سحب ثقة" برلماني و شعبي من الحكومة ..هل حان وقت الرحيل و كيف سيكون البديل؟    بطاقتك تنجّم تنقذ حياة إنسان: كيفاش تولّي متبرّع بالأعضاء في تونس؟    مقترح قانون جديد: السجين ينجم يتصل بعائلته خارج أوقات الزيارة!    عاجل: حملة أمنية كبيرة ضد المحتكرين ...تفاصيل تنشرها وزارة الداخلية !    إيران وأمريكا تتلقيان خطة لإنهاء الحرب    عاجل/ تفاصيل جديدة عن حريق مستودع الحجز البلدي ببومهل واحتراق سيارات..فتح تحقيق..    عاجل/ مسيرة تستهدف هذه الشركة في الامارات..    لبنان: إستشهاد ثلاثة أشخاص في غارة إسرائيلية على بلدة شرق بيروت    شوف جدول مباريات الجولة العاشرة إياب: كل الفرق والتوقيت    الترجي: إصابتان جديدتان قبل المواجهات القادمة..شكون؟    كيفاش بش يكون طقس اليوم الاثنين ؟    كوريا الجنوبية "تتأسف" لكوريا الشمالية بعد واقعة المسيّرة    اليوم آخر أجل لخلاص vignette : أصحاب الأرقام الفردية معنيين    رضا الشكندالي يحذّر من تواصل تراجع الاستثمار في تونس منذ 2011    البطولة الفرنسية : موناكو يفوز على مرسيليا في ختام الجولة 28    البطولة الإيطالية : إنتر ميلان يعزز صدارته بفوز كبير على روما    استخباراتي أمريكي: الوضع الأمريكي مرشح لمزيد التدهور وواشنطن تفتقر إلى استراتيجية واضحة    طقس اليوم: ارتفاع درجات الحرارة    انتخاب هشام العجبوني أمينا عاما للتيار الديمقراطي    أكسيوس: الوسطاء يبذلون جهودا أخيرة للتوصل إلى وقف إطلاق نار في إيران لمدة 45 يوما    في اليوم ال38 من الحرب ... رؤوس متفجرة تسقط في حيفا في ظل مفاوضات "الفرصة الأخيرة"    خلال يومين: هذه حصيلة تدخلات الوحدات الأمنية للتصدي للاحتكار والمضاربة    كيف تتحكَّم في شهيتك بسهولة؟ 7 حيل فعَّالة يومية    بمستشفى المنجي سليم بالمرسى ... نجاح عملية زراعة كبد دقيقة لتلميذة في حالة حرجة    مؤشرات طيّبة ..أغلب سدود جندوبة والكاف تجاوزت 100 %    سيدي علي بن عون .. يوم مفتوح للجمعية التونسية لقرى الأطفال س.و.س    جمال لا يرى    نظّمها النجم الرياضي بحلق الوادي وحَضرها نجوم كرة السلة ... ... «سهرة الأساطير» ستَظلّ في البال    مع الشروق : «كروية الأرض» شاهدة على أن التاريخ لا يموت في اسبانيا!    محافظ البنك المركزي ووزير الاقتصاد يشاركان في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين    عمليات نوعية في جراحة القلب والشرايين: الطبّ التونسي يتألّق في نواكشوط    ظهرت في أغنية كورية لثوانٍ.. ابنة أنجلينا جولي وبراد بيت تشغل التواصل    الاتحاد المنستيري يتوّج بلقب بطولة كرة السلة    طبيب مختص: قريبا اعتماد الأوكسيجين المضغوط في تأهيل مرضى الجلطة الدماغية    هل تساعد البذور على خفض سكر الدم؟ إليك 5 خيارات مفيدة    ورشة عمل تشاركية حول إحياء القرية البربرية الزريبة العليا يومي 18 و20 أفريل    طبيبة نفسية تحذّر: الإدمان الالكتروني اضطراب نفسي مزمن يحتاج علاجًا    تحت عنوان "ذاكرة و عُبور" الدورة 30 لصالون صفاقس السنوي للفنون تحتفي بالفنان باكر بن فرج    الرابطة المحترفة الأولى: النادي الافريقي يتقاسم الصدارة مع الترجي    بطولة مونزا للتحدي للتنس - معز الشرقي يستهل مشاركته بملاقاة السويسري ريمي بيرتولا لحساب الدور السادس عشر    قرار جديد في دقيق الخبز ومنظمة إرشاد المستهلك ترحّب بالفكرة    نابل: استثمار تركي بقيمة 5 ملايين دينار لتشغيل 1000 شاب في قطاع النسيج    توزر: افتتاح المشروع الثقافي "ستار باور" بدار الثقافة حامة الجريد ضمن برنامج "مغرومين"    نسبة التضخم عند الاستهلاك العائلي بلغت 5 بالمائة خلال شهر مارس    خبر يفرّح التوانسة: بشائر الخير مازالت متواصلة في أفريل    تستدرج الشبان عبر "فيسبوك" وهذا ما تفعله بهم: تفاصيل الإطاحة بفتاة تتزعم عصابة بمنوبة..#خبر_عاجل    مفاجأة: دراسة علمية تكشف..عنصر رئيسي يجعل البكاء سبباً لتحسين مزاجك..    المركز الجهوي لتقل الدم بصفاقس ينظم يوما مفتوحا للتبرع بالدم يوم 8 افريل 2026 بمناسبة الاحتفال باليوم الوطني للتبرع بالدم    تحيل على العشرات من الضحايا: القبض على منتحل صفة مسؤول..وهذه التفاصيل..    فتح تحقيق في حادثة سقوط تلميذة من الطابق الاول بمدرسة اعدادية بالمكنين    التوقعات الجوية لهذا اليوم..    التشويق يتواصل: مقابلات اليوم تنجم تبدّل الترتيب الكل    دخول مجاني اليوم إلى المواقع الأثرية والمتاحف في تونس    الرائد الرسمي: فتح مناظرات وطنية للدخول إلى مراحل تكوين المهندسين بعنوان السنة الجامعية 2026-2027    وزارة الشؤون الدينية تنشر دليلا مبسطا حول أحكام الحج والعمرة    ظاهرتان فلكيتان مرتقبتان في تونس في 2026 و2027    خطبة الجمعة: مكانة المسجد في الإسلام    فتوى الأضحية..شنوا حكم شراء العلوش بالتقسيط ؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في ثقافة التقصير إزاء ابن خلدون ودور عقله الباطني في ابتكار جديد العلوم
نشر في الصباح يوم 26 - 04 - 2009

تذكر في عام 2006 العالمان العربي والإسلامي خاصة مرور الذكرى المئوية السادسة لوفاة العلامة عبد الرحمان ابن خلدون مؤسس علم العمران البشري في كتابه الشهير المقدمة.
فشاركت شخصيا في ندوات ومؤتمرات في تونس وتركيا وإسبانيا وماليزيا. ورغم ذلك، فإن هناك تقصيرا في المجتمعات العربية والإسلامية إزاء الفكر الخلدوني العملاق. فعلى سبيل المثال، إن تونس التي ولد فيها ابن خلدون لاتزال مطالبة بتكريم صاحب كتاب المبتدإ والخبرأكثر استجابة لما تدعو إليه قامته الفكرية في العلوم الاجتماعية والإنسانية. ويكفي هنا ذكر بعض المعالم التي لا تشير إلى الاهتمام الكافي الذي يوليه المجتمع التونسي إلى الفكر الجديد الذي دشنه صاحب المقدمة: 1 فالفكر العمراني الخلدوني مهمش في أقسام علم الإجتماع بالجامعات التونسية.فيتخرج طلاب وطالبات تلك الأقسام وهم لايكادون يعرفون بمنهجية علمية وتعمق فكري ناضج معظم مفاهيم ونظريات وأطروحات الفكر الخلدوني. وهذا نتيجة لما سماه عالم الإجتماع الماليزي فريد العطاس بالتبعية الأكادمية Academic Dependency للفكروالمنهج الغربيين اللذين لايزالان يهيمنان على مايدرس في جامعات العالم الثالث. 