أعود اليوم للكتابة عن البلديات بعد أن طفا ملفها مجددا على سطح الأحداث.. أعود للكتابة وأنا معتقد جازم الاعتقاد بالمهام «الخطيرة» المناطة بعهدة هذا الهيكل والتي بأدائها بالشكل الجيّد ونيل رضاء المواطن تكون قد ساهمت بشكل فعّال في تجميل صورة الدولة لدى عموم الناس وتحبيب نظام الحكم إليهم. لكنّ ما يلفت نظري ويستوجب وقفة تأمل من صناع القرار هو ظاهرة تكليف موظفين سامين بالدولة أو رجال أعمال برئاسة مجالس البلديات ضمن القائمات التي يعرضها الحزب الحاكم عند كل انتخابات.. وأنا لست ضد هذا النمط من التكليف إن كانت الغاية منه الافادة والاستفادة وإن ينجح المعني بالأمر في تحقيق الاضافة المرجوة.. لكن ترى هل هذا ممكن إن نحن قمنا بجرد لمسؤوليات الموظف السامي - رئيس البلدية ولقابلية روزنامة عمله لتخصيص وقت مقبول لادارة شؤون المجلس البلدي والتنقل بين مختلف دوائر البلدية ومراقبة انجاز المشاريع الهامة على الاقل. إن ما نلحظه اليوم هو أن هؤلاء الموظفين السامين الذين عادة ما يكلفون بإدارة مؤسسات عمومية أو دواوين حكومية أو إدارات عامة داخل وزارات.. يعملون بتفان طيلة أثنتي عشرة ساعة في اليوم وهناك منهم من يتناول «كسكروتا» بمكتبه كي لا يضيع الوقت في التنقل.. وشخصيا أشاهد أضواء مكاتب بعض هؤلاء المسؤولين منارة لساعات متأخرة يعملون خلالها لاعداد ملفات لعرضها على الحكومة أو في قراءة تقارير أو إمضاء مراسلات وما الى ذلك.. وأعلم من بعضهم أنه يمضي أياما دون أن يشاهد أبناءه ولأنه ببساطة يغادر البيت قبل استيقاظهم ويعود اليه بعدما يكونوا قد خلدوا للنوم. نهايات الأسبوع إن توفرت لهؤلاء.. ترى هل يمضونها مع أفراد العائلة أو في المكتب البلدي.. وما معنى حضورهم للمكتب البلدي وقد غادره كل الموظفين.. والاغرب من ذلك أن بعض هؤلاء المسؤولين هم رؤوساء لبلديات لا يقيمون بمناطقها فهي إما بلدية مسقط رأسهم الذي غادره للسكنى بضواحي أخرى في أفضل الحالات أو هي بلدية ضمن الولاية التي يقطن بها. أما أسوأ الحالات فهي بلديات تبعد عن العاصمة مئات الكيلومترات بحكم أن رئيسها يقيم في العاصمة والبلدية في الساحل أو في مكان آخر أبعد.. ولكم أن تتخيلوا الطريقة التي يدير بها هذا المسؤول بلديته لو انقطع الهاتف.. وإن نجح هؤلاء في إدارة وظيفتهم وبلديتهم بشكل جيد.. فهم لا يمكن أن يكونوا إلا من الخوارق التي قلّ وندر أن منّ الدهر على تونس بمثلهم. والحديث عن الموظفين السامين يجرّنا للحديث عن فئة من رجال الأعمال الذين يكلفون برئاسة بلديات أو دوائر بلدية..فكيف يمكن لهؤلاء أن يديروا أعمالهم في ظل ظروف المنافسة والتقلبات الاقتصادية والسفر الى الخارج وأن يديروا بلدية في الان نفسه.. احقاقا للحق باستثناء بعض رؤوساء المؤسسات التي يتولى مديرون عامون وأبناء لهم مهام التسيير لتبقى لهم مهام الاشراف يصعب على البقية الجمع بين المهمتين. ملاحظة أخرى اعتبرها في غاية الاهمية تلك التي تتعلق بالخلافات داخل أعضاء المجلس البلدي.. وأؤكد أنها خلافات وليست اختلافات في وجهات النظر.. إن تسرّب هذه الخلافات بين أفراد قائمة واحدة ترشحت ببرنامج وتحت مظلة واحدة تزيد وضعية البلديات سوءا إذ تمضي الفترة الانتخابية في اهدار للجهود في غير محلها بما يعطل العمل البلدي وقد يصل الامر الى حل المجلس في بعض الاحيان.. أسرد كل ما سبق طالما أن هناك متسع من الوقت لمراجعة مقاييس ترشيح رؤساء البلديات بما يسمح باختيار من هم أكثر تفرغا وقدرة على تقديم الاضافة لما فيه خير البلاد والعباد.