يمرّ شهر رمضان بصيامه وقيامه، وبين مواكب الختم وختان الأطفال تكون حركة الأسواق قد نشطت وتضاعفت بالتحاق أسواق ملابس العيد وحلوياته بأسواق موائد الإفطار التي سبق الحديث عنها، وفيما يسوّف الأزواج زوجاتهم والآباء أبنائهم أملا في انخفاض كل شيء في الأيام (...)
لا تنتهي السهرات عند الصالات و»الدراجح» و»إسماعيل باشا»، فبعضها يمتد إلى نوع من النوادي هي عبارة عن دكان يكتريه أحدهم أو بعضهم وقد يسميه البعض «مخزن»، يجتمع فيه الرجال لقضاء أوقات الفراغ التي قد تطول وقد تقصر، كما كانت للدور الكبيرة في الحاضرة وفي (...)
لم يكن في ما مضى حيرة في اختيار إمام التراويح التي تبدأ في الليلة الأخيرة من شهر شعبان إلى أواخر الشهر الكريم، حيث كان شيخ قراء الجامع الأعظم في الستينات الخطوي دغمان القطب الأهم في جمع المصلين وراءه، فيما كان الشيخ علي البراق يؤم صلاة التراويح (...)
كان للخبز ومازال في الشهر الكريم مقامه فهو لم يغادر فرن العائلة إلى مخبزة الحي إلا في سنوات الستينات حيث غاب "الطّرّاح" الذي كان يحمل الخبز من البيت إلى الخباز، فأصبحت بعض العائلات التي واصلت عجن خبزها في الدار تكلف أحد أبناءها أو بناتها بحمله إلى (...)
سيدي رمضان شهر الشهوات والخيرات تأكل فيه العين قبل البطن، وتنصب فيه الموائد بما لذ وطاب من صنوف الأكل الذي تعبت في إعداده وتجهيزه «الحرائر» وهن «يصنّفن ويميّلن رؤوسهن» لتحضير شقان الفطر للعائلة في لمة مقدسة ذات طعم خاص في الشهر الفضيل. وخلال الشهر (...)
من العادات الحميدة التي بقيت متوارثة أن المؤذّنين لا يعلنون عن موعد الإفطار إلا حين يشاهدون راية جامع القصبة ولذلك سمي اجتهادا «جامع العلم»، ولسدنة هذا الجامع خطة خاصة يمتازون بها على بقية جوامع المدينة وربضيها وهي «الميقاتي» من الوقت على خلاف (...)
لا تهدأ الحركة في سوق الحلفاوين أو سوق المسقّف ولا في الصباغين ولا في الأسواق البلدية من مثيل السوق المركزية بالعاصمة المعروفة سابقا بفندق الغلة إلا ساعة قبل موعد الإفطار، والطريف في الأمر أن التونسي مهما كانت درجة ورعه وتقواه أو بعده عن الإلتزام (...)
لا تقتصر الأجواء في أسواق الحلفاوين على ذلك «الكلوف» المحبّذ وتلك القناعة التي تحرّك المتطفلين حول ممارستهم لدورهم في حماية المستهلك من صنوف ما يرونه من منظورهم «غشّة في سيدي رمضان»، بل تتعداه إلى مشاهد أخرى ما أتى الله بها من سلطان لا تغيب عن (...)
بعد استكمال الإعداد والاستعداد لحلول الشهر الكريم، تنطلق بشائره بإقامة أول صلاة للتراويح إثر صلاة عشاء اليوم الأخير من شهر شعبان، ليحلّ بعدها سيدي رمضان حاملا معه بركته وعبقه وأجواءه الخاصة التي لا تختلف كثيرا في كلّ ربوع بلادنا إلا بمقدار وتتشابه (...)
وبين ذاهب للحمام وعائد منه من رجال الدار، ينكب النسوة على وضع آخر اللمسات على تنظيم الغرف والتمعن في كل التفاصيل مستعرضين في ذلك "القدا والرّتبة" المتوارثتين عن الجدات والأمهات والتي تفصل فصلا بيّنا "الحُرّة" عن "العُرّة" وهو اللفظ الذي يطلق على من (...)
بعد أن اطمأنّت النسوة بنفسهنّ إلى أمر التوابل و»الأُفّاحات» وتصبير «الهريسة» وترقيدها في الزّيت وترقيد شرائح الطماطم وكذلك القدّيد الذي تم تخزينه منذ عيد الإضحى الفارط ووضعها داخل نوع من الجرار تسمى «الزّير»، وهي لعمري أفضل صحيا من حفظ المواد (...)
لا يمكن فصل ذلك التذكير المتواتر لربّ العائلة بأن لا ينسى أن يحمل قفة "الدّوزان" الذي نال منه "الغُنْج" ما ناله جرّاء الطبخ وبعد أن رُصّ في السّدّة لزمن قبل أن تهلّ بشائر الشهر الكريم ويقوم حظّه من جديد، لينفض ما علق به وتعود إليه نضارته من جديد (...)
ليس من قبيل الصدفة أن نختار هذا السفر عبر عقود مرّت لنستحضر نفحات طالما كانت تُمثّل مصدرا لسعادتنا على بساطتها علّنا نتذكّر تلك الأيام التي مازالت تداعب ذكرياتنا كلما حلّ الشهر الفضيل. فرمضان ليس مجرّد صيام وإمساك بل هو كذلك سفر رقيق لأيام تركت (...)