قديما قالوا عنه شاعرا وأن الوحي الذي يأتي به هو من قبيل ما يقرضه العرب من كلام بديع وبليغ .. ونسبوا إليه السحر واتهموه بالشعوذة وقالوا إنه مشعوذ .. وزادوا بأن ألبوا عليه العرب بتهمة التفريق بين الإبن وأبيه وقالوا عنه فتان و لما لم تفلح معه إستراتيجية التشويه في إضعاف شوكة الدعوة المحمدية وهي في مهدها وخطواتها الأولى انتقلوا إلى السخرية والاستهزاء وهو صابر محتسب وحين يشتد به الأذى وهو لا يرد الفعل يرفع يديه إلى السماء مناجيا ربه ويقول " اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس ، أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى قريب ملّكته أمري إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي ولكن عافيتك أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا و الآخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحل عليّ سخطك لك الحمد حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك " هذا هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهذا هو سيد الخلق ومعلم البشرية الذي أحببناه من دون أن نراه ونصرناه من دون أن نعاصره واتبعنا هديه من دون أن نلقاه . جاء في الحديث الصحيح أن عبيدة بن الجراح قال يوما للرسول صلى الله عليه وسلم هل هناك أفضل وخير منا ونحن صحابتك أسلمنا وجاهدنا ونصرناك ؟ فقال عليه السلام " نعم قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني " .. ويبلغ به الألم من توسع أذى كفار قريش وهو صابر ومحتسب حتى يغضب الله لألم نبيه ويبلغه على لسان جبريل بأن الله عالم بما يتعرض إليه من أذى " ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون ..." ويتواصل الأذى بعد موته صلى الله عليه وسلم ويستمر الاستهزاء به وبدعوته فمن مشكك في نبوته و ينكر عنه كونه كان أميا لا يعرف القراءة والكاتبة ويعطي للفظة " هو الذي بعث في الأميين رسولا " معنا آخر غير المعنى المتعارف عليه .. من يدعى أنه لم يكن فقيرا لا مال له وأنه تربى على اليتم الذي أثر في حياته وناقش موضوع فقره في تجاوز لقوله تعالى " ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى " الضحى : 6 و7 و8 . ... ومن أنكر أن مرضعته حليمة السعدية قد قبلت بإرضاعه عن مضض لأنها لم تجد من أبناء قريش من تعود به إلى باديتها وإنما الحقيقة حسب رأيهم أنها تعهدت بإرضاعه لأنه من أسرة ميسورة من أشراف القوم وسادة العرب .. ومن جعل لرسالته رابط وتأثر بما كان سائدا من أخبار الديانات السابقة بعد اتصاله بأحبار اليهود ورهبان المسيحية ونسبوا إليه تأثره بما كان يحدّث به ورقة بن نوفل بن عم زوجه خديجة بنت خويلد وكان عالما بالكتاب المقدس وسيرة السيد المسيح .. ويتواصل الأذى قديما وحديثا حتى وصل الحال إلى النيل من شخصه صلى الله عليه وسلم برسوم ساخرة بداعي حرية الرأي وحرية التعبير وفي كل ذلك وبعده تتواصل الرسالة المحمدية ويستمر الإسلام في التقدم لأن الله قد تعهد بنصرة نبيه ووعد بذلك في قوله تعالى " إنا كفيناك المستهزئين " الحج / 95 فلا تحمل هما يا محمد ولا تقلق من كثرة أذاهم ولا تنزعج من حقدهم عليك ولا تلتفت إلى احتقارهم لك وواصل في فعل الخير ونشر الرسالة فالله سوف يتكفل بهم ويتعهد برد الأذى عنك والزم أنت وأتباعك العبادة وتقديم القدوة والمثال الصالح للناس " ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين " الحجر/ 97 و 98 و 99. هذه هي وصية القرآن لكل المسلمين إزاء ما يتعرض له رسول هذه الأمة من إهانة وسخرية وهي أن لا نقابل السخرية والاستهزاء بالوقوع في الخطأ وبارتكاب الحماقات وإنما نصرة سيد الخلق ومعلم البشرية حينما نقدم صورة مشرقة عن الإسلام وحينما نعطى المثال الصالح عن المسلمين في انضباطهم ونظافتهم وحسن أخلاقهم والتزامهم بتعاليم نبيهم .. نصرة نبينا إزاء ما يتعرض له من كره وحقد يتحقق بأن نكون قادة العالم بالعمل وبالتفوق العلمي وبالاستغناء عن غيرنا في قوتنا وغذائنا وأمننا العام .. نصرتنا له تكون باسترجاعنا لمكانتنا بين الأمم واستعادتنا للمجد التالد وللقوة التي فرطنا فيها ودون ذلك هو خدمة لأعداء هذا الدين من الذين مازال يسكنهم الحنين لأيام الحروب الصليبية المسيحية. .