ما هو معروف في السردية القرآنية عن النبي إبراهيم عليه السلام أنه كان من أكثر الأنبياء مقاومة للخرافة ومن أكثرهم إنكارا للإيمان المنحرف حيث يذكر القرآن الكريم في آيات كثيرة عدم رضاه على شكل العبادة التي يتبناها قومه وطريقة التدين الشائعة في زمانه كما تعرض القصص القرآني للمسيرة الطويلة التي كانت لهذا النبي في محاربة المنعطفات التي عرفتها البشرية في مجال التوحيد وانتقالها إلى عبادة الحجارة و الظواهر الطبيعية من أجرام وكواكب وتحويلها إلى آلهة تعبد ويحتمي بها الإنسان للتوقي من المخاطر التي تعترضه ويفسر بها ما أشكل عليه وأبهم من أحداث ومواقف . ومن أجمل ما نقرأه في القرآن في سردية تصحيح الإيمان وتعديل الاعتقاد المجادلة العقلية التي جرت بين إبراهيم وقومه بعد أن هدم آلهتهم التي كانوا يعبدونها وترك واحدة فقط لم يهدمها ووضع في يدها المعول الذي استعمله " قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين " ... " قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا ابراهيم ... قال بل فعله كبيرهم هذا فأسالوهم إن كانوا ينطقون " الأنبياء / اللآيات 59 و 62 و 63. أن المهم الذي سوف نركز عليه في هذا المقال في استحضار المعركة التي خاضها هذا النبي مع ثقافة عبادة الظواهر الطبيعية التي اشتهر بها قومه والوقوف قليلا لتدبر الآيات القرآنية التي تسرد صراع ابراهيم مع قومه و هو يثنيهم عن اتخاذ الحجارة آلهة للعبادة واللجوء إلى الخرافة دينا يدينون به ليس المنزع العقلي الذي اعتمده في محاججة قومه والبراهين المنطقية التي ساقها لتفنيد مزاعمهم الإيمانية كما أن المهم ليس المنهج الحجاجي الذي وظفه لتصحيح المعتقد القائم على مخاطبة العقل قبل الوجدان وإنما الذي يهمنا في هذه السردية الإبراهيمية في تركيز الايمان الصحيح واستعادة المعنى الحقيقي للعقيدة هي مسألة قليل ما يتفطن إليها الدارسون للقرآن وأحسب أنه لم يتطرق إليها أحد من قبل وهي تعد سبقا نكتشفه عند النبي ابراهيم حينما أعطى للدين وظيفة اجتماعية يحتاجها الانتظام البشري مع وظيفته الاعتقادية وحينما أقر التدين مسألة تحتاجها الشعوب والمجتمعات لحياتها وتماسكها وهو مبحث نجده في دراسة العلوم الاجتماعية التي درست المجتمعات البدائية للتعرف على جوانبها الدينية ومحور بحث اعتنى به الكثير من علماء الاجتماع خلال دراستهم لدور الدين في تكوين الجماعات البشرية واستمرارها على غرار عالم الاجتماع المعروف إيميل دوركايم . نقرأ في سورة العنكبوت الآية 25 قوله تعالي على لسان سيدنا إبراهيم مخاطبا قومه بعد أن أدان تفكيرهم الايماني الخرافي وبعد أن أنكر عليهم عبادتهم للظواهر الطبيعية وتمسكهم بعبادة الحجارة التي جعلوا منها آلهة تنفع وتضر " وقال إنما اتخذتهم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ... " تعد هذه الآية سبقا في مجال العلوم الاجتماعية وفي دراسة الأديان وفي دراسة علاقة الانسان بالإيمان وهو سبق تفطن إليه هذا النبي في تفسير الظاهرة الدينية حينما اعتبر أن الاعتقاد الديني بقطع النظر عن صحته أو خطئه له دور محوري في حياة الجماعة البشرية. فرغم أن إبراهيم قد حاجج قومه في اعتقادهم السائد وهو اعتقاد باطل لكون هذه الآلهة من الحجارة هي من صنعهم هم وبالتالي لا يستقيم عقلا أن يعبد المرء إلها صنع من حجارة لا تنفع ولا تضر إلا أنه اعترف لهم بقيمة وأهمية هذا الاعتقاد في حياة الجماعة وكل الجماعات البشرية حيث توصل مبكرا إلى إن للدين وظيفة اجتماعية مركزية وهي تحقيق الوحدة واللحمة الاجتماعية فعملية التودد والاحتماء التي تحدث عنها القرآن هي ظاهرة اجتماعية رافقت الانسانية على مدار تاريخها الطويل في إشارة إلى أن الدين إلى جانب الدور الذي يلعبه في تحقيق الراحة القلبية بما يقدمه من تفسيرات للوجود وللخلق وإجابات أخرى حول معنى الحياة والممات والمآل الأخروي فإن للدين مهمة أخرى وهو كونه رابطة جامعة تلتقي حولها الجماعة وتحتاجها لوجودها ولحمتها ولمواصلة اجتماعها الضروري . أقر إبراهيم الخليل مبدأ " التوادد " كوظيفة اجتماعية للدين في تماسك الجماعة البشرية وتحقيق لحمتها وضمان بقائها غير أنه أدانه لكون الإله الوثني ليس هو العبادة الصحيحة التي تستحق أن تمارس وليس هو الإله الحقيقي الذي يحتاجه الانتظام الإنساني واعتبر أن هذه الأوثان لم تكن هي الآلهة الصحيحة التي تحقق الراحة النفسية والمؤانسة الاجتماعية المطلوبة فهي في نظره مؤانسة قائمة على باطل فالكثير من الأوهام يحولها الإنسان إلى معتقدات وحقائق يؤمن بها ويفسر بها الأشياء لكن هذا النوع من المؤانسة وهذه المودة على الاجتماع لا تنفع يوم القيامة لأنها مقامة على خطأ و على فكرة باطلة في إشارة إلى أن الاجتماع الانساني لكي يكون مفيدا ومثمرا يتعين أن يكون مؤسسا على فكرة صحيحة وفي ذلك دعوة الانسان كي يتحرى الحقيقة في صورة اجتماعه وصورة الحياة الفضلى التي تنفعه قال تعالى " ثم يوم القيامة يكفر بعضكم بعضا ومأواكم النار ومالكم من ناصرين " إن محور الاجتماع الانساني هو الايمان الصحيح القائم على الاعتقاد الصحيح . هذه النظرة التي يقدمها النبي إبراهيم لإصلاح المجتمع وتعديل ركائز الاجتماع الإنساني لم تلق القبول والرضا لدى قومه وهي مسألة طبيعية إذ من الصعوبة تغيير العادات والمعتقدات والأفكار التي تعيش عليها المجتمعات وهي مسألة أخرى في بحوث علم الاجتماع تفطن إليها القرآن مبكرا لذلك كان الجواب الذي قدم لإبراهيم هو الرفض " فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أوحرقوه ... " العنكبوت / 24.