آسيا العتروس من المنتظر - إذا لم يحدث ما يمكن أن يؤجل أو يلغي ذلك - أن يمثل اليوم أمام محكمة الجنايات الدولية بلاهاي الجنرال راتكو ملاديتش ليفتح بذلك فصل آخر من فصول أفظع الحروب العرقية التي شهدتها أوروبا خلال تسعينات القرن الماضي ولكن ليعود معها ذلك الجدل القديم الجديد حول مسؤولية الاممالمتحدة في المجازرالمرتكبة في البوسنة وتداعياتها على صورة ومصداقية القبعات الزرقاء وهي التي كانت شاهدا أخرس على فظاعات الصرب في حق أهالي مجزرة سربيرينيتشا التي كانت خاضعة آنذاك لحماية قوات الاممالمتحدة التي لم تنج بدورها من اهانة الصرب وتتحول الى رهائن وقد كبلتها القوات الصربية الى الاشجار تحت أنظارالعالم في رسالة لم تخل من استهتار واضح واستخفاف بالمجتمع الدولي. أكثر من ثمانية الاف من أطفال ورجال سريبرينيتشا تعرضوا للتصفية وتحولوا الى مجرد أرقام في السجلات الرسمية فيما لا تزال الذاكرة البوسنية تبحث استكمال ما خفي من ملابسات الحكاية وكشف أسماء بقية الضحايا في المقابر الجماعية فيما تبقى جرائم الاغتصاب المرتكبة في حق نساء البوسنة مأساة أخرى تنتظر كلمة العدالة الدولية التي وان استطاعت مداواة بعض الجروح فانها لا يمكن أن تداوي الجروح النفسية العميقة لاطفال ولدوا أيتاما وأمهات ثكالى وأرامل ينقلن للعالم شهاداتهم عن الجرائم المروعة... والارجح أن هذا الفصل الذي يفتح من تلك الحرب الدموية وعلى عكس توقعات أغلب الخبراء والملاحظين لا يجب ولا يمكن أن يكون الفصل الاخير للحرب التي غيرت وجه الخارطة الاوروبية.واذا كان ايقاف راتكو ملاديتش حدثا يمكن أن يثلج صدور الكثيرمن أهالي ضحايا المجاز الجماعية لسكان البوسنة المسلمين الذين يواصلون ومنذ وضعت الحرب أوزارها البحث عن مقابر ذويهم فان فيها أيضا ما يجعل ميزان العدالة الدولية أمام اختبار عسير في تحقيق العدالة المغيبة وانصاف آلاف الضحايا والكشف عن الكثير من الحقائق الخفية والتي ان بدت قد تسيء للكثيرين.لقد جاء القبض عن ملاديتش ومن قبله ميلوزوفيتش وغيرهما من المتورطين في جرائم الحرب المرتكبة في يوغسلافيا السابقة ليعيد الى السطح أكثر من نقطة استفهام عالقة حول العدالة الدولية التي تظهر حينا وتغيب أحيانا كثيرة فتصر على الملاحقة والايقاع ببعض من مجرمي الحرب وتتغافل عن اخرين برغم ما في جرابهم من انتهاكات وتجاوزات تتعلق بحقوق الانسان، وبرغم ما في مسيرة قادة اسرائيل وجنرالاتها من جرائم ضد الانسانية من قبية الى القدس والخليل الى صبرا وشاتيلا وغزة وبيروت، فان العدالة الدولية ظلت تتوخى الحياد وتتهرب من مواجهة مختلف الدعاوى التي تقدم بها أهالي الضحايا الفلسطينيين، بل أنه وفي كل مرة كان أحد قادة اسرائيل يجد فيها نفسه قاب قوسين أو أدنى من الوقوع بين أيدي العدالة الا وحدثت تحركات سرية في الكواليس لانقاذ المسؤولين الاسرائيليين وضمان عودتهم سالمين من المطارات الاوروبية الى تل ابيب... استغرق البحث عن الجنرال راتكو ملاديتش القائد العسكري السابق لصرب البوسنة والمتهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ابادة جماعية ستة عشر عاما الا أن عملية ترحيل الجنرال الى المحكمة الدولية بلاهاي لمواجهة العدالة لم يتطلب أكثر من ثلاثة أيام بعد أن أيقنت الاطراف -التي كانت توفر الحماية السياسية والامنية لملاديتش وهو الذي كان مختبئا على بعد تسعين كيلومترا من العاصمة- أن الفوز بعضوية الاتحاد الاوروبي لن يتحقق بدون ذلك..وفي انتظار صدور قرارالعدالة الدولية فان الاكيد أن سجن شنفتمين بلاهاي الذي سجل قبل فترة وفاة مجرم الحرب السابق سلوبودان ميلوسوفيتش سيدون على جدرانه المزيد من الجرائم المرتكبة في حق الانسانية ولكن ليس كلها، فتبقى العدالة الدولية حلما بعيد المبتغى وان كان يراود الكثيرمن ضحايا الاستبداد والظلم والاحتلال والفساد...