روبيو.. المرشد الأعلى الإيراني لا يزال على قيد الحياة    إسرائيل في صدمة.. سلاح جديد لحزب الله يقلب المعادلة    بينهم مصريون وسودانيون.. مصرع 38 مهاجرا قبالة سواحل ليبيا    حركة الشعب تدعو لرفض المصادقة على مشاريع قوانين اسناد لزمات لشركات أجنبية لإنتاج الطاقات البديلة المعروضة على البرلمان    "وول ستريت جورنال" تكشف عن عرض إيران الجديد المتضمن خطتها للولايات المتحدة    عاجل/ تحطم طائرة بهذه المنطقة..وهذه حصيلة الضحايا..    الترجي يصدر بلاغ هام للرأي العام ويعلن عن هذا القرار..#خبر_عاجل    فانس يشكك في معلومات البنتاغون عن حرب إيران    المدرسة الاعداديةبالكريب ...التلميذة شهد الحناشي تحصل على الجائزة الأولى وطنيا للقصة    مقطع فيديو ورّطه مع الأحباء ...الشبيبة تُعاقب العقربي واللاعب يعتذر    نابل ...الصالون الوطني الثالث للفنون التشكيلية تحت شعار «الذاكرة حيّة»    حول اتفاقيات لإنتاج الكهرباء من الطاقات المتجدّدة...اليوم جلسة ساخنة في البرلمان    فيما الدفاع يتمسّك بالصبغة الجنائية .. 11ماي المقبل محاكمة مهاجر اقتحم منزل محامية    نابل: حجز 980 قرص دواء مخدّر على متن سيارة خاصّة    طقس الليلة.. خلايا رعدية وامطار بهذه المناطق    هام/ تركيز سوق من المنتج الى المستهلك لبيع أضاحي العيد..    وزير النقل يتفقد جاهزية مطار تونس قرطاج لموسمي الحج وعودة الجالية    عاجل: بطولة إفريقيا لكرة اليد الشاطئية: تتويج المنتخب الوطني التونسي بالنسخة الأولى    توقف جزئي لقطار تونس البحرية وحلق الوادي القديم من 29 أفريل إلى 3 ماي 2026    تستدرج ضحاياها عبر المواقع الإلكترونية..الأمن يفكك شبكة إجرامية..وهذه التفاصيل..    إلغاء رحلات الخطوط التونسية إلى باماكو بسبب تدهور الوضع الأمني في مالي    يهم الأولياء: وزارة التربية تعلن..    النقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة تنظم يومي 1 و2 ماي بالعاصمة المنتدى الثامن للصيدلة والمنتدى السابع للصحة الرقمية    إدارة الهجرة السورية تنفي فرض "كفيل" على الوافدين من دول المغرب العربي    استئناف نشاط خط الحامة – جرجيس    انتشال جثة شاب غرق اثناء عملية صيد بالغطس بسواحل الهوارية    تونس تتسلم رمز تصنيف الحديقة الجيولوجية "الظاهر"    تحديد ملعب مباراة مستقبل سليمان والنادي الإفريقي    لطفي بوشناق للشروق: "لا تُرمى بالحجارة إلا الشجرة المثمرة"    عاجل: الcompteur متع التاكسي ينّجم يولي 1600م    عاجل : وزير التعليم العالي يزف هذا الخبر السار    اليوم الاثنين 27 افريل 2026 اخر اجل لايداع التصريح بالضريبة على الدخل للتجار    الفار يُسقط ملعب بئر بورقيبة... ومصير مباراة الإفريقي وسليمان مجهولة    الدورة 40 لمعرض تونس الدولي للكتاب: برنامج فضاء الاطفال واليافعين ليوم غد الثلاثاء    براكاج قاتل: تلميذ يموت بطريقة بشعة في نابل والناس في صدمة    بشرى للعاطلين: 1350 انتداب في هذه الخطط..    