يتواصل بثّ مسلسل «من أجل عيون كاترين» على قناة نسمة وهو أحد الأعمال الأساسية التي أعدتها القناة ضمن شبكتها الرمضانية لهذا العام ونكاد نقترب من نهاية المطاف وبانت بالتالي للملاحظ أبرز مميزات العمل كما بدت النقاط التي يمكن أن نعتبرها أقل تميزا. يجمع المسلسل الذي أخرجه حمادي عرافة أحد المخرجين المتمرّسين بالساحة التونسية وجوها من أبرز ما هو متوفر في المجال على غرار محمد السياري ودليلة مفتاحي ودرصاف مملوك وجمال المداني وفتحي المسلماني وجمع من الشباب كما أنه أعاد الممثل فتحي الهداوي إلى العمل بالدراما التونسية. تدور أحداث المسلسل الذي وصف بأنه أضخم انتاج مغاربي في أواخر فترة حكم الرئيس المخلوع حول قرية بحرية تقع على السواحل التونسية. قرية مازالت تقتات ممّا يجود به البحر. وهي تعيش في الظاهر في حالة سلم ولكن عندما تتوغل الكاميرا في البيوت وتقترب أكثر من الشخصيات نكتشف أن الحالة ليست سلميّة تماما بل على العكس فإن الحالة بالأحرى كارثية. شباب القرية من المعطلين عن العمل وسواء كانوا متعلمين أم لا يقضون أيامهم يتسكعون بين فنادق المنطقة السياحية لا حلم لهم إلا مغادرة البلاد إلى فرنسا.. فشل تجارب أوليائهم الذين هاجروا إلى فرنسا لم يحل دون نزع فكرة الهجرة من رؤوسهم. كل الطرق بالنسبة لهؤلاء ينبغي أن تؤدي إلى فرنسا. الزواج مثلا بأجنبية أو بمهاجرة لكن الطريق الأكثر خطرا التي يسلكها الشباب من أجل المرور إلى الضفة الأخرى بالحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط تتمثل في « الحرقان « أو التسلل إلى الأراضي الأوروبية عبر البحر وعادة ما تتم العملية على متن قوارب متعبة أو وفق ما يصطلح عليها اليوم بقوارب الموت. وعن المآسي واللوعة التي تخلفها عمليات « الحرقان « لا تسل. في خضم ذلك يكشف المسلسل جوانب من المناخ العام بالبلاد وخاصة الوضع السياسي وحالة التضييق التي كانت تمارسها الدولة البوليسية التي كان يقودها الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي والتي ترك فيها العنان للصقور من أصهاره وحيتان القرش من بطانته الذين لا يخضعون لأي قانون لتحقيق مآربهم واشباع رغباتهم التي لا تنتهي ونهمهم الذي يزداد مع تكدس ثرواتهم. مؤاخذات و لكن ورغم مختلف المؤاخذات على المسلسل وهي ليست بقليلة من ذلك مثلا كثرة الإشكاليات المطروحة في نفس الوقت وتشتّت القضايا. فالعمل الدرامي لا يمكن له أن يشخّص مختلف أمراض المجتمع دفعة واحدة وفي عمل واحد ووددنا لو أنه تم الإقتصار على فكرة واحدة تنطلق منها الأحداث وتيّسر على المشاهد عملية متابعة الأحداث ممّا نخاله يسمح بمعالجة أفضل للأحداث وبالتالي يشد المتفرج بشكل ربما أفضل. أطنب المسلسل مثلا في الأحزان وبالغ في الأحداث المأساوية إلى درجة تنقبض لها القلوب وتتشنج بسببها الأعصاب ولا نخال أن المشاهد وإن كان يبحث عن عمل فني جدّي بقادر على تحمّل ذلك الكم الهائل من الأحزان والمآسي التي وقع الزجّ بها في مسلسل «من أجل عيون كاترين « وحتى وإن صادف وإن كان العمل يتضمن على لحظات تراجيدية فإن ذلك ينبغي أن يكون موظفا بشكل ذكي يجعل الأحداث تنساب بيسر ولا تثقل على المشاهد. وللأسف فإن مسلسل « من أجل عيون كاترين» أثقل كاهل المشاهدين في حلقات عديدة بالمآسي دون أن يترك للمشاهد مساحة يتنفس منها أو منطقة يرى منها امكانية لتغيير الأحوال نحو الأفضل. مقابل ذلك فإننا وقفنا في هذا المسلسل على عمل درامي تلفزيوني فيه الكثير من الجديّة. الأحداث تلامس مشاغل المواطن التونسي كما أنها تكشف المسكوت عنه والأهم من ذلك أن كشف المسكوت عنه من أمراض اجتماعية وأمراض العصر لم يتم في إطار محاولة إغراء المشاهد بالفرجة واستدراجه من خلال التلاعب بالعواطف على طريقة مسلسل مكتوب 3 مثلا وهي عملية تتم على حساب عدة اعتبارات فنية. لم يقتصر العمل على الجانب الوصفي مثلما حدث في المسلسل المذكور الذي بثته قناة التونسية وإنما كان هناك محاولة للنبش في عمق القضية وتناولها من مختلف زواياها ومحاولة فهم الأسباب والمسببات. وهو على تلك الصورة يمكن أن نعتبره نموذجا مضادا أو معاكسا لمسلسل مكتوب وخاصة في جزئه الثالث. عمل لا يعتمد على طعم وسامة الأولاد وجمال البنات صحيح لم يكن العمل مغر على طريقة مكتوب لأنه لم يعتمد على الفضائح وعلى كشف المستور وعلى الديكورات الفاخرة وعلى وسامة الأولاد وجمال البنات فحسب وصحيح أن بدايته كانت صعبة ولكن مع مرور الحلقات ومع اكتشاف ملامح الشخصيات خاصة وأنّ السمة الغالبة على العمل التلقائية في الآداء والأجواء كانت تونسية بحتة وفق ما عودنا به حمادي عرافة الذي غالبا ما تكون أعماله قريبة جدا من الطقس التونسي يقر المشاهد رويدا رويدا بأن العمل طيب وأن وراءه جهدا ونظرا. ولعل الجمهور قد تعرّف من خلال هذا العمل على مناظر طبيعية تونسية جميلة من خلال القرية الساحلية التي دارت بها أغلب أحداث المسلسل بشاطئها الصخري وبزرقة مياه بحرها الصافية والنمط المعماري المميز لها وهو جانب عادة ما تسقطه الدراما التونسية من حساباتها رغم ما له من دور في التعريف بالطبيعة التونسية وبالمناخ التونسي والطقوس التونسية. انتبه الجمهور كذلك للامكانيات الواسعة للعديد من الممثلين من الكبار والصغار ونذكر على سبيل الذّكر درصاف مملوك التي أقنعت في دورها الجديد وفتحي المسلماني أو معزّ التّومي ومنال بن عمارة ووحيدة الدّريدي التي ظهرت في دور مخالف وبرزت بهدوئها الملفت للإنتباه وتلبّسها بالدور باقناع كبير وغيرهم أما فتحي الهداوي فكان في مستوى ما عهدناه حتى ولو أن بعض المشاهد التي جمعته بالممثلة منال عمارة هناك من رأى أنها ربما تكون أفضل لو ظهرت بعمل سينمائي أمّا التلفزيون فله خصوصياته وخطوطه الحمراء.