هو مواطن تونسي، يدعى «محمد الحبيب بنكريفة» من مواليد 1955 ،أصيل منطقة «البطان» بطبربة من ولاية أريانة، انطلقت مأساته منذ التسعينات عندما رفض التعاون مع البوليس السياسي التونسي ومنحه أسرارا عن شركة فرنسية كان يعمل بها في العراق مختصة في صنع بطاريات مضادة للصواريخ كانت قد تعاقدت مع وزارة الدفاع العراقية في عهد الراحل «صدام حسين». «محمد» كان يعيش في فرنسا ويعمل في مجال السياحة وكأي شاب طموح كان يرغب في تحسين ظروفه المعيشية خاصة أن عمره لم يتجاوز آنذاك ال 25 سنة فشارك في عرض قدمته شركة فرنسية إسمها «سان سوفيرا أراس» وكان ذلك في 1980 وكانت الشركة تبحث عن شخص يتقن العربية والفرنسية ويعرف المدن العربية لتسهيل عملياتها في العراق خاصة بعد أن تعاقدت مع وزارة الدفاع العراقية. يقول محدثنا : «تم انتدابي كعون مختص في العلاقات العامة بامتيازات مغرية جدا في ذلك الوقت، ومن بين الشروط الموضوعة في العقد وجوب معرفتي للمدن العراقية ولكني لم أكن أعرف العراق جيدا فخيرت التوجه إلى العراق لمعرفة بعض الأماكن وتكوين علاقات هناك حتى يسهل علي العمل لاحقا. بعد يوم واحد من وصولي اندلعت الحرب العراقية الإيرانية، في البداية سألت عن مكان تؤمّه الجالية التونسية بالعراق علني أجد من يساعدني في مهمتي فأشاروا علي باتحاد طلبة تونس ببغداد وأصبحت أتردّد عليه يوميا رغم نظرات الريبة وكنت خالي الذهن من الانتماءات السياسية ومرّت الثلاث الزيارات الأولى بسلام تخللتها زيارة إلى سفارتنا ببغداد لاستخراج بطاقة قنصلية وخلال الزيارة الرابعة لمقر اتحاد طلبة تونس وجدت معلقات وصورة للزعيم الراحل الحبيب بورقيبة تحمل رصاصة في رأسه والدم ينزف منها وعبرت بكل عفوية عن رفضي لهذه الصورة التي تمثل تعديا صارخا على رمز البلاد آنذاك، وظننت أنّ الخلاف انتهى لكن الخبر انتشر بسرعة البرق داخل الاتحاد لأجد نفسي محاطا بعشرات الطلبة وتم تسليمي إلى شخص قيل لي أنه المسؤول الأمني ووقع استجوابي من قبل 3 اعوان وسألوني عن أسباب زيارتي للعراق، وسبب تردّدي على الاتحاد وهل ذهبت إلى السفارة أم لا ؟ بعد ذلك تعهدت بعدم الدخول ثانية للاتحاد لأنه مخصص للطلبة فقط، وغيرت مقر إقامتي ومنذ تلك الحادثة أصبحت أتردد على سفارتنا هناك للحصول على الصحف وتوطدت علاقتي بالقائمين عليها وتكررت في الأثناء دعوات المخابرات العراقية لي حيث كانوا يستقبلونني في فيلات فخمة وفي أماكن متفرقة من بغداد خاصة في منطقة «المنصورة» وكان ذلك يتزامن مع عمليات إيقاف التونسيين ومساءلتي لسؤالي إن كنت أعرفهم أم لا ؟. حكايتي مع المخابرات العراقية عندما انطلق عمل الشركة الفرنسية في العراق، طلب مني الحصول على موافقة «الاستخبارات العسكرية العراقية» لكن الموافقة تعطلّت وقبلوا عملي في رتبة سائق وليس عون مختص في العلاقات بتعلّة التأكّد من ولائي للعراق، فرفضت لأني ساعتها سأتحصلّ على ربع الأجر وسأحرم من عديد