2 كما يتجلى هذا التقصير في عدم اغتنام الجامعيين التونسيين ووزارة التعليم العالي فرصة الذكرى المئوية السادسة لإنشاء كرسي ابن خلدون أومخبر الدراسات الخلدونية في العلوم الاجتماعية على الخصوص. بينما نجد في الجامعة الأمريكية بواشنطن كرسي ابن خلدون للدراسات الإسلامية.3 أماالمسؤولون (من بلدية تونس أووزارة الثقافة والمحافظة على التراث أو هما معا) فلم يحسنوا الصنيع في كتابة نص التعريف بابن خلدون على تمثاله في قلب العاصمة التونسية.فقبل سنة 2006 كتب على الوجه الجنوبي للتمثال مجرد اسم ابن خلدون وتاريخ ميلاده ووفاته.فهناك غياب كامل، من جهة، لذكر مكان مولده والمجتمعات التي عاش فيها، ومن جهة ثانية، فلا إشارة على التمثال لكتاب المقدمة أو العبر لابن خلدون. وقد نشرت شخصيا أكثرمن مقال في الصحف التونسية عن ظاهرة شحة المعلومات عن صاحب المقدمة في التمثال وغياب التعريف به باللغات الأجنبية.سألت يوما بعض السياح الذين كانوا يلتقطون صورا للتمثال: هل تعرفون هذه الشخصية؟. فكانت إجابة البعض هو النبي محمد وقال آخرون إنه صلاح الدين الأيوبي. وفي 2006 كتب تعريف بالفرنسية في أسفل التعريف بابن خلدون باللغة العربية بحيث لايكاد يراه الناس بسهولة. ولذا كان من الأفضل كتابة التعريف ليس بالفرنسية فقط وإنما أيضا بالإنكليزية على الأقل. إذ هي اليوم اللغة العالمية.وكان من الأحرى كتابة ذلك في مكان أعلى من التمثال في الجهتين الشرقية والغربية منه الخاليتين تماما من أي حرف مكتوب. ومن ناحية أخرى، جاءت معلومات هذا التعريف شحيحة وغيردقيقة.فقد عرف ابن خلدون باللغة الفرنسية على أنه بالتتالي: فيلسوف فمؤرخ فعالم اجتماع.ونحن نعرف أنه اشتهر أكثر بكتاب المقدمة كعالم اجتماع فمؤرخ بكتاب العبر بهذا الترتيب. أما بالنسبة للفلسفة فانتقاد ابن خلدون لها في الباب السادس من مقدمته أمرمعروف عند الذين درسوا الفكرالخلدوني. ومن ثم فوصفه في المقام الأول بالفيلسوف غيردقيق ومشوه لمقولة علمه الجديد المستحدث الصنعة والغريب النزعة، ألا وهوعلم العمران البشري.
فبعد هذه الملاحظات بشأن تقصيرنا إزاء ابن خلدون وفكره الأصيل نود في بقية هذه المقالة أن نبحر في جانب غير معروف في محاولة فهم وتفسير ميلاد الفكر الخلدوني الجديد وذلك بواسطة مفهوم اللاشعورأو العقل الباطني.
مفهوم العقل الباطني
يعتبر مفهوم اللاشعور أو العقل الباطني مصطلحا حديثا توصل اليه عالم النفس النمساوي سيجموند فرويدFreud وانتشر استعماله في علم النفس المعاصر على الخصوص. يرى هذا العالم أن سلوكاتنا توجهها قوتان: قوة الشعور وقوة اللاشعور. فالشعور هو ذلك الجانب الواعي من شخصيتنا إزاء هذا الفرد أو ذلك الشيء، وهو الذي يحدد في نهاية الأمر طبيعة سلوكنا بالنسبة لكل منهما. أما اللاشعور أو العقل الباطني فهو ذلك الجانب من شخصيتنا الذي يتعامل مع ما يشغلنا بطريقة خفية بعيدة عن أنظار الجانب الواعي منا. فالعالم البحاثة، على سبيل المثال، يكرس كل جهوده للظفر باكتشاف ما حول الظاهرة التي يدرسها. ويمثل ذلك الجانب الواعي (الشعوري) من العمل البحثي لهذا العالم. لكن استعصاء العثور عن تفسير للظاهرة المدروسة قد يدفع هذا العالم إلى ترك دراسة الظاهرة جانبا ولو إلى وقت قصير. أي أنه يبعدها عن عالم شعوره. وحسب نظرية فرويد تتدخل هنا قوة اللاشعور لتتعامل مع ما كان يشغل عالم شعور هذا العالم البحاثة.
