغة المصالح.
حارة الشعراء في 15-04-2009
1 - نزيرة الأفندي: كوريا الشمالية وإدارة الأزمة النّووية، السياسة الدولية، عدد 152، أفريل 2003، ص .240
2 - LE GUELTE(G.):Histoire de la menace nucléaire, Op.cit., p.292.
3 - نزيرة الأفندي: المأزق الأمريكي في شبه الجزيرة الكورية، السياسة الدولية، عدد 151، جانفي 2003، ص. 190.
4 - CHAMPCHESNEL(T.): La crise nucléaire nord-coréenne: vers la faillite de la non-prolifération, L'Observateur des Nations Unies, n!14, Printemps-été-2003, pp.129-144. 5 - يسرى أحمد عزباوي: المباحثات السداسية للأزمة الكورية، السياسة الدولية، عدد 157، جويلية 2004، ص. 192-195.
6 - يعدّ مفاعل يونغبيون المصدر الوحيد لإنتاج المواد النووية للبرنامج النووي العسكري الكوري، وكان قد تم إغلاقه في عام 1994 إثر توقيع ما يعرف" بإتفاق الإطار"، ولكن كوريا الشمالية أعادت فتحه سنة 2002 بعد استئناف برنامجها النووي.
7 - نزيرة الأفندي: الأزمة النووية الكورية ولعبة الكراسي الموسيقية، السياسة الدولية، العدد 154، أكتوبر 2003، ص.244
8 - علي حسين باكير: النزاع الأمريكي- الكوري الشمالي حول الملف النووي، السياسة الدولية، عدد162، أكتوبر 2005، ص196-205.
9 - محمد قدري سعيد وهناء عبيد: التقرير الإستراتيجي العربي 2005-2006، الصادر عن مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، ص179.
10 - محمد فايز فرحات: التجربة النووية الكورية، شمال شرق آسيا بين سباق التسلح النووي والتعاون الأمني، كراسات استراتيجية، العدد171، جانفي 2007، http://www.ahram.org.eg/acpss.
11 - محمد فايز فرحات: مستقبل الانتشار النووي في شمال شرقي آسيا،السياسة الدولية، عدد 167،جانفي 2007، ص 116.
12 - حسام سويلم: انعكاسات تجربة كوريا الشمالية على إيران، مختارات إيرانية، نوفمبر 2006،http://www.ahram.org.eg/acpss
13- محمد فايز فرحات: الأزمة النووية الإيرانية في ضوء التجربة الكورية، السياسة الدولية، عدد 168، أفريل 2007، ص.137
14 - BONIFACE(P.): La fin de l'unilatéralisme?, L'Année stratégique 2008, p.37.
15 - DELPECH (T.):Corée Du Nord: L'extravagant accord, Politique internationale, n!115, printemps 2007,
(*) (مساعد بالجامعة العربية الخاصة للعلوم،متحصل على شهادة الدكتوراه في القانون العام)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.