سنتصدى لعقلية الإفلات من العقاب لوضع حد للتعذيب لم يتم احترام المعايير الدولية للمحاكمة العادلة في بعض القضايا الإرهابية السجون تعاني اكتظاظا كبيرا خلف أمراضا معدية ظروف العمل بالرابطة ورثناها من عهد الفاشية و الديكتاتورية نطالب بحقنا في التمويل العمومي لأننا نعاني عجزا كبيرا مازالت مسألة حقوق الإنسان وضمان الحريات في تونس تثير جدلا كبيرا خاصة فيما يتعلق بمحاربة الإرهاب فالبعض يشرع لاستعمال جميع الطرق في الحرب ضد الإرهاب فيما يتحفظ آخرون على بعض الممارسات في حق المتهمين في قضايا إرهابية خاصة مع تواتر التشكيات من التعذيب من قبل المتهمين في مثل هذه القضايا مما جعل الحسم في هذه المسألة صعبا،يأتي ذلك مع تواتر الانتهاكات لحقوق الإنسان والتضييق على الحريات خاصة فيما يتعلق بالحراك الاجتماعي. الصباح التقت جمال مسلم رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان للحديث عن مختلف هذه المسائل فكان الحوار التالي: *عقدتم الدورة الأولى للمجلس الوطني مؤخرا فما هي التوجهات المستقبلية التي صادقتم عليها؟ -لقد أوكل المؤتمر الأخير لأول مجلس وطني للرابطة التونسية مهمة المصادقة على وثيقة هامة جدا تعكس التصور المستقبلي لعمل الرابطة وطبيعة تدخلاتها وتتمثل في قياس تأثير نشر ثقافة حقوق الإنسان والدفاع عن الانتهاكات في جميع المجالات سواء على مستوى الشراكة مع المجتمع المدني أو الاتفاقيات التي وقعت عليها الرابطة وهذا كله سيقع تدوينه في وثيقة بعنوان الرؤية المستقبلية لعمل الرابطة والمجلس الوطني موكول له المصادقة على هذه الوثيقة كما انه سيكون فاصلا في توزيع المسؤوليات بصفة نهائية على مستوى خلق الأقسام وتعيين مديريها فالتوجه العام للرابطة هو خلق اختصاصات وتعميق مفهومنا للحقوق باعتبار أن الرابطة لم تقم إلى اليوم بعمل عميق لتوضيح معاني الحقوق وسننكب مستقبلا على دراسة مختلف الحقوق والتعمق فيها ولما لا إصدار كتيبات ونصوص في علاقة بمختلف الحقوق لتقريب المفاهيم. *يرى البعض أن مجال الحقوق والحريات شهد تضييقا بعد ست سنوات من اندلاع الثورة فما رأيك في ذلك؟ - لقد بنينا مجال الحريات ونتمنى أن لا يتم التراجع عنه ولكن هذا لم يمنع من وجود محاولات للتضييق على بعض الحريات كحرية التعبير والتظاهر والإضراب والاعتصام وغيرها وقد لاحظنا فيما يخص حرية التعبير وجود عدد من الصحفيين وقع الاعتداء عليهم وتم تسجيلهم وقدمنا تقارير في خصوص هذه المسألة ولكن لا مجال للمقارنة بين الإعلام الذي كان مكمما ويتحرك بالتعليمات والإعلام اليوم. ولكن تونس في انتقالها الديمقراطي خسرت معركة حقوق الإنسان باعتبار وجود بوادر تراجع لبعض الحريات ولشعارات الثورة بصفة عامة. *أمضيتم اتفاقية مع وزارة العدل تمكنكم من زيارة السجون ماذا أنتجت هذه التجربة؟ -أوضاع السجون لم تتغير كثيرا نتيجة الاكتظاظ الكبير كما أن البنى التحتية للسجون لا تخضع للمعايير الدولية فالاكتظاظ كبير جدا باعتبار ارتفاع عدد المساجين الذين يعيشون ظروفا قاسية جدا نتيجة الاحتكاك والاكتظاظ والذي ينتج عنه تشنج العلاقات بين بعضهم البعض وبينهم وبين أعوان السجون إضافة إلى ظهور أمراض معدية نتيجة سوء حفظ الصحة. والرابطة كونت منذ سنة 2012 فريقا وطنيا لزيارة أماكن الاحتجاز بالتعاون مع مؤسسة دنماركية تعنى بالتعذيب والتي كونت خبراء في مجال زيارة السجون الذي يتطلب تحضيرا في خصوص اللقاءات التي ستتم مع المساجين والنقاط التي سيتم التركيز عليها فهناك تكوين كامل في هذا المجال وهناك تسع جمعيات مختلفة تهتم بزيارة السجون لكن مشاربها مختلفة ونحن ننسق للقيام بهذا التكوين لخبراء في زيارة السجون وصياغة التقارير وتقديم المقترحات للسلط لتحسين ظروف إقامة المساجين. *ماذا لاحظتم من خلال هذه الزيارات فيما يتعلق بالتعذيب داخل السجون؟ -التعذيب زمن المخلوع كان يمارس على السجناء السياسيين كما انه كان سياسة ممنهجة لاقتلاع الاعترافات وهذه السياسة كانت مرتبطة بالإيقافات السياسية في فترات التسعينات لكن امتدت للسياسيين ككل الذين عانوا منها كما مس التعذيب حتى الموقوفين في قضايا الحق العام مما خلف حالات وفاة في مراكز الإيقاف لدى الباحث الابتدائي نتيجة التعذيب، واليوم لم تعد هناك سياسة ممنهجة ولكن ممارسة التعذيب مازالت متواصلة والسلط المعنية من وزارة الداخلية والعدل يبررون التعذيب بأنه تجاوزات فردية ولكن ما يقلقنا أن مجمل القضايا المرفوعة ضد مرتكبي التعذيب يتم تأخيرها إلى أجل طويل المدى وهناك قضايا تحفظ وتتم إحالة عدد قليل منها أمام أنظار القضاء مما يؤدي إلى تواصل ممارسات التعذيب والعنف أمام تساهل السلط مع مرتكبيها نتيجة الشعور بالإفلات من العقاب الذي يولد سهولة في ممارسة التعذيب حتى في القضايا البسيطة. لذلك اتفقنا مع المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب والهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب على أن تكون سنة 2017 سنة التصدي لعقلية الإفلات من العقاب الذي جعل 104 صحفيين يتعرضون لاعتداءات حسب الشكايات التي وردت علينا، وبما أن هناك إفلاتا من العقاب فان ممارسة التعذيب ستتواصل لذلك سنقوم بحث المواطنين والسلط لوضع حد لعقلية الإفلات من العقاب وكل إنسان يجب أن يتحمل المسؤولية ولا مجال لتبرير التعذيب بأي شكل من الأشكال وبأي وضعية من الأوضاع، وهناك أمثلة عن التعذيب عشناها في السنوات الأخيرة لا تشّرف الأمن وخاصة منها انتهاك الحرمة الجسدية لبعض الموقوفين في قضايا الإرهاب بل هي فظيعة حسب الشهادات التي استمعنا إليها من محامين وأطباء وقضاة وبالتالي لا مجال لتواصل عقلية الإفلات من العقاب فالتعذيب هو ممارسة الضعيف. *وهذا ما خلق الجدل الحاصل اليوم حول محاربة الإرهاب وضمان حقوق الإنسان في ذات الوقت مما جعل الآراء تنقسم في هذا الخصوص؟ -التعذيب ممارسة ليس لديها أدنى تبرير فهو ليس حلا لانتزاع الاعترافات والتوقي من الإرهاب الذي يجب مكافحته على جميع المستويات الأمنية والعسكرية والثقافية والتربوية، وكذلك فمكافحة الإرهاب يجب أن تتم في إطار احترام حقوق الإنسان المنصوص عليها سوءا في الدستور التونسي أو المواثيق والمعاهدات الدولية التي تعتبر مرجعية. صحيح أن المجتمع انقسم في خصوص معادلة محاربة الإرهاب وفي ذات الوقت ضمان حقوق الإنسان ولكن دورنا نشر الثقافة الحقوقية، فالإرهابي هو متهم مثله مثل غيره من المورطين في قضايا أخرى ومن حقه التمتع بمحاكمة عادلة تتوفر فيها الشروط القانونية للدفاع. وفي هذا السياق قامت الرابطة وشركائها وهما الهيئة الوطنية للمحامين ومنظمة محامون بلا حدود بإصدار تقرير اهتم بمراقبة المحاكمات المتعلقة بالقضايا الإرهابية ومرجعيتنا هو هل وقع احترام المعايير الدولية بمفهوم المحاكمة العادلة في المحاكمات المتعلقة بالقضايا الإرهابية، بتونس وقد أثبت التقرير انه خلال سير المحاكمات المتعلقة بالقضايا الإرهابية طرحت مسألة التعذيب من قبل ثلث المتهمين أو محاميهم وفي بعض القضايا هناك متهمون يطرحون المسألة فيما يتغاضى لسان دفاعهم عن ذلك، وبالتالي يجب العمل على تطوير عقلية المحامي في هذا الخصوص وقد خلص التقرير إلى أن هناك بعض النقاط لم يقع فيها احترام المعايير الدولية للمحاكمة العادلة. *ما هي أهم الصعوبات التي تعانيها الرابطة اليوم؟ الرابطة تاريخها كبير وستحتفل هذه السنة بالذكرى الأربعين لانبعاثها ولكن ظروف العمل فيها ورثناها من عهد الفاشية و الديكتاتورية التي لم تمكنّا من تنظيم عملنا والتركيز على إصدار الدراسات والنصوص والكتب ولم تمكنا من العمل براحة باعتبار الهرسلة والمحاصرة الشيء الذي لم يمكننا حتى من تنظيم أرشيفنا الذي نعمل حاليا على تنظيمه وجمعه لأنه ملك للهيئات السابقة وفي فترات المحاصرة والقمع تم تهريبه خوفا من استحواذ البوليس عليه. فهناك صعوبة في حفظ ذاكرة وهدفنا حفظ ذاكرة الرابطة وتاريخها ونضالها كما تواجهنا صعوبات على مستوى التسيير الإداري والسياسة الاتصالية لأن الرابطة لا تتحصل بصفة منتظمة على حقها في التمويل العمومي وقد راسلنا رئاسة الحكومة منذ شهر نوفمبر من السنة الفارطة لتمكيننا من تمويل عمومي للعمل بأريحية ولنتمكن من جعل الأداء الإداري عصريا وانتداب الموظفين وتحديد الأقسام المنتجة لإنتاج دراسات معمقة لكي لا نكون مجرد مدافعين عن حقوق الإنسان بصفة عامة ورافعين لشعارات فحسب لذلك يجب توفير مقرات لائقة وعصرنة الإدارة ورغم تقديمنا لتسبقة للحصول على مقر آخر لائق للرابطة فإننا عاجزون حاليا عن إتمام بقية المبلغ في ظل صمت الحكومة التي طالبناها بالتمويل العمومي لأننا نعاني عجزا كاملا عن الإيفاء بتعهد إتمام بقية المبلغ، فقد قدمنا جزءا من جائزة نوبل التي تحصلنا عليها كتسبقة لشراء المقر ولكننا اليوم مازلنا عاجزين عن الإجابة عن سؤال هل أن الرابطة كمنظمة تستطيع إتمام الالتزام المالي مع الشركة العقارية؟ ولكن هذا أمر صعب جدا ونحن غير قادرين على الخلاص ولا ندري ما الذي يمكن أن نفعله. حاورته : فاطمة الجلاصي جريدة الصباح بتاريخ 10 فيفري 2017