الجامعة العامة للصحة: قرار الإحتفاظ بنقابيين خطوة خطيرة    جامعة النزل: "ضرورة إيجاد 800 غرفة نزل لإيواء التونسيين العالقين بالخارج لقضاء الحجر الصحي الإجباري"    في بنزرت: رغم الرقابة، الأسعار ملتهبة و تثقل كاهل المستهلك    حملة تمشيط في جبال القصرين تُحبط التحضيرات لعمل ارهابي    الفيفا تلزم اللاعبين باحترام عقودهم لنهاية الموسم.. وتدعوهم للتحاور مع الأندية لتخفيض أجورهم    قفصة: الحالة الصحّية للمصابين بكورونا مستقرّة    وزارة الصحة تعلن: 27 إصابة جديدة بكورونا وارتفاع عدد الحالات إلى 623 و23 وفاة    يوميات مواطن حر: ما العبرة من الخطوة الاولى في غياب الارضية    تمديد مدة الصلوحية لشهادات التأمين على السيارات    تهديدات إرهابية تستهدف المغزاوي    جلسة عمل عن بعد حول التّزوّد بالماء بكلّ من ولاية سليانة وباجة خلال صائفة 2020    الكنام يعلن التمديد في آجال صلوحية قرارات التكفل الصادرة عن مصالحه    سوسة.. إرتفاع عدد المصابين بفيروس كورونا إلى 52    برهان بسيس: من ندوة صحفية كاملة العباد ما شدت كان بكية الوزير    مدنين.. حجز كميات هامة من الفارينة والسميد    مصر .. منع التراويح والاعتكاف في رمضان    الكاف..حجز كميات هامة من المواد الغذائية منتهية الصلوحية ومجهولة المصدر    تربّعت عليه طوال أكثر من 4 عقود.. الصين تزيح امريكا عن عرش براءات الاختراع    الناطق باسم المحكمة الابتدائية بالكاف للصباح نيوز : إيقاف معتمد قلعة سنان من أجل تهمة احتكار السميد    رئيس البرلمان يؤكد جاهزية السلطة التشريعيّة للتفاعل مع ما يحتاجه إصلاح القطاع الصحي من قوانين    «شوفلي فن» على الوطنية 2 لتشجيع المواطنين على ملازمة منازلهم    "خليك بالدار" جديد المطرب محمد بن صالح واالشاعر المولدي حسين    وزارة العدل الامريكية توجه اتهامات لمنظمي مونديالي 2018 و2022    سيدي بوزيد.. إيقاف 2 محتكرين وإيقاف 6 أشخاص خرقوا حظر التجول    الصخيرة.. فرقة الحرس الديواني تحجز 7 آلاف علبة سجائر مهربة    بن قردان.. اصحاب الشاحنات الليبية يطالبون السلطات الليبية بالسماح لهم بدخول التراب الليبي    وزير الداخلية يحذّر : "الوضع خطير.. وقد نصل الى مرحلة صادمة يموت فيها البعض على أعتاب المستشفيات" (متابعة)    ارتفاع حالات العنف ضد المرأة خلال فترة الحجر الصحي    وليد أزارو خارج حسابات الأهلى في الموسم المقبل    أبو ذاكر الصفايحي يحذر ويعبر : تواضع قيس سعيد وبكاء لطفي زيتون    وزير التربية: الوزارة جاهزة لكل السيناريوهات الممكنة لتدارك السنة الدراسية    وزير التربية: قريبا توقيع اتفاقية شراكة مع مؤسستي الإذاعة والتلفزة التونسيتين    منوبة : تحرير محاضر مخالفات اقتصادية وصحية وغلق فوري لمحلات مفتوحة للعموم    وزارة التجارة: توريد كميات من اللحوم الحمراء استعدادا لشهر رمضان    عبد اللطيف علوي يكتب لكم : حكاية محمد العفاس ماثماش مااسهل منها    مع تفشي فيروس كورونا: ديوان الافتاء يحسم الجدل حول تكفين المتوفى.. غسله.. دفنه والصلاة عليه    رجب حاجي يكتب لكم : ذكرى الزعيم الحبيب بورقيبة طيّب الله ثراه تدعونا الى محاورة الاحداث    الإعلان عن أفضل اللاعبين في الدوريات الكبرى    برشلونة يحدّد السعر النهائي لكوتينهو    قفصة.. يعتدي على إطار امني داخل المستشفى الجهوي    المهدية: مهرجان "السّينما في دارك" للتوقّي من فيروس "كورونا"    وحدات الحرس تسحب حوالي 6500 رخصة سياقة    من اجل مخالفة الحجر والاعتداء على امني.. الاحتفاظ ب مكتباجي بتبرسق    من يتحكم في الشفرة النووية بعد جونسون؟.. الحكومة البريطانية لا تبوح بالسر!    