كثرت في الفترة الأخيرة المبادرات وخرائط الطرق لفترة ما بعد 23 أكتوبر، أبرزها مبادرة السادة منصور معلى وعبد الوهاب الهاني وغيرهم. وتدعو اغلب هذه المبادرات الى ضرورة إرساء حوار وطني شامل حول مختلف القضايا المطروحة، وذلك بتشريك مختلف الأطراف السياسية وممثلي المجتمع المدني من جمعيات، نقابات، اتحاد الصناعة والتجارة، اتحاد الفلاحين،...الخ، وغيرهم. كما تدعو الى فتح الائتلاف الحالي في السلطة التنفيذية الى أطراف سياسية أخرى في نطاق حكومة وفاق وطني تظم مختلف مكونات المشهد السياسي. ولئن تبدو هذه المبادرات في ظاهرها بريئة وموضوعية، تسعى الى الإصلاح والى التخفيض من حدة التشنج والاضطرابات وخلق مناخ ملائم لعودة الاستقرار وحيوية النشاط الاقتصادي ونسق النمو والاستثمار، ولا احد له حد أدنى من الحس الوطني يرجو غير ذلك. إلا انها في باطنها يمكن ان تحمل بوادر من شأنها ان تزيد الوضع تأزما وتعقيدا. اذ لا يختلف اثنان في ضرورة التمسك بالحوار على أوسع نطاق كمبدأ أساسي في الحكم وفي القيام بالإصلاحات وتحديد المشاريع المزمع انجازها، وأهمية تشريك كل الأطراف السياسية والاجتماعية والمهنية في بلورة الاستراتيجيات المستقبلية في مختلف القطاعات، وهذا متيسر عبر المجلس التأسيسي وبقية الهياكل المهنية والإدارية وعبر الاستشارات الوطنية ومنابر الحوار المختلفة. وان كانت هناك نقائص في هذا المجال فالأولى تداركها والعمل على تجاوزها. اما الدعوة الى توسيع الائتلاف الحكومي ليشمل كل الأطراف السياسية أو أغلبها فهذا من شأنه ان يجعل تسيير دواليب الدولة اكثر صعوبة وتعقيدا، وربما يؤدي الى تعطيل اخذ بعض القرارات الهامة التي لا يحصل فيها توافق، وما نشهده خلال مداولات المجلس التأسيسي لخير دليل على ذلك. ان المرحلة دقيقة وتتطلب اكثر سرعة ومردودية في أداء السلطة التنفيذية لتحقيق استحقاقات الثورة والإصلاحات المنشودة. ان الإئتلاف في النظم الديمقراطية ينبغي ان يحترم ارادة الشعب فلا يضم أطرافا لم تحظ بثقته خلال الانتخابات، ولا معنى لائتلاف يضم أطرافا لا تتفق على حد أدنى من الأهداف والمبادئ المشتركة مما يؤدي حتما الى التفرقة والانقسام. فالتوحد والائتلاف ليس هدفا في حد ذاته، انما هو وسيلة لإضفاء مزيد من النجاعة في العمل وفي تسيير دواليب الدولة، ولا يمكن ان يرمي الى ترضية هذا الطرف اوذاك، او الى قسمة لمناصب ومراكز نفوذ. الأجدى هو ان يتم الإسراع في صياغة الدستور والإتفاق على جدول زمني محدد للإستحقاقات الإنتخابية القادمة والتعالي عن المصالح الحزبية والسياسوية الضيقة حتى يتحقق الإستقرار السياسي الذي يمثل الركيزة الأساسية لتحقيق الإستقرار الإجتماعي والنمو الإقتصادي. بقلم: طه النجار