تتلقىّ بلادنا في كل مرّة ضربة موجعة تنزل على الاقتصاد بكل مكوّناته كما "الصاعقة". وبالرغم من المساعي الحثيثة والبرامج الاستعجالية التي تصدرعن جهات مختلفة من المنظمات الوطنية وعن المكونات الفاعلة في المجتمع المدني ، إلا ان الأمر يزداد سوءا خاصة اذا ما دققنا النظرفي تداعيات الهزّات المتتالية عبرالمؤشرات والإحصائيات المتعلقة بالخسائرالتي تكبّدتها البلاد وأثرت سلبا على نسق الاقتصاد الوطني بعد الأحداث التي جدّت مؤخرا وللوقوف عند أهم تداعيات فاجعة اغتيال الشهيد محمد البراهمي وعملية الشعانبي الإرهابية على مسارات الاقتصاد، توجّهت "الصّباح" الى أبرز رجال المال والأعمال في البلاد بالسؤال حول الوضع الاقتصادي الراهن وآفاقه فاضل عبد الكافي، رئيس بورصة تونس والمديرالعام للأوراق المالية صرح ل" الصّباح" ان سوق الأوراق المالية تبقى دائما في صدارة المتأثرين سلبا بالمستجدّات التي تطرأ على البلاد واستعرض في ذات السّياق أهم التداعيات بلغة الأرقام، حيث خسرت بورصة الأوراق المالية ما لا يقل عن 500 مليون دينارمن رسملتها في غضون ثلاث حصص تداول تلت خبرفاجعة الاغتيال الأخيرة وتراجع مؤشرالبورصة بنسبة 1.6 بالمائة في الحصة الأولى و بنسبة 0.7 بالمائة في الحصّة الثانية يليها انخفاض ثالث بنسبة 1.19 بالمائة بالرغم من التماسك الذي عرفه في الحصّتين الأخيرتين بارتفاع قدره 1.6 بالمائة واضاف عبد الكافي ان الخطرالأكبريخص حجم التداول الذي يعتبر من أهم الأرقام خطورة في المستقبل القريب وكذلك على المدى البعيد، حيث "تراجع حجم التداول بصفة ملحوظة سنة 2013 مقارنة بسنة 2012 من 5 مليون ديناريوميا إلى حوالي 3 مليون دينار يوميا وتراجع حجم التداول اليومي إلى 2.5 مليون ديناربعد اغتيال الشهيد محمد البراهمي" واشارأن الأشد خطورة هو تزامن نزول حجم التداول بفترة تشهد فيها بورصة تونس نقلة نوعية هذه السنة، حيث ان السوق المالية تتجه من مكمل لتمويل الاقتصاد إلى مستوى مموّل هام للاقتصاد ضربة قاسية وبيّن عبد الكافي في هذا الصّدد الى بعض الأرقام الهامة التي تفيد مساهمة بورصة تونس في تمويل الاقتصاد من خلال عمليّات اكتتاب عام قدّرت بأكثر من 1300 مليون دينار هذه السنة مابين رقاع تمويل لخزينة الدولة ورقاع شركات خاصة وعمليات دعم موارد ذاتية لسبع 7 شركات خاصة؛ و"مازلنا ننتظر قبل نهاية هذه السنة أكثرعمليات إدراج بالسوق تدعيما لرؤوس أموال الشّركات." وبيّن كذلك ان "عمليّة اغتيال الشهيد محمد البراهمي كانت بمثابة الضربة القاسية لمعنويات المستثمرين في البورصة؛ وبالتالي تراجع مستوى حجم التداول الذي يعتبرغيركاف لاستيعاب حجم العمليات القادمة من دعم لرؤوس أموال الشركات وتمويل لخزينة الدولة" وفيما يخصّ الحلول المقترحة للخروج من هذه الأزمة الخانقة التي تمربها البورصة خاصة والاقتصاد التونسي عامة، اشارعبد الكافي الى ان الحل الأساسي يبقى رهين الحل السياسي وفي تجمع الفرقاء واتفاقهم على خارطة طريق واضحة المعالم حتى يسترجع المستثمر التونسي والأجنبي ثقته الكاملة بالسوق؛ وحتى تحافظ تونس على مستوى ترقيمها السّيادي" واضاف كذلك أنه "لا بدّ من إعلان حلّ سياسي له الوقع الإيجابي على المستثمرين ليغطي على هول فاجعة الاغتيال التي أثرت سلبا عليهم وأوشكت أن تأتي على آخرمعقل قائم في وجه الأزمة الاقتصادية التي تمرّ بها تونس إلى حدّ هذه اللحظة "، مشيرا الى أن بورصة تونس رغم التزامها بدورها كمموّل في المنظومة الاقتصادية للبلاد إلا انها لا يمكن ان تواصل مقاومتها أمام تواترالأحداث والأخبار السيئة وتواصل الأزمة السياسيّة في البلاد" على حد تعبيره الوضع سيكون صعبا.. ومن جهته، بين طارق الشريف، رئيس كنفدرالية المؤسسات المواطنة التونسية، ان الأزمة في تونس "تطوّرت بصفة خطيرة لتبلغ ذروتها باغتيال المرحوم شكري بلعيد يوم 6 فيفري الماضي ثم المرحوم محمّد البراهمي يوم 25 جويلية 2013 ثم بعدها بيومين مجموعة من جنودنا البواسل بجبل الشعانبي والتجاذبات والمواجهات والتباين في المواقف بين الأحزاب ومختلف الأطراف المعنيّة