بايرن ميونخ يمدد عقد توماس مولر    رأي/ الحب في زمن الكورونا    القلعة الكبرى: إنفجار قارورة غاز بمنزل    سوسة.. إيقاف صاحب شاحنة خالف قانون الحجر الصحي    قطر تبيع سندات مقومة بالدولار وسط هبوط أسعارالنفط    احذر أثناء تصفح "تويتر" من Firefox!    بعد إصابتها بالكورونا.. فرنسا تعلن عن وفاة فنانة تونسية شهيرة داخل أراضيها    مهاجم توتنهام يبدأ الخدمة العسكرية خلال توقف البطولة الانقليزية    وجهة نظر: القناة الوطنية 2 بين تثمين الأعمال القديمة وتعرية الإنتاجات الجديدة    5دعوات في القرآن مجربة في تفريج الكروب فلندع بها الله للوقاية من "كورونا"    اليوم..سحب عابرة بأغلب المناطق مع بعض الأمطار    بطولة إيطاليا: أندية الدرجة الأولى تتفق على خفض أجور اللاعبين    النفط يواصل جني المكاسب    سمير الوافي يعتذر من الزوجة الأولى لبن علي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





محمد نجيب عبد الكافي يكتب لكم : الوطنية المفقودة
نشر في الصريح يوم 08 - 06 - 2019

ما أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها عام 1945 ، حتى استأنفت الشعوب المُستعمَرة كفاحها من أجل الحريّة والإستقلال ، بعد ركود نسبيّ فرضته الحرب ودواعيها. استأنفت الشعوب نضالها شرقا وغربا ، في إفريقيا وآسيا ، وفي كلّ أرض بها شعب مستعمَر مظلوم ، منتهزة الظرف والمستحدثات ، التي منها انبعاث منظمة الأمم المتحدة عام خمسة وأربعين وتسع مائة وألف ، على رفاة عصبة الأمم ، منتهزة أيضا الحرب الباردة بين الشرق والغرب بزعامة العملاقين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميريكية ، مستغلة مساندة منظمات حيادية مثل منظمة عدم الإنحياز (باندونغ 1955) التي كانت تنادي بالوقوف في الوسط ، بين المتصارعين سرّا وهما الشرق والغرب ، أو قل اليسار واليمين ، وبكلمة أوضح الشيوعية والرّأسمالية. اغتنمت الشعوب المُستعبَدَة أيضا إعلان وثيقة حقوق الإنسان في ديسمبر/كانون أول سنة ثمان وأربعين وتسع مائة وألف ، فسرى في عروق الجماهير المستضعفة دم جديد ، سوف لا يفتر حتى بلوغ الغاية وتحقيق المبتغى والحصول على المطلوب. فما أن دخلت عشرية الخمسينات من القرن العشرين ، حتى هبت ريح تحمل بشائر النصر المبين ، فتتالى استقلال البلدان ، بلد تلو آخر ، فتحرّرت شعوبها من غلّ الاستعمار " المباشر" البغيض. فمن الهند الصينية – الفيتنام – وأخواتها شرقا إلى الكونغو غربا ، بالثورات المسلحة وبالتفاوض والحوار ، من الهند إلى إفريقيا السمراء ، وشمال إفريقيا الذي توّج تحرّره بثورة الجزائر المجيدة وإعلان استقلالها عام 1962 ، حققت الأقطار وشعوبها ما طمحت إليه وكافحت من أجله بوطنية حقة وبإخلاص وتفانٍ لتدخل عهدا جديدا ، بآمال جمّة وطموحات كبرى وعزم شديد.
