مباشرة مع انتهاء السنة الدراسية اختلفت وجهات التلاميذ .. كل حسب حظه وحسب وضعه الاجتماعي فالبعض كانت وجهتهم "الخلاعة" داخليا وخارجيا.. والبعض ظل في المنزل والبعض الآخر خيّر أو أجبروه على التحول نحو سوق الشغل الموسمي بمختلف اختصاصاته. تلاميذ أنهوا دراستهم واستغلوا العطلة السنوية للخروج للعمل ومساعدة عائلاتهم دفعهم في ذلك إحساسهم بالمسؤولية وتدهور ظروفهم الاجتماعية والعائلية رغم أن عملهم هذا يمكن أن يعرضهم لحالات من العنف والاعتداءات والاستغلال. "الصباح " خرجت إلى الشارع لترصد بعضا من هذه الحالات وكان لقاؤها الأول مع الطفل أيمن وهو تلميذ انتقل إلى السنة الثامنة أساسي له معدل جيد بمجرد انتهاء السنة الدراسية ورأفة بشقيقه الذي يعمل طوال فترة الشتاء استغل العطلة ليساعد شقيقه في بيع السجائر على قارعة الطريق وأضاف هذا الطفل أن عائلته متعددة الأفراد ودخل والده محدود وهو ما دفعه لمساعدة عائلته في تحمل هذه المسؤولية.
الظروف ..
أما أمل فهي فتاة عمرها 16 سنة تدرس بمعهد ثانوي بحي ابن سيناء، بمجرد انتهاء السنة الدراسية أو حتى أثناء العطل تعمل في محل حلاقة بمبلغ 100 دينار في الشهر، أضافت أنها تعمل لتساعد عائلتها المحدودة الدخل ولتلبي حاجياتها الشخصية فلا أحد يستطيع أن يسلمها هذا المبلغ إذا بقيت في المنزل. وجدنا كذلك حالات أخرى كان فيها الطفل هو المصدر الأساسي والوحيد لدخل الأسرة حيث يكفل والديه أو أحدهما ويضطر للانقطاع عن الدراسة ليلتحق بورشة أو بمحل من أجل مساعدة عائلته وبهذا تكون الظروف هي التي دفعته للانقطاع عن الدراسة والالتحاق بالعمل كما هو الحال بالنسبة لسفيان السالمي شاب بباردو يعمل بورشة لميكانيك السيارات لمدة ست ساعات يوميا مقابل 120 دينارا في آخر كل شهر. أما الشاب أيمن فعمره 17 سنة أصيل سيدي بوزيد كان صحبة ابن عمه الذي أكد للصباح أن لأيمن ظروفا اجتماعية قاسية دفعته لمغادرة سيدي بوزيد والتوجه إلى العاصمة حيث يقيم في منزل عمه ورغم ذلك رفض أيمن الحديث عن مشاكله وصرح فقط بأن بعض الأشخاص ساعدوه لشراء بعض المواد الالكترونية لبيعها على قارعة الطريق في أحد أنهج وسط العاصمة. بسام ذياب تمكن هو أيضا من الحصول على بعض المال من طرف بعض الأشخاص لشراء بعض المواد الألكترونية وبيعها في أحد شوارع العاصمة، هو أيضا أصيل سيدي بوزيد مستواه التعليمي السابعة أساسي انقطع عن التعليم ويقطن حاليا بأحد النزل البسيطة، ظروفه الاجتماعية قاسية وهو يحاول من خلال هذا العمل أن يوفر قوت يومه. هذه الوضعيات وغيرها تبرز ما يمر به بعض الأطفال من صعوبات ومشاكل اجتماعية تضطرهم للخروج إلى العمل وتمضية الساعات الطوال تحت أشعة الشمس للحصول على بعض المال لكن في المقابل نجد أطفالا آخرين من نفس سنهم في "النعماء يرفلون" ويقضون عطلهم في أحسن بقاع الدنيا.. كل وظروفه وإن سألتم الله فاسألوه البخت..
مؤشر فشل المنظومة التربوية والحقوقية
في هذا الإطار اتصلت "الصباح" بطارق بن الحاج محمد مختص في علم الاجتماع ليبدي رأيه في هذه الظاهرة ورأى أن تشغيل الأطفال هو مؤشر فشل منظومة تربوية ومنظومة حقوقية، المنظومة التربوية تتمثل في أنه رغم أن التعليم عام ومجاني لكن هناك انقطاعأ تلقائيا من بعض الأطفال لأسباب وظروف اجتماعية معينة, أما المنظومة الحقوقية فتونس أمضت على معاهدة قانونية تحفظ كرامة الطفل وخاصة الطفل المهدد. الإشكال أن هذه المصادقة ليس لها تأثير فعلي فنسبة كبيرة من المنقطعين عن الدراسة يستغلون للعمل أسوأ استغلال. أما فيما يخص الأطفال الذين يعملون في العطل فمنهم المجبر الذي يدفع من طرف عائلته للعمل ومنهم من يخرج من تلقاء نفسه للمساعدة وهو مؤشر إيجابي للطفل في تحمل المسؤولية والاندماج في المجتمع. فهو بذلك يتعلم من المؤسسة التربوية خلال السنة الدراسية وفي العطل يتكون في مدرسة الحياة. أضاف السيد بلحاج أن المنظومة اختلت اليوم لما أصبحنا نراهن على الدراسة أو الامتياز والمعدل، حيث أنه في منظورنا للعائلة الناجحة هي من ترسل ابنها لمدرسة خاصة لتعليم اللغات أو لتمضية العطلة في أحسن مكان في العالم وهذا نتج عنه جيل، ليس متناسقا مع محيطه ولا مجتمعه، يلقى صعوبة في الاندماج في الشغل حتى ولو حصل على أكبر الشهادات. فالحياة لها منطق خاص بها والمجتمع له شفرة خاصة به ومن لا تكون له هذه التجربة لا تكون لديه خبرة وتكون النتائج سلبية في تعامل هذا الطفل مستقبلا مع والديه في عدم تحمله المسؤولية ومساعدتهما وحتى في تلك الروابط الاجتماعية والأسرية. فالحماية المفرطة للطفل فيها ضرر عليه وعلى كل الروابط الأسرية والاجتماعية المحيطة به والقسوة المفرطة أيضا لها سلبياتها في مصير الطفل مستقبلا. الحياة مدرسة مستقلة بذاتها والشهادات غير كافية والمجتمع لديه شفرة وجب التعرف عليها بشكل مبكر عن طريق الاندماج.