دورالعقل الباطني في الإبداع الفكري الخلدوني
ولكن البحوث الحديثة تشير إلى أن وظيفة العقل الباطني لا تقتصر على التنفيس عن عالم شعور الفرد فحسب، كما يذهب إلى ذلك فرويد، بل إنها تتعدى ذلك. فبحوث علماء النفس في ظواهر الإبداع والابتكار عند العلماء وغيرهم تؤكد أن العقل الباطني يلعب دورا هاما في ذلك. نود أن نطبق هذا المفهوم على العلامة ابن خلدون في كتابته لمقدمته المشهورة التي تعتبر شرقا وغربا فكرا جديدا ومبتكرا في علم العمران البشري. وحسب علمنا، فلم تقع من قبل محاولة فهم تأليف المقدمة من رؤية.
لقد استعمل ابن خلدون عبارة الإلهام الإلهي في حديثه عن اهتدائه المفاجئ لعلم العمران البشري الجديد الذي تحفل به أبواب وفصول المقدمة. فمصطلح اللاشعور أو العقل الباطني قد يقترب قليلا أو كثيرا - كما سوف نرى - من معنى الإلهام الإلهي الذي ورد على لسان صاحب المقدمة.إن ما أطلق عليه ابن خلدون بالإلهام الإلهي كعامل حاسم في عملية الخلق والابتكار عند الإنسان يجد مقابلا له في العلوم الحديثة. فمصطلح اللاشعور un unconscionsness أصبح مستعملا من طرف الباحثين في فهم ظاهرة الحلول الابتكارية عند البعض والتي تمكنهم من الكشف عن قوانين الطبيعة.
خطوات مسيرة الإبتكار
فأول عالم تحدث عن دور اللاشعور في كسب رهان الابتكار والإبداع هو عالم الفيزياء والتشريح الألماني هارمان هالمهولتز Helmholz Hermann فحدد مراحل ما قبل الاكتشاف بثلاث مراحل: 1) مرحلة الخمولsaturation وهي التي يبدأ فيها الباحث أو العالم مشروع بحثه لكنه يتوقف عن ذلك عند عجزه عن النجاح في التقدم في فهم مشكل البحث. 2) مرحلة الحضانة incubation وهي فترة استراحة واسترجاع للقوى يتم فيها بدون إدراك شعوري تحريك معطيات المشكل وتنظيمها. 3) مرحلة الإضاءةillumination وهي التي يظهر فيها الحل المفاجئ وغير المنتظر. وقد أضيفت بعد ذلك مرحلة رابعة من طرف العالمين هنري بوان كاري Henri Poin care وجراهم والس Graham Wallas سمّياها بمرحلة الاختبار verification أي مرحلة إثبات مدى صحة الاكتشاف وذلك بمقارنته بإمكانيات أخرى وتقييم مدى مصداقيته.
ورغم الاتفاق العام بين المختصين بالنسبة لدور المراحل في عملية الإبداع، فإن المرحلتين الأولى والأخيرة هما وحدهما اللتان تحظيان بفهم أحسن. أما مرحلتا الحضانة والإضاءة فلازال يغلب عليهما الغموض كما كان الأمر عند الإغريق الذين كانوا يظنون أن أحداثهما تجري خارج العقل الواعي وبالتالي فجذورهما جذور ميتافيزيقية. أي أنهم أرجعوا الأفكار الجديدة أو الحلول المبتكرة للقضايا العلمية العويصة إلى إيحاء أو إلهام إلهي.
تطبيق منظورالإبداع على ريادة الفكرالخلدوني
نعتقد أن المراحل الأربع التي حدد معالمها علم النفس الحديث تساعد على فهم أفضل لقدرة ابن خلدون على كتابة المقدمة في فترة قصيرة لم تتجاوز الخمسة شهور. إذ أن مجرد كتابتها بخط اليد قد تستغرق أكثر من نصف هذه المدة. ومعنى هذا أن عقل صاحب المقدمة كان ربما قبل الانعزال في قلعة بني سلامة وبالتأكيد أثناءه منشغلا بموضوع علم التاريخ ونقائصه العديدة التي انتقدها بشدة. فمعروف أن ابن خلدون قد ألف الأجزاء التاريخية لكتاب العبر قبل كتابته للمقدمة. وهذا يعني أن إنتاجه الفكري الإبداعي المتمثل في المقدمة لابد أنه مرّ بمراحل الإبداع الأربع المشار إليها أو ما يشابهها. فمن شبه المؤكد أن المرحلة الأولى لانشغال عقل ابن خلدون بالكشف عن باطن التاريخ قد بدأت أثناء تأليفه للأجزاء التاريخية من كتاب العبر.