الامتيازات على غرار السيارة وتذاكر الطائرة ،وفي حركة فيها الكثير من التحدي والثقة بالنفس طلبت تسليمي ورقة بيضاء ووّقعت، ووضعت بصمتي عليها وقلت لهم إن ثبت لديكم بالدليل أني أقوم بعمل يمسّ بالأمن القومي العراقي فلديكم الورقة بيضاء دوّنوا عليها ما شئتم من تهم واسجنوني فقال لي الإطار الأمني برتبة رائد «روح عليك الأمان في بلدك الثاني العراق» لكن رغم الأمان الذي منحوني إياه فقد أرادوا مراقبتي واشترطوا إيواء عائلة تونسية بمنزلي تتكون من زوج وزوجة بتعلة أن ظروفهما قاسية وقبلت العرض لأنه ليس لدي ما أخفيه ولأطمئنهم أكثر وتبين لاحقا أن هذا الثنائي يتعامل مع المخابرات العراقية وبعد مدة منحوني صكّا على بياض وأصبحت كل طلباتي مستجابة». محاولات الاستقطاب والحصول على أسرار وأضاف محدثنا: «مرّت فترة الزعيم الرّاحل «الحبيب بورقيبة» بسلام دون مشاكل تذكر مع الأمن التونسي، لكن فترة حكم «بن علي» كانت الأسوأ بالنسبة لي حيث أصبح لسفارتنا ببغداد بعدا أمنيا استخباراتيا، وتجلّى ذلك من خلال محاولات التجسّس والحصول على معلومات عن القدرات العسكرية وكنت أحد الذين حاولوا استدراجهم بإعتباري أعمل لدى شركة كانت تنّصب قواعد الصواريخ المتطورة وذاتية الدفع المضادة للطائرات بالأماكن الإستراتيجية الحسّاسة في كامل التراب العراقي، وطلب مني أحد الأعوان تزويده بمعلومات دقيقة عن أماكن تنصيب منظومة الصواريخ وأماكن مصانع التصنيع العسكرية و مخازن الأسلحة البيولوجية والكيميائية ورفضت لعدة اعتبارات منها الأخلاقية ولقناعتي أن العراق لا يشكل تهديدا للأمن القومي التونسي». العودة ومحاولة الانتحار أمام سيارة الوزير؟ وأضاف محمّد: «تبعا لهذا الموقف، تم حجز جواز سفري عند أول زيارة لي لتونس، ورفضوا إرجاعه لي بالرغم من أن إجازتي أوشكت على الإنتهاء وأصبحت مهددا في مورد رزقي وقبل يوم واحد من موعد عودتي توجهت إلى الوزارة الأولى ورافقني شقيقي الذي كان يشغل خطة رئيس بلدية «البطان» اعتقادا مني أنه سيسهل مهمّتي ولكننا اصطدمنا بالرفض، وبلغت درجة كبيرة من اليأس والقهر وعندما كان الوزير الأول آنذاك يهمّ بالمغادرة رميت نفسي أمام سيارته وتفاداني سائقه وكادوا يطلقون عليّ النار وألقوا عليّ القبض وشتمت «التغيير» وهددت بحرق نفسي في قلب العاصمة وبعد لحظات قدم مدير ديوان الوزير بعد أن هاتفه هذا الأخير ووعدني بتسلم جواز سفري في غضون 24 ساعة وكان عند وعده. عدت إلى العراق لكن بعد تأزم الأوضاع هناك وإنطلاق الحرب قررت العودة إلى تونس وكنت على متن آخر رحلة بالحافلة وسميت «رحلة الموت» نظرا للمخاوف ولحظات الرعب التي عشناها، وقامت قوات التحالف بقصف الطريق الرابطة بين العراق والأردن وكنت شاهدا يوم 26 جانفي 1991 على أشلاء مئات الضحايا على الطريق وبعد وصولي إلى أرض الوطن قررت إنجاز مشروع فوق قطعة الأرض التي أمتلكها وسميته «قهوة وكتاب» لأني أردت ان يغتنم الرواد الفرصة للمطالعة وإتصلت بإدارة التراتيب التابعة لوزارة الداخلية وبعد عدة أشهر أبلغوني بالرفض.... سنة 1993 وقع تكليفي من طرف السلط المحلية والجهوية بترأس الجمعية الرياضية بالبطان ووعدوني بالتدخل لإنتشالي من البطالة وجمع شتات عائلتي المتواجدة بين تونس ولبنان ...