بين سحر القراءة ومتعة الاكتشاف: توافد لافت للأطفال والأولياء على معرض تونس الدولي للكتاب    ندوات فكرية وأدبية في برنامج معرض تونس الدولي للكتاب يوم الثلاثاء 28 أفريل 2026    إسبانيا تحذر من غلاء تذاكر الطيران    الدورة الثانية للتظاهرة الصحية تحت شعار" صحتنا في نمط عيشنا" يوم غرة ماي 2026 بمدينة سليمان    الأيام العلمية الثامنة للاطارات شبه الطبية من 4 الى 6 جوان 2026 بمدينة الحمامات    اندلاع اشتباكات عنيفة في طرابلس..#خبر_عاجل    عادتان بسيطتان في توقيت الأكل قد تساعدان على خسارة الوزن    أرقام صادمة.. 2 مليون يوم عمل مهدور سنويا في الوظيفة العمومية بسبب الغيابات..!    افتتاح الدورة الثامنة من مهرجان قابس سينما فن    قرار قضائي في حق شوقي الطبيب    قروض ميسرة ودون فوائد: الشروط والفئات المنتفعة..التفاصيل الكاملة..    الرابطة الثانية: برنامج مواجهات اليوم من الجولة 11 إيابا    عاجل: معروضات ممنوعة في معرض تونس الدولي للكتاب    عاجل-مدينة العلوم: فلكيا هذا موعد عيد الأضحى في تونس    هل يُحج عن من مات ولم يحج؟ الإفتاء تحسم الجدل    تنس : اسكندر المنصوري يغادر بطولة أبيدجان 2    بطولة اسبانيا : فياريال يتغلب على سيلتا فيغو ويحكم قبضته على المركز الثالث    اتحاد الفلاحين: جزء هام من أضاحي العيد عند ''القشّارة''    هل يمكن العلاج نهائيا من مرض ضغط الدم؟    ابدأ أسبوعك بالدعاء... كلمات بسيطة تغيّر يومك بالكامل    أولا وأخيرا .. «اسمع وفلّت»    انتصار حلف المقاومة بقيادة إيران وأهمية الدائرة الثالثة/ الإسلامية لخلاص الأمتين (1/ 2)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



محمد نجيب عبد الكافي يكتب لكم: ماض وحاضر
نشر في الصريح يوم 04 - 02 - 2019

سأقول ، لكلّ الذين وضعت فيهم تونس والتونسيون ثقتهم وآمالهم ، واستعدت البلاد واسنعد أبناؤها ، لمدّ الأيدي والسواعد والعمل معهم لوضع تونس ، كما يأملون ويطمح كلّ مخلص أمين ، في أحسن الأوضاع والمواقع ، كي تكون عنصرا فعالا ضمن المجموعة الدُّوَلية ، لا عالة عليها ، لا تعرف سوى الطلب والتبعية ، نتيجة الصراع والخصام والتحزب من الذين وُضعت فيهم الثقة ، يتخاصمون لا لفائدة تونس وشعبها ، بل لمصالح ذاتية حزبية ، ودخيلة خارجية ، فكثر خصامهم فتعالت أصواتهم بما لا يفيد تونس بشيئ ، أقول لهم كما قال شوقي:
إِلامَ الخُلفُ بَينَكُمُ إِلاما وَهَذي الضَجَّةُ الكُبرى عَلاما
وَفيمَ يَكيدُ بَعضُكُمُ لِبَعضٍ وَتُبدونَ العَداوَةَ وَالخِصاما
فأين الفوز ؟ يبدو أنه في العودة إلى الماضي إذ هو ، حسب كل المفاهيم وآراء المتتبعين الفاهمين ، أفضل وأنبل وأنجح وأخلص من حاضر لا حكم عليه غير الأسف والأسى. هناك مقولة شهيرة مفادها " بعيد عن العين ، بعيد عن القلب " ، قد يكون ، لكنها لا تنطبق على مشاعري وأحاسيسي تجاه الوطن. عشت وأعيش بعيدا عنه ضعف ما عشته بين أحضانه ، وكلما زاد البعاد تضاعف الحنين والشوق ، ومن ثَمَّ تواصلت متابعة ما يجري ويحدث على أرض الخضراء ، التي يبست أغصانها وجفت عروقها ، فبدت جرداء قاحلة في أعين العاقلين الواقعيين من أبنائها والآخرين.
