يخطئ من يظنّ أن المشهد السياسي في تونس، استقرّ تماما، وأنه مشهد غير قابل للحراك والتغيير والتبدّل.. انتخابات المجلس الوطني التأسيسي التي توافق كل التونسيين على أنها انتخابات شفافة ونتائجها مقبولة، لم تفرز مشهدا سياسيا نهائيا.. فهي لم تكن سوى إفراز لحالة من الاحتقان والرفض والاتجاه نحو الديمقراطية، وقبول التونسي بمواطنه التونسي مهما كانت اختلافاتهما.
وبالتالي فإن انخراط الحكومة ورئاسة الجمهورية ورئاسة المجلس الوطني التأسيسي في ممارسة السلطة، سوف يفرز بالضرورة حراكا سياسيا، سيسهم بطريقة أو بأخرى في تنقيح وتغيير وتبديل وتطوّر المشهد السياسي بالبلاد.
الطفرة السياسية التي عرفتها تونس، منذ 14 جانفي 2011 الى حدود انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في 24 أكتوبر الماضي، والمتمثلة في ما يشبه الانفجار الحزبي، حيث وصل عدد الأحزاب في تونس نيف ومائة حزب، لا تعدّ سوى مظهر ردّ فعل ظرفي على التصحّر الحزبي والسياسي، الذي أردى فيه كل من بورقيبة وبن علي، المشهد السياسي للبلاد طوال أكثر من خمسين عاما.
لذلك فإن هذه التكتلات والجبهات التي تُقَدُّ هنا وهناك، تضمّ أحزابا وتيارات، وجدت أرضية وطنية تقدّمية ثورية أو وسطية ليبرالية، حتى تنصهر في عمل جبهوي، لا تعدّ سوى سمة صحية لهذا المشهد السياسي، الذي والحق يقال تكوّن تحت الأرض، حين كانت سياط التعذيب تطال كلّ من ينبس بفكر أو موقف مغاير للحزب الحاكم.. الحزب الواحد في كل العهدين.
من المفترض، وتونس تلملم جراحها لتحقق أهداف الثورة، أن تردّ «الترويكا» الحاكمة إيجابيا على هذه المبادرات، وأن تتفاعل معها، حتى لا تدع مجالا للشكّ في أن تكون دخلت مجال التداول القانوني والمقنّن على السلطة وأن الفيصل هو الانتخابات فقط.
على أن جميع الأطراف في المعارضة أو في السلطة، عليها أن تؤسّس لمنطق السلطة المنتخبة الحاكمة والسلطة المضادة، التي تتهيّأ للمبارزة الانتخابية وتسلّم السلطة كذلك..
لذا فالمشهد السياسي في تونس، يتشكّل من جديد، وهذا الأمر لا ريب فيه.