وهذا لا يمنع من أن تفكيره في عمق التاريخ يمكن أن يكون قد بدأ قبل ذلك. ولكنه لم ينجح في الحالتين في استشراف ملامح رؤية جديدة تنقض علم التاريخ من مأزقه. فترك مؤقتا هموم بحثه جانبا (مرحلة الخمول). أما بعد الاستراحة من التفكير في المخرج من رؤى علم التاريخ التقليدي، أعاد ابن خلدون الكرّة باحثا عن ضالته عبر تنظيم معطيات علم التاريخ تنظيما أكثر تماسكا. فشرع في تصنيف أنواع أسباب الكذب عند المؤرخين وتنميط المجتمعات إلى بدوية وحضرية والعصبيات إلى قبلية ودينية، الخ... وكانت تلك مرحلة الحضانة. أما مرحلة الإضاءة اللاحقة التي توصل فيها ابن خلدون فجأة إلى اكتشاف إطار معرفي جديد يضع الأحداث التاريخية والمجتمعية في نصابها. فالحل المفاجئ لمشكل ابن خلدون مع علم التاريخ يتمثل في علم العمران البشري الوليد الجديد. هذا العلم الذي يعلن صاحبه بأن الأحداث التاريخية الماضية والحاضرة والمستقبلية لا يمكن فهمها وتفسيرها بنضج ومصداقية بدون هذا العلم المبتكرعلى يديه. ومن ثم أطلق على مقدمته اسم الكتاب الأول. أي أن تاريخ العرب ومن عاشرهم من ذوي السلطان الأكبر الذي هو موضوع ما تبقى من كتاب العبر، لا يمكن استيعاب مغزاه وكشف الحجاب عن علل أحداثه بدون الرؤية العمرانية الجديدة التي كتبها ابن خلدون وصنفها في فصول وأبواب مقدمته. وحسب علم النفس، فإن تبلور معالم هذا العلم الجديد تمت في مرحلة الإضاءة أو المرحلة الثالثة من مشروع بحث ابن خلدون في علم التاريخ.
وبذلك تكون مرحلة الإضاءة (المرحلة الثالثة) أو مرحلة اكتشاف ابن خلدون لعلم عمرانه تمثل تسلسلا منطقيا في مجرى أحداث تأليفه بقلعة بني سلامة. أي أن كتابة ابن خلدون لتاريخ العرب ومن عاشرهم بدأت في إثارة تساؤلات عند ابن خلدون حول مصداقية علم التاريخ دون عثوره عن إجابات عليها في حينها. فاستمر احتضانه لتلك التساؤلات في مجالي الشعور واللاشعور حتى نضجت وانتهت باكتشافه المباغت لعلم عمرانه الجديد.
محاولة بصيرة للفهم والتفسير
إن محاولتنا هنا لربط المرحلتين الثانية والثالثة لعملية الإبداع بطبيعة الفكر العمراني الجديد الذي تحتوي عليه المقدمة تمثل اجتهادا معرفيا وليس قولا فصلا في المنعرجات التي اتبعها فكر ابن خلدون حتى توصل إلى اكتشاف علم العمران البشري. فمرحلتا الحضانة والإضاءة لازالتا محفوفتين بظلمات عدة، كما اشرنا سابقا. ومع ذلك فكتابة ابن خلدون للأجزاء التاريخية لكتاب العبر قبل تأليفه للمقدمة تعيننا على إبراز شيئين هامين:
(1) إن انكباب صاحب المقدمة على تأليف كتاب العبر لابد أنه لعب دورا حاسما في تبلور مرحلة الإضاءة حول العرب ومن عاشرهم من ذوي السلطان الأكبر بحيث سمح له بتجلي آفاق ورؤى جديدة حول نمط البنيات والمؤثرات العمرانية التي تشكل الأحداث التاريخية، فكان ميلاد علمه مستحدث الصنعة وغريب النزعة.
(2) وإذا كانت منهجية وعقلانية الأجزاء التاريخية لكتاب العبر دون مستوى ما نجده في المقدمة، ففي هذا دليل لا يستهان به على أن ابن خلدون: (أ) قد اهتدى إلى عمله الجديد في المرحلة الأخيرة لتأليفه لتلك الأجزاء من كتاب العبر أو (ب) أن اكتمال اكتشافه لعلم العمران البشري حدث بعد أن أنهى تأليف الأجزاء التاريخية من كتاب العبر.
