في كواليس تضجّ بالتخمينات والتكهنات والتسريبات التي تلهث وسائل الإعلام لاقتناصها، تتواصل النقاشات المعلنة والخفية لحركة النهضة لتشكيل حكومة علي العريض المرتقبة، حكومة ولدت من رحم أزمة سياسية ملطّخة بدماء جريمة الاغتيال، في أجواء محتقنة سياسيا ومشحونة بالشك و"شيطنة" الآخر.. حركة النهضة دفعت بالعريض إلى مركز القيادة، بعد استقالة الجبالي، كردّ فعل على مقترحه لتشكيل حكومة كفاءات وطنية، ساندتها المعارضة وأجهضها حزبه.. مفارقة "فريدة من نوعها" في عالم السياسية، تعكس مراهقة سياسية وارتجالا لنخبنا الحاكمة والمعارضة على حدّ سواء، حيث عجزت تلك النخب عن احتواء الأزمة السياسية التي أججتها الصراعات "البدائية" بين فريق حاكم متمسّك، وفريق "يمتهن" المعارضة رافعا شعار "أنا أحتجّ إذن أنا موجود".. وفيما أساءت المعارضة التقدير بدعمها مبادرة الجبالي لتعميق ما خيّل لها بوادر انشقاق في أعلى هرم الحزب الحاكم، الذي عرف بانضباط قيادته وقدرة إطاراته الفائقة على رأب كل صدع وحبس خلافاتهم في أروقة "القلعة الزرقاء". نأت المعارضة اليسارية الراديكالية بنفسها عن هذه "الغوغاء"، فهي التي لم ينطل عليها السيناريو الدراماتيكي الذي يسوّق للصراع المزعوم، بين الجبالي "الأردوغاني" الذي لا يرى الدولة الاّ "مدنية، ديمقراطية، ومتعدّدة".. والغنوشي "الأربكاني" المتشبّع بالفكر الديني المتشدّد، ومن الطرائف أن ينتهي المشهد المؤثر بقبلة من الجبالي على رأس الزعيم الروحي للحركة راشد الغنوشي، في ليلة تبادل الأدوار.. ويسدل الستار على ما يشبه العمل المسرحي.. وإذا كان الجبالي غادر القصبة، بلقب "رجل الدولة" فإن خليفته العريض يدخل أروقة الحكم بلقب "وزير الداخلية الفاشل"، الذي يرافقه سجال سياسي على أشدّه، يراوح بين اعتباره عنوانا لأحلك الفترات الأمنية الفاشلة.. وبين من يعتبره رجل المرحلة الحرجة بمواقفه الحاسمة وأعصابه الهادئة.. علي العريض "رجل التنظيم" ذو النفوذ لدى أجنحة الحزب، وزعيم نهضة "الداخل" التي اكتوت بسنوات الجمر، يسعى للبروز في صورة السياسي "البراغماتي"، الذي سيحاول الاعتماد على رصيده وعلاقاته ما قبل الثورة مع رموز المعارضة اليسارية والليبرالية، والتي أمضى معها باسم حركة النهضة على وثيقة 18 أكتوبر، التي شكّلت تحوّلا تاريخيا في أدبيات حركته، التي قبلت حينها بمشروع دولة مدنية ديمقراطية تعددية.. ورغم أنه صرّح غداة تعيينه بأنه سيسعى إلى تشكيل حكومة لكل التونسيين، إلاّ أن الخلاف الحادّ حول الأجندة المطلوبة لعملية الانتقال الديمقراطي، تجعل مهمة العريض في إقناع "رفاق الأمس" من الحزب الجمهوري والمسار خاصّة، بالانضمام إلى تشكيلة الحكومة الجديدة، أو دعمها مهمة تكاد تكون مستحيلة.. وبالتالي فإن الدرب أمام حكومة العريض لن يكون معبّدا.. ويُخشى أن تكون تونس الخاسر الأكبر...