بطاقتك تنجّم تنقذ حياة إنسان: كيفاش تولّي متبرّع بالأعضاء في تونس؟    مقترح قانون جديد: السجين ينجم يتصل بعائلته خارج أوقات الزيارة!    عاجل: حملة أمنية كبيرة ضد المحتكرين ...تفاصيل تنشرها وزارة الداخلية !    إيران وأمريكا تتلقيان خطة لإنهاء الحرب    عاجل/ تفاصيل جديدة عن حريق مستودع الحجز البلدي ببومهل واحتراق سيارات..فتح تحقيق..    عاجل/ مسيرة تستهدف هذه الشركة في الامارات..    لبنان: إستشهاد ثلاثة أشخاص في غارة إسرائيلية على بلدة شرق بيروت    شوف جدول مباريات الجولة العاشرة إياب: كل الفرق والتوقيت    الترجي: إصابتان جديدتان قبل المواجهات القادمة..شكون؟    كيفاش بش يكون طقس اليوم الاثنين ؟    كوريا الجنوبية "تتأسف" لكوريا الشمالية بعد واقعة المسيّرة    اليوم آخر أجل لخلاص vignette : أصحاب الأرقام الفردية معنيين    رضا الشكندالي يحذّر من تواصل تراجع الاستثمار في تونس منذ 2011    البطولة الفرنسية : موناكو يفوز على مرسيليا في ختام الجولة 28    البطولة الإيطالية : إنتر ميلان يعزز صدارته بفوز كبير على روما    استخباراتي أمريكي: الوضع الأمريكي مرشح لمزيد التدهور وواشنطن تفتقر إلى استراتيجية واضحة    طقس اليوم: ارتفاع درجات الحرارة    انتخاب هشام العجبوني أمينا عاما للتيار الديمقراطي    أكسيوس: الوسطاء يبذلون جهودا أخيرة للتوصل إلى وقف إطلاق نار في إيران لمدة 45 يوما    في اليوم ال38 من الحرب ... رؤوس متفجرة تسقط في حيفا في ظل مفاوضات "الفرصة الأخيرة"    سليانة: قافلة صحية مُتعددة الاختصاصات تُقدم خدمات مجانية للمرضى    خلال يومين: هذه حصيلة تدخلات الوحدات الأمنية للتصدي للاحتكار والمضاربة    كيف تتحكَّم في شهيتك بسهولة؟ 7 حيل فعَّالة يومية    بمستشفى المنجي سليم بالمرسى ... نجاح عملية زراعة كبد دقيقة لتلميذة في حالة حرجة    مؤشرات طيّبة ..أغلب سدود جندوبة والكاف تجاوزت 100 %    سيدي علي بن عون .. يوم مفتوح للجمعية التونسية لقرى الأطفال س.و.س    جمال لا يرى    نظّمها النجم الرياضي بحلق الوادي وحَضرها نجوم كرة السلة ... ... «سهرة الأساطير» ستَظلّ في البال    مع الشروق : «كروية الأرض» شاهدة على أن التاريخ لا يموت في اسبانيا!    محافظ البنك المركزي ووزير الاقتصاد يشاركان في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين    عمليات نوعية في جراحة القلب والشرايين: الطبّ التونسي يتألّق في نواكشوط    ظهرت في أغنية كورية لثوانٍ.. ابنة أنجلينا جولي وبراد بيت تشغل التواصل    الاتحاد المنستيري يتوّج بلقب بطولة كرة السلة    طبيب مختص: قريبا اعتماد الأوكسيجين المضغوط في تأهيل مرضى الجلطة الدماغية    هل تساعد البذور على خفض سكر الدم؟ إليك 5 خيارات مفