و تلك الأيّام...هوى حبيبٍ يُسَمّى المجلس "التأسيسي" قد أوقعَ القلبَ في الأشجانِ والكَمَد هوى حبيبٍ يُسَمّى المجلس "التأسيسي" مع المعذرة للشاعر الكبير محمود بيرم التونسي عن هذا الاقتباس وتعويض «المجلس البلدي» بالمجلس التأسيسي في القصيدة التي هاجم فيها المجلس البلدي عندما طالبه بمبلغ كبير كعوائد عن المنزل الصغير الذي اشتراه ففاقت شهرتها حدود مصر وراجت رواجا كبيرا. ولعلّ وجه الشبه بين مجلس يبرم التونسي ومجلسنا الموقّر أي المجلس التأسيسي يكمن في كون المجلسين قد ملآ الدنيا وشغلا النّاس لا بكثرة الأمل كما جاء في إحدى قصائد الشاعر الذي ملأ فعلا الدنيا وشغل الناس أبي الطيب المتنبي... بل بالممارسات المستبدة تجاه الضعفاء و إثقال كاهلهم بالضرائب بالنسبة للمجلس البلدي و بكثرة الكلام والمشاحنات وغياب الأفعال بالنسبة للمجلس التأسيسي الذي لا يزال منهمكا في مناقشة مشروع الميزانية التكميلي منذ حوالي أسبوعين وهي مدّة قياسية في حدّ ذاتها إذ كان يتعيّن على الجميع الإسراع بمناقشة هذا المشروع والمصادقة عليه حتى تمرّ الحكومة إلى الإنجاز في ظلّ وضع اقتصادي و اجتماعي يتسم بالهشاشة وينذر بالانفجار. ولقد شهدت قاعة المجلس مشاحنات عديدة و تلاسنات بين نواب مختلف الكتل فكان منهم من يعمل فعلا على إدخال التعديلات الضرورية على المشروع همّه الوحيد في ذلك الإصلاح والتصويب والبعض الآخر يتشبّث بالانتصار إلى رأي الحكومة ولو كانت على خطأ وشقّ ثالث يسعى إلى الظهور في مظهر المستبسل في الدفاع عن حقّ «شعبنا»، والعبارة أصبحت ممجوجة من كثرة تكرارها في غير موضعها، في العيش الرغيد عسى هذا أن يشفع له لدى من وثقوا به وانتخبوه ليمثّلهم صلب هذا المجلس وهو يرى أنّ ذلك لن يكون إلاّ من خلال الانتقاد اللاذع للسلطة التنفيذية وإظهارها في مظهر العاجز أو المتنصّل من وعوده وهنا يكمن الخطر، لأنّ هذا التمشي يحبط العزائم و يعطّل المسيرة و يعزّز الشعور بعدم القدرة على التفاعل مع انتظارات الشعب الذي تدّعي هذه الفئة الدفاع عن مصالحه. وليس بخاف على أحد وفي مقدّمتهم النوّاب المحترمون أنّ البلاد تعيش حالة احتقان على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية فظاهرة الاعتصامات قد استفحلت والاضرابات تعدّدت والاحتجاجات تواترت حتى وصلت إلى القصر الرئاسي والعنف تصاعدت وتيرته سواء في الفضاءات العمومية أو في المؤسسات الجامعية وطال المواطنين كما الأطراف الإعلامية والحقوقية والسياسية ومقرّات الأحزاب، كما أنّ الدعوات إلى العصيان المدني قد تكرّرت في ظلّ صمت رهيب من الحكومة ومن الأطراف الفاعلة في البلاد ولم ينقصنا إلاّ الدعوة إلى الانفصال...وكأن الأمر لا يدخل تحت طائلة القانون... كلّ هذه مؤشرات لا تدعو إلى التفاؤل في ظلّ احتدام الخصام بين الفرقاء السياسيين وشبح العودة إلى حقبة الصراع بين الإسلاميين واليساريين أو بين الإسلاميين و الحزب الحاكم، وحتّى «هدنة غرة ماي» التي تفاءل بها الجميع خيرا لم تكن إلاّ كنار القش الذي يلتهب سريعا و ينطفأ سريعا. فالتونسيون قد ضاقوا ذرعا بهذه الأجواء المحتدمة والمداخلات الحامية داخل قبة المجلس وخارجه لامست في بعض الأحيان المحظور كالتهجّم على رئيس المجلس أو نعت صوت المرأة بالعورة حتى أنّ الإقبال على متابعة المداولات قد انخفض بشكل كبير وتراجع اهتمام المواطن بأعمال مجلس إنّما انتخب لصياغة دستور جديد للبلاد يحصّنها من خطر العودة إلى الدكتاتورية ويعبّد الطريق أمام مسار ديمقراطي لا يزال هشّا ومحفوفا بالمخاطر، وإذ تعالت عديد الأصوات للحديث عن ثورة مضادة تعمل على بثّ الفوضى وإدخال البلاد في متاهات تلهيها عن استحقاقات الديمقراطية والتنمية والنهوض الاقتصادي والاجتماعي وتجرّها إلى منزلقات خطيرة قد تفضي بها إلى ما لا يحمد عقباها، فإنّ خيوط هذه الثورة المضادة غير واضحة حتى أنّ الكلّ صار يتّهم الكلّ بالانخراط في هذا المسار التآمري دون تحديد لهوّية الفاعلين الحقيقيين إن وجدوا. إنّ القول إذا لم يقترن بالفعل يصبح هراء وإنّ الدولة إذا لم تأخذ بزمام الأمور فتفرض هيبتها على الجميع تصبح ضعيفة و أنّ الشعب إذا ما شعر بالغبن وهو يشاهد هذا التناحر بين الساسة والنخب يفقد الثقة والأمل والثقة إذا ما افتقدت يصعب استرجاعها و الأمل إذا ضاع تصبح الحياة بلا معنى. فهل نردّد ما قاله زعيم الشباب المرحوم علي البلهوان يوم 9 افريل 1938 «كفى لعبا إنّ البلاد مريضة وليس بشرب الماء تنتفي الحمى». فكفى تلاعبا بآمال هذا الشعب و طموحاته. ولد الشاعر محمود بيرم التونسي في الإسكندرية في 4 مارس 1893وتوفي سنة 1961 وسمّي التونسي لأنّ جدّه لأبيه كان تونسياً قدم إلى مصر سنة 1833م، والتونسي لقب لصق به وبأفراد أسرته لكوْنهم من تونس أصلا.