أكد أستاذ الاقتصاد رضا شكندالي، في حوار على إذاعة Express FM، أن التراجع المسجّل في معدل التضخم إلى 4.8 بالمائة في جانفي 2026 لا يترجم تحسنا فعليا في مستوى عيش التونسيين، معتبرا أن الفارق بين "التضخم المعلن" و"التضخم المعاش" يفسّر شعور المواطنين باستمرار الغلاء رغم الأرقام الرسمية. تراجع نسق الغلاء لا يعني انخفاض الأسعار أوضح شكندالي أن التضخم يُقاس بنسق ارتفاع الأسعار لا بمستواها، مشددا على أن تباطؤ النسق لا يعني تراجع الأسعار، بل يعني فقط أنها تواصل الارتفاع بوتيرة أبطأ. وأشار إلى أن معدل التضخم بلغ ذروته في ماي 2023 عند 10.3 بالمائة، قبل أن يتراجع تدريجيا إلى 4.8 بالمائة مطلع 2026، غير أن هذا التراجع "اسمي"، لأن الأسعار التي ارتفعت خلال السنوات الماضية لم تعد إلى مستوياتها السابقة. وأضاف أن احتساب التطور التراكمي للأسعار منذ جانفي 2015 إلى جانفي 2026 يُظهر أن معدل التضخم خلال هذه الفترة يقارب 8.5 بالمائة سنويا، وهو ما يعكس ضغطا متواصلا على القدرة الشرائية. "التضخم المعاش" أعلى من التضخم الرسمي اعتبر شكندالي أن المؤشر العام للأسعار عند الاستهلاك يدمج مواد مدعّمة وخدمات غير أساسية، ما يؤدي إلى "تخفيف إحصائي" لحدة الغلاء الحقيقي. وبيّن أن قفّة الاستهلاك الفعلية للأسر، التي تمثل نحو 62.5 بالمائة من إنفاقها الشهري، ترتكز أساسا على الغذاء والكراء والصحة والتعليم والنقل، وهي نفقات لا يمكن تقليصها أو تأجيلها، وقد شهدت زيادات ملحوظة خلال السنوات الأخيرة. وأكد أن هذا الفرق بين المؤشر العام والأسعار الفعلية للمواد الأساسية هو ما يخلق فجوة متزايدة بين الأرقام الرسمية وإحساس المواطن اليومي في السوق. iframe loading=lazy src="https://www.facebook.com/plugins/video.php?height=314&href=https%3A%2F%2Fwww.facebook.com%2Fsevensharp%2Fvideos%2F1171428958178707%2F&show_text=false&width=560" class=divinside scrolling=no frameborder=0 allowfullscreen=true allow=autoplay; clipboard-write; encrypted-media; picture-in-picture; web-share" allowFullScreen=true الأجور لم تواكب الأسعار وفي قراءة لتطور الأجور مقارنة بالتضخم، أوضح شكندالي أن الأجير الذي كان يتقاضى 500 دينار شهريا في جانفي 2015 كان يفترض أن يصل أجره إلى نحو 966 دينارا في جانفي 2026 للحفاظ فقط على نفس قدرته الشرائية، وفق الأرقام الرسمية. أما عند اعتماد ما سماه "التضخم المعيشي"، فإن الأجر نفسه كان يفترض أن يبلغ حوالي 1041 دينارا للحفاظ على نفس المستوى من الاستهلاك. وينسحب الأمر ذاته على بقية مستويات الأجور، ما يعني، وفق تعبيره، أن جزءا هاما من الأجراء تعرّضوا إلى "خفض غير معلن في الأجر الحقيقي" سنة بعد أخرى، حتى في الفترات التي تراجع فيها معدل التضخم. 2022 نقطة تحوّل قسّم شكندالي الفترة الممتدة بين 2015 و2026 إلى مرحلتين: * مرحلة أولى إلى حدود 2021، بمعدل تضخم سنوي في حدود 6.6 بالمائة، مع وجود آليات امتصاص جزئي للصدمة، مثل الزيادات الدورية في الأجور واللجوء إلى التداين. * مرحلة ثانية بعد 2022، ارتفع فيها معدل التضخم إلى نحو 8 بالمائة سنويا، في سياق اقتصادي أكثر هشاشة، تميز بتباطؤ النمو وارتفاع البطالة وتشديد السياسة النقدية. واعتبر أن سنة واحدة بتضخم مرتفع في اقتصاد ضعيف يمكن أن تكون أكثر تدميرا للقدرة الشرائية من عدة سنوات بتضخم متوسط في اقتصاد أكثر توازنا. اختلالات هيكلية ومنوال نمو مأزوم شدّد أستاذ الاقتصاد على أن التضخم في تونس لا يمكن تفسيره بعوامل نقدية فقط، بل هو نتيجة تراكم اختلالات هيكلية، من بينها: * ارتفاع كلفة الإنتاج وأسعار الواردات * تراجع قيمة الدينار * ضعف الإنتاج والاستثمار * ارتفاع الضغط الجبائي وأضاف أن جزءا من التضخم يرتبط ببنية المنظومة الجبائية، خاصة الضرائب غير المباشرة مثل الأداء على القيمة المضافة، التي تنعكس مباشرة على الأسعار، معتبرا أن التضخم تحوّل إلى "ضريبة غير مباشرة" يتحملها المواطن يوميا. ودعا إلى اعتماد سياسة مزدوجة تجمع بين السياسة النقدية والسياسة الجبائية، بدل الاكتفاء برفع أو تثبيت نسبة الفائدة المديرية كأداة وحيدة لمكافحة التضخم. تآكل الطبقة الوسطى على المستوى الاجتماعي، اعتبر شكندالي أن التضخم أعاد توزيع الدخل على حساب الأجراء والطبقة الوسطى، التي بدأت تفقد قدرتها الادخارية وتزداد اعتمادا على القروض. وبيّن أن الفئات ذات الدخل الثابت هي الأكثر تضررا، لأن الجزء الأكبر من إنفاقها موجّه نحو الضروريات، بخلاف أصحاب الدخول المرتفعة الذين يمكنهم تقليص نفقاتهم غير الأساسية. وختم بالتأكيد على أن تونس لا تعيش موجة غلاء ظرفية، بل مسارا بنيويا من تآكل الدخل الحقيقي، معتبرا أن أي تراجع اسمي في معدل التضخم لن يكون له أثر ملموس ما لم تُستعد القدرة الشرائية وتُراجع سياسات الدخل والدعم بشكل يراعي كلفة العيش الفعلية. تابعونا على ڤوڤل للأخبار