تكرّم عليّ صديق عزيز محترم ، فأرسل لي مقالا دبّجته يراع صديق عزيز محترم آخر، مفكر شاعر محاضر ، غيور على الوطن عليم بإمكاناته ، يريده ونريده أن يكون كما هو قادر أن يكون ، في الطليعة إن أمكن ، وإن لا ، فمن الأوّلين البارزين ، كاتب هو الأستاذ عبد العزيز قاسم ، فيا ليتني لم أقرأ ، لأن ما أتى به المقال الجيد الشامل ، من واقع مصوّر بالكلمات المعبّرة ، من أسى وحزن وأسف ، ضمّني إلى جماهير المتبرّمين الناقدين الشاكين اليائسين ، بعد أن كنت وحسبت نفسي من المتفائلين الواثقين من تونس الوثابة المقدامة ، بفضل مقدرة ونشاط وتفتح وإخلاص أبنائها. أرادت الصدف أيضا أن قرأت ، قبل ما كتبه المفكر عبد العزيز قاسم بمدّة قصيرة ، صيحة أخرى ، واقعية منبّهة محذّرة ، قاتمة اللون والمحتوى هي أيضا، وقعها على قارئها ثقيل ، ويزداد ثقلا إذا علم أن كاتبها صحفي لامع ، يجول ويصول فوق مسارح الحياة التونسية اليومية ، متصل بالمتحرّكين على أديمها السياسي والاقتصادي والثقافي ، فهو إذن الخبير العليم ، وهو ليس إلا السيد توفيق حبيّب ومقاله وصلني عن طريق صحيفته " ليدرز". رغم ميلي إلى نقل المقالتين ، وهذا لعمري خطأ واعتداء ، فسأكتفي من مقال السيد الحبيّب ، بعناوين بعض فقرات مقاله وهي عشرفقرات وفقرة. يقول العنوان الأول " لم يعد التونسيون يتساءلون إلى أين تسير البلاد ؟ رأسا إلى الجدار، وهم بهذا مقتنعون... فبدون تشاؤم مبالغ فيه ، كلّ شيئ على ما يبدو يؤدّي إليه.(يعني الحائط)... لم يعد من بينهم من يطالب بالسماع بل بالإجابة ..." وله من مقال آخر هذه العناوين المعبرة الموضحة: إعلان الحقيقة ، يدّعونه كلّهم ، قليلون من يعملون به. الصورة التي تعكسها تونس ضباب قاتم. مخاوف حقيقية لا تزال صعبة الانقشاع." أما من مقال الكاتب السيد عبد العزيز قاسم فأنقل: "مررنا بالسنوات العجاف فتذرعنا بالصبر وقلنا إنّها سبع وتمضي ، وها نحن على عتبة السنة التاسعة وما في الأفق ظلّ لأية سمينة .وأجلس على الربوة ، لا استعلاء ولا انعزالا ولا تنصّلا من أية مسؤولية ، بل لأنّ الزواحف ملأت السفوح والوهاد ، واستولت على مواقع الكلام والحراك. أجلس على الربوة وأمامي بانوراما على امتداد الوطن المدمَّر، فأرى خراب الذات والمؤسسات. القيم والكفاءات والمنتوجات كلّها على مقاس الدينار، فسبحان الذي أبدل دينارنا بدرهم. الطبقة الوسطى، عماد المجتمع، اهترأت. نحن نغرق. ألم نصل القاع بعد؟ "
شدّني كثيرا توقفه عند قطاع التعليم لأني متألّم لحاله ، ومرّة أخرى الصدف أرادت ، أني ، قبل أيام قلائل ، كتبت أقل من صفحتين عن التعليم والمعلمين ، لموقع زميل لا تزال المهنة الصحفية تدغدغه ، فذكرت معلمينا ، أثابهم الله ، وكيف كانوا ، فاعتبرتهم أبطالا ، وهم أبطال الوطن المكافحون بالقلم والكلمة. لكل هذا شدني ما قاله ، متقنا التعبير، الأستاذ قاسم وهو: " أمّا قطاع التربية فهو المتضرّر الأكبر في عهد بن علي، تسيُّبٌ وانخفاضٌ مريع في مستوى التعليم ، وشهادات أشبه شيء بصكوك بلا رصيد. ذلك أنّ وسائل المعرفة وعلى رأسها اللغة ، قد تهلهلت بشكل جعل مقولة «الإنسان حيوان ناطق» أمرا نسبيا. ثم إنّ العلوم تداخلت مع الخرافة. كان أساتذة الأدب والرياضيات والفلسفة هم كواكب المعهد ، أما اليوم فقد اختطف النجومية منهم أستاذ التربية الدينية ، فإذا بدروس عذاب القبر وحوارات الرسول مع الحيوانات تتفوق على أية مادة سواها. وازدادت حالة المدرسة التونسية الصحية تدهورا مع المتغيرات. وكنا نظنّ أن ما تشكوه التربية والتعليم من قصور وتقصير على مختلف الأصعدة يكفيان لتراجيديا المشهد ، وإذا بنقابات التعليم تزيد من تعطيل المُعَطَّل. ترميم التعليم يحتاج إلى جيل كامل من الجهود المكثفة والعناية المركزة."