التي تلتها وأعطت بذلك أبعادا سياسية واقتصادية واجتماعية للأزمة" واضاف الشريف أن الاقتصاد التونسي مرّ منذ سنة 2011 بالعديد من الهزّات الخطيرة والمتتالية الى جانب "الإضرابات العشوائية والاعتصامات وقطع الطرق والتصدّي لحق العمل التي تواصلت وتفاقمت في ظل عدم تحمل الأطراف المعنية وخاصة منها الحكومية والنقابية لمسؤولياتها مما زاد الوضع تدهورا وتعقيدا بالاستفحال المحير والخطيرلظاهرة العنف وحتى الاغتيالات وعدم وضوح الرؤية السياسية والاقتصادية والأزمات الحكوميّة المتتالية وتواصل المرحلة الانتقالية بدون تحديد اي أجل واضح لنهايتها" كما ذكرفي ذات السياق انه من الطبيعي أن تكون التداعيات الاقتصادية في مثل هذا الوضع عميقة وسلبية، مشيرا الى أن أهمها هي تلك التي تتعلق بالاستثمارالمحلي والأجنبي الذي لا يمكن ان ينتعش في مثل هذا الوضع الضبابي ومن هذا المنعرج الخطيرالذي ينحدراليه نسق الاستثمار بيّن الشريف ان الأهداف المتعلقة بالتشغيل وبالتنمية الجهوية "لا يمكن تحقيقها حتى وان لجأت الدولة كما فعلت في السنة الفارطة إلى إثقال كاهل الوظيفة العمومية والمؤسّسات التابعة لها بالقيام بانتدابات تفوق بكثيرالحاجيات الحقيقيّة وقدرة هذه الهياكل على تحمّل الأعباء المالية والاجتماعية المنجرّة عنها؛ "خاصة انّ ال25 ألف موطن شغل التي تمّ إحداثها في القطاع العمومي "لا تعتبر مواطن شغل حقيقية بقدرما تمثل تهديدا مباشرا لتوازنات العديد من المؤسّسات العموميّة المعنية." على حدّ تعبيره مخاطر أخرى وبشأن الاستثمارالخارجي الذي يبقى ضروريّا للبلاد لتحقيق نسب نموّ أرفع في ظل هذه المعطيات ذكررئيس "كونكت" انه سيتأثرسلبا بالإضافة إلى المخاطرالمتعلقة بإمكانية مغادرة المزيد من المؤسّسات الأجنبية للبلاد التونسية بتواصل الإضرابات والاحتجاجات كما اضاف الشريف ان نسبة النموّ المعلن عنها والمقدرة ب 4٪ للسنة الحالية والتي تعتبر في حدّ ذاتها بعيدة عن نسبة 7 او 8 الضروريّة لمواجهة الطلبات الإضافية للشغل واستيعاب جزء من نسبة البطالة الحالية لا يمكن تحقيقها خاصة "أننا تجاوزنا الشهرالسابع من السنة ومردود قطاعات هامة على غرارالفلاحة والسياحة والفسفاط والتصديرسيكون بعيدا عن المؤمل" واشارمن جهة ثانية ان تطورالوضع السياسي والتباين والتصلب في المواقف ستنعكس سلبا على السّيرالعادي لعمل مختلف الوزارات حيث ستكون هذه الأخيرة منشغلة أكثربالنواحي المتعقلة بالانتخابات وبتصريف الشؤون العادية ولا يمكن لها اعتبارا لهذا المناخ إدخال الإصلاحات المنتظرة على مجلة الاستثماروالنظام الجبائي وأنظمة التمويل ومجلة الشغل والحوارالاجتماعي وبهذا "فإن الوضعيّة المؤقتة والضبابيّة في المجال السّياسي والاقتصادي مرشّحة مع الأسف لأن تتواصل إلى ما بعد إعداد الدستوروتنظيم الانتخابات" وذكرالشريف كذلك ان الوضع سيكون في المستقبل القريب أصعب بتواصل تدهورقيمة صرف الديناربالمقارنة مع اليورو والدولار وارتفاع نسبة التضخّم المالي ونسبة البطالة ونسبة الاقتراض وعجز الميزان التجاري والصعوبات المنجرّة عن التخفيض في الترقيم السيادي للبلاد وبخصوص وضع المؤسّسات الاقتصادية وخاصة منها الصغرى والمتوسطة فقد اشارالشريف الى أنها " ستشهد وضعا صعبا سيهدّد توازناتها التجارية والمالية وذلك بالارتفاع المتواصل لتكاليف واراداتها بالدينارمن المواد الأولية وصعوبات التصدير والضغوطات الاجتماعية" وبالمقابل افاد الشريف ان الحل للخروج من هذه الوضعيّة يتمثل في استكمال المرحلة الانتقالية في أسرع الأوقات ووضع المصلحة العليا للبلاد والتونسيّين فوق الاعتبارات الحزبيّة والانتخابية والتجاذبات المتعلقة بالشرعية والحكومة والمجلس التأسيسي والعمل بالنجاعة الضرورية على ضمان الأمن بالنسبة للأشخاص والمؤسّسات والممتلكات واكد في ذات السياق على ضرورة لفت انتباه الجميع حول هذه النواحي والاهتمام بالتداعيات الاقتصاديّة والاجتماعية والتنمويّة وعدم الاقتصارعلى الناحية السياسيّة وتجاهل الانتظارات الحقيقيّة للتونسيّين المتعلقة بالشغل والتنمية والكرامة