منظورالمطابقة عند ابن خلدون
أما المرحلة الرابعة في عملية العمل الإبداعي فهي تتمثل كما ذكرنا آنفا في عملية الاختبار أو التحقيق الذي يقوم بها الشخص المبتكر بخصوص مدى مصداقية الفكر/الفن/العلم الجديد. ويبدو أن ابن خلدون اختار منهج المطابقة لا منهج التعديل والتجريح المستعمل في الخبر الديني والشرعي لاختبار الأحداث التاريخية صحة أو بطلانا: "وأما الأخبار عن الواقعات فلا بد في صدقها وصحتها من اعتبار المطابقة. فلذلك وجب أن ينظر في إمكان وقوعه. وصار ذلك فيها أهم من التعديل ومقدما عليه. إذ كان كذلك فالقانون في تمييز الحق من الباطل في الأخبار بالإمكان والاستحالة أن ننظر في الاجتماع البشري الذي هو العمران، ونميّز ما يخلقه من الأحوال لذاته وبمقتضى طبعه و ما يكون عارضا لا يعتد به وما لا يمكن أن يعرض له. فإذا فعلنا ذلك كان ذلك لنا قانونا في تمييز الحق من الباطل في الأخبار والصدق من الكذب بوجه برهاني لا مدخل للشك فيه. وحينئذ فإذا سمعنا عن شيء من الأحوال الواقعة في العمران علمنا ما نحكم بقبوله مما نحكم بتزييفه. وكان ذلك لنا معيارا صحيحا يتحرى به المؤرخون طريق الصدق والصواب فيما ينقلونه. وهذا هو غرض هذا الكتاب الأول من تأليفنا".
وعند طرح تدخل عامل اللاشعور في الإنتاج الإبداعي، فإن مرحلتي الحضانة والإضاءة هما الأكثر ترشحا للتأثر باختراق عامل اللاشعور لأنشطتهما. ولعل ملامح تأثير اللاشعور تتضح أكثر في المرحلة الثالثة: مرحلة الإضاءة حيث يأتي الاكتشاف المباغت والإجابة الجديدة المفاجئة لدى صاحب الابتكار والإبداع. إن دور خزينة اللاشعور في حياة الإنسان قد أماط عنه اللثام بطريقة بارزة الشهير فرويد. فهو يرى أن عالم اللاشعور عند الإنسان يوجه بتساو مع عالم الشعور أو ربما أكثر سلوك الناس. فالكثير من سلوكات بني البشر وأعمالهم الإبداعية تكون نتيجة لا للجانب الواعي من حياتهم بل للجانب اللاواعي (اللاشعوري) منها. فعندما يسأل الشاعر مثلا: كيف كتبت هذه القصيدة؟ تكون الإجابة: لا أدري أو يضيف عادة "هي التي أوحت نفسها اليّ". إن العبارات المعهودة التي يدلي بها بعض المبدعين مثل عبارتي "لقد باغتتني" أو "أدركت لتوّي"، تشير بوضوح إلى عامل المفاجأة الذي طالما يقترن بالكشف الإبداعي عند هؤلاء. وكما رأينا، فصاحب المقدمة لم يخل ردّ فعله من الدهشة والحيرة وهو يكتشف أنه بصدد إرساء ركائز علم جديد. فلجأ إلى طمأنة نفسه عن تبلور هذا العلم "الغريب النزعة" بإرجاعه إلى مصدر الإلهام الإلهي، أي إلى تلك اليد الخفية أو إلى مخابئ وظلمات اللاشعور بالتعبير "الحديث" التي تعمل في دنيا الأشخاص بدون أن يكون لها حضور في وعيهم. وهكذا يفوز ابن خلدون مرة أخرى بحيازة سمات ذاتية/شخصية (عامل اللاشعور والمراحل الأربعة التي تتطلبها عملية الإبداع) تؤهله بحق إلى الانتماء إلى معشر الرواد والمبدعين في عوالم الفن والفكر والعلم والمعرفة.
(*) قسم علم الاجتماع/جامعة تونس
البريد الإلكتروني [email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.