ليس في البيان أوضح ممّا كان ، فلا تعليق– كما يقول السياسي عندما يعجز ويحار – لكن أرى لزاما عليّ التساؤل ، كما فعلت من قَبْل ، هل التعليم تحت الإستعمار أنجح ؟ أجيب نفسي وهي تقطر أسى ولوعة: يبدو أنّ الإجابة ستكون نعم. فرغم عدم تعميم التعليم ، وقلة المدارس ، وتكييف المناهج على مقياس الدخيل ، وما إلى ذلك من صعاب ، أسرع المخلصون في تفاديها وإزالتها فجرَ الإستقلال ، كنّا نسير ونطالب ، نتقدّم ونحتجّ ، نتعلّم وندّعي الجهل ، فحقّقت البلاد في هذا القطاع ما اعتبر إعجازا ، فتثقفت ، وبرزت فلمعت ، نخب ذات صيت عالمي ، بقيت في الميدان ، تنفق الجهد والعزم والإرادة ، فعلّمت وثقفت وربّت ، دينا وخلقا ووطنية ، وعلى يديها تخرّج جيل الاستقلال. هل أنا في حاجة لتعداد نجوم التعليم والتربية بتونس ، من نهاية الربع الأول من القرن الماضي إلى إعلان الإستقلال ؟ إنهم كُثْر وغير مجهولين. يكفيني ذكر محمود المسعدي ، الصادق مازيغ ، الفاضل بن عاشور، المحجوب بن ميلاد ، الصادق السبعي ، والقائمة طويلة ، كي يتصوّر القارئ كوكبة العلماء والمدرسين الذين اجتهدوا وجاهدوا ووضعوا المناهج والخطط ، فكوّنوا ما افتخرت به تونس كما افتخرت بمن تعلّموا وتكوّنوا على أيديهم. لكن لزاما عليّ ذكر مدرس أعتبره نموذجا يمثل كلّ الذين تشرّفوا بالانتساب لمهنة التدريس وشرفوها على طول ثلثي القرن الماضي ، لأني إن نسيت لن أنسَ معلّمنا بالسنة قبل الأخيرة من التعليم الإبتدائي الأستاذ الباجي الشرفي ، الذي اختارنا عشرة من طلبته المتقدمين ، وطلب منّا الاستئذان من أوليائنا السماح بالبقاء بعد نهاية الحصص الرسمية ، كي يعطينا دروسا خاصّة. سمحوا لنا ودرّسنا مجّانا – رحمه الله وأثابه – كامل منهج السنة الموالية ورشحنا لامتحان الشهادة الإبتدائية. لم أبلغ وقتها السنّ القانونية لاجتياز الامتحان ، فقدم مع المدير(الفرنسي) طلب إعفائي من ذلك الشرط فحصل عليه ، لكن مُنعت عائليا من دخول الامتحان ، فتقدم رفاقي التسعة ونجحوا تسعتهم وكانوا من أوائل الناجحين ، فوفّروا سنة من سني الإبتدائي. كيف يوصف هذا المدرس وأمثاله الكثيرون؟ ألم يكونوا أبطالا مناضلين ؟ لكن يبدو أن البطولة وقف على السياسيين.
إنّ العناية بالتعليم ومناهجه ومدرسيه كانت ، تحت النفوذ الأجنبي ، شغلا شاغلا على كل المستويات الاجتماعية ، والثقافية ، والنقابية ، والنضالية في تونس ، كافح الكثيرون في سبيل تقريبه مما يؤمل ويرتجى ، فينصاع المستعمر مرة ، ويتصلب أخرى لكن ، أمام المثابرة والتصميم ، يعود ويخضع وهكذا أمكن تحقيق الكثير، مع استمرار المطالبة وفرض التحسين.
لئن كان هذا تحت الإستعمار وجبروته ، وضمن سياسة التجهيل التي أراد فرضها وتطبيقها ، فلم ينحط التعليم اليوم ، وتمسخ مناهجه ، ويوصف المنتسبون إليه بكل الأوصاف ، ويفرّ المقتدرون بأبنائهم إلى المدارس الخاصة أو الحرة أو غير الرسمية – سمها ما شئت – فتعمّ الفوضى والإضرابات ؟ هل هو عجز وفقر في الكفاءات ، أم هو قصد وتدبير يراد به تدمير البلاد وإرحاعها إلى عهد الانحطاط والشعوذة ؟ لقد أصبحت تونس مرتعا لزارعي غريب المبادئ والمفاهيم ، طعمة لكل نهم أكول ، ضاعت فيها القيم الدينية الحقة ، والبادئ الأخلاقية السمحاء ، واللغة النظيفة الراقية فصحى ودارجة ، فشُوّهت صورة تونس اللمّاعة المتطورة السائرة الطموحة ، فظهرت لها صورة ، أخجل فلا أصفها ، إلا بأنها مؤسفة ولا مبالغة في هذا ، فمن أراد التأكد فليخرج من البلاد بضعة أيام وليعد فسيرى ما لا يراه وهو فيه مغمور فلا يدرك ما هو فيه. هذا ماض وحاضر، فكيف يكون المستقبل ؟ لا تعليق!
بقلب دام ، وبأمل راسخ ، أختم بعنوان آخر من عناوين مقالة السيد توفيق حبيّب وهو:
الأمل الوحيد هو بروز مفاجئ ، بروز رجال ونساء دولة حقيقيّين.
هل سنفاجأ حقا ؟ ليس ذلك على الله ولا على تونس بعزيز.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.