، أثناء الإنتخابات الرئاسية والتشريعية لسنة 1994 تم تعييني عضو مكتب إنتخابي وكنت شاهدا على حجم التزوير وتبديل الأوراق الى حمراء والتصويت للمتغيبين والأموات. وفي جانفي 1994، توجهت بمطلب آخر إلى إدارة التراتيب فرفض مرة أخرى وقال لي المدير حرفيا : «رخصة المقهى إمتياز تمنحه الإدارة لمن تشاء» فأجبته : «لمن تشاء أو لمن يدفع أكثر» فانتفض من كرسيه وأطردني وأقسمت له أنّي سأكون سببا في عزله... وجهت شكوى إلى الموفق الإداري لمعرفة اسباب الرفض فتم إعلامي في 1994 أن السبب هو وجود المقهى قرب مدرسة وكان لي صديق يعمل بوزارة الفلاحة وكان له موعد مع بلحسن الطرابلسي الذي طلب منه إيجاد حل لتراكم المياه في ضيعته فرافقته وطرحت عليه مشكلتي فقال لي: «نعرفهم كلاب يحبّوا ياكلوا وكي الحنوشة يجريو على كروشهم حضّر لي حاجة نهزهالهم توّه نجيبلك الرخصة»... ولأني كنت أرفض دفع الرشوة حولت وجهتي نحو عضو بمجلس النواب فقال لي ان رخص المقاهي لا تمنح بالولاء وإنما لمن يدفع وأكد لي ان المبالغ تتراوح بين 3 ألاف و5 ألاف دينار حسب الموقع»... ساعتها توجهت برسالة إلى وزير الداخلية آنذاك وطلبت لقاءه شخصيا وإلا الدخول في إضراب جوع لن ينتهي إلا بلقاء الرئيس وحددوا لي موعدا مع وزير الداخلية وسلمت والدتي رسالتين وقلت لها إن لم أعد فعليها أن تسلمهما إلى صديقين بالخارج تحسبا للأسوأ «... وعند لقائه طلبت منه إما إنصافي أو إيقافي وسلمته الصور قائلا: «هل قانونكم يسري على جميع التونسيين أم لا؟» وفعلا تحصلت على الرخصة بعد 7 سنوات وقام الوزير بعزل مدير إدارة التراتيب من منصبه وكسبت التحدي لكن ثمنه كان باهظا حيث أصبحت أتردد على عيادات الطب النفسي وأنام بالمسكنات وفتح الباب أمام الراغبين في الحصول على رخص واضطررت لاحقا إلى بيع المقهى ولم أنجزه كما يحلو لي «مقهى كتاب» ... حرماني من نيل التعويضات؟ بعد هذه المشاق، تعرضت إلى مظلمة أخرى مع وزارة الخارجية قبيل الثورة حيث سحب ملفي نظرا للأحداث السابقة وأطردوني عنوة من الوزارة وذلك عند إقرار تعويضات حرب الخليج للتونسيين والتي أقرتها منظمة الأممالمتحدة بالتالي تم حرماني من نحو 200 ألف دينار ثمن 10 سنوات عمل و10 أخرى مفترضة وراتب شهري يقدر ب1700 دولار وإنخراط بالضمان الإجتماعي وسيارة مرسيدس بقيمة 20 ألف دولار ومنزل مؤثث... وإستبشرت خيرا بالثورة وراسلت جميع المسؤولين من الرئيس إلى الوزراء كوزير حقوق الإنسان والمنظمات الحقوقية ووزارة الخارجية لمساعدتي على استرداد حقوقي خاصة أن ملف تعويضات حرب الخليج شابه الكثير من الفساد والغموض ومازلت انتظر جوابا .