استقلت تلك البلدان ، أو ظنت أنها استقلت ، وشرعت تبني في الحقيقة والواقع ما كان بالأمس أحلاما ، فكانت المفاجأة. نعم خرج الاستعمار وسلّم مقاليد البلدان لأبنائها ، نعم ، وزالت الإمبراطوريات لكن في الحقيقة والواقع ، لم تخضع الدول الاستعمِاريّة لتيارات الاستقلال ، فما الاعتراف به لمن كان تحت وطأتها ، لم يكن إلا لأنها اكتشفت أن ثمن بقائها وممارسة السياسات السابقة أصبح باهضا ، وإبداله بتصرّف وأسلوب آخرين ، سيكون أبخس ثمنا ، وأخف حملا ، ولربّما أكثر مردودا ونفعا. هكذا جاء ميلاد الاستعمار الجديد ، وهكذا غرقت البلدان المستقلة في مشاكلها – خاصة منها الإقتصادية التي تجعلها دائما تابعة محكوما فيها – وهكذا دخلت في دوامة يحتاج شرحها وعرضها إلى دراسات وتحاليل لا إلى مقال أو مقالات ، لكن يكفي ، في هذه العجالة ، إلقاء نظرة خاطفة على كلّ البلدان التي كانت ترزح تحت الإستعمار واستقلت ، بين سني الخمسينات والثمانينات ، لنلاحظ أن ليس بينها من حقّق ما كانت تطالب به الجماهير. فتقدمها محدود ، واقتصادها راكد ورهينة الخارج ، والتصنيع منعدم إلا لدى الكبريات منها ، والفلاحة في تراجع كي لا نقول مهملة ، والتنمية يغلب الكلام عنها ويقل الإنجاز، فكانت النتيجة ، لدى أغلبها ، زوال الثقة بين الحاكم والمحكوم ، وانتشار اليأس بنتائجه الهدامة ، فساد التيقن بأن الاستقلال صوريّ وأن المصير لا يزال بأيد غريبة ، ظاهرة ومخفية. بقيت إذن ، وتبقى ، تلك الدول تدور في حلقة مفرغة ، تتراكم فيها المشاكل والديون ، فاصبحت رهينة الآخر ومصيرها تحت رحمته. مستقلة مُسْتَعْمَرَة.
الغريب في كلّ هذا هو أنه خلال كلّ هذه العقود ، أي من نهاية الحرب إلى اليوم ، تقلصت الوطنية فاندثرت ، نعني الوطنية الحقة ، ذلك الحب الشديد الذي يكنه المرء لوطنه ، فيعمل لصالحه وصالح الجميع بتفان وإخلاص ، مضحّيا بالغالي والرّخيص ، بسعادته وسعادة ذويه ، بروحه وحياته عندما يقتضي الأمر، حبّا ودفاعا عن الوطن. الأغرب من هذا هو أن الوطنية قد زالت ، لا في البلدان التي كانت مستعمرة فاستقلت ، بل زالت أيضا من كثير أو معظم البلدان حتى المتقدّمة منها ، وأصبحت كلمة وطني ووطنية تعادل – بلا مبالغة – كلمة مجرم وإجرام. تأكيدا لذلك ألغت بعض الدول الخدمة العسكرية ، التي كانت فرضا وواجبا ، وأدخلت تغييرات على تركيبة القوات المسلحة فيها ، فأصبحت أكثر قربا من قوات مرتزقة من قربها لأي شكل من أشكال القوات الوطنية. إن المتبصّر في كلّ هذه الأمور يخرج لا محالة باستنتاجات كثيرة منها انعدام الاستقلال ، فراغ الأسماء والعبارات من مسمّياتها ، فرض التبعيّة المباشرة وغير المباشرة ، بالطرق والوسائل المرئية أو " المعميّة " أي الخفية ، عدم العمل بالمبادئ السامية ، رغم ترديد وتكرار أسماء بعضها للتمويه أو التضليل ، انحلال أو انحطاط أو تفكك أو زوال كل ثقافة باستثناء ثقافة المادة ، التي سادت وهيمنت. هل هذا من نتائج العولمة ؟ إذا كان الأمر كذلك فلأيّة غاية ؟ والغاية لفائدة من ؟
أسئلة كثيرة يجب ويصعب الجواب عنها لأنه " عند جهينة الخبر اليقين." لذا وتبعا لهذا وغيره ، لم يبق للشعوب التي تريد حقّا تغيير حالها وأوضاعها إلى ما هو أحسن وأفيد ، إلا أن تغيّر ما بنفسها ، ما بباطنها ، فتسترجع ما أهمل من مبادئ ومُثل فتتحلّى بها ، وتتوحّد على كلمة سواء ، لأن يد الله مع الجماعة ، وتحدّد الغاية أو الغايات ، وتنبذ المنتهزين والمنتهزات ، وتنسى المادة ولو لحين ، فالمادة يأتي بها العمل ، فتشرع في العمل من غير اتكال إلا على الله وعلى النفس ، لأنه ما حكّ جلدك مثل ظفرك ، أو كما يقول المثل الشعبي: "المتغطي بمتاع الناس عريان "، واعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا ، واعمل لأخراك كأنك تموت غدا : وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون.
مدريد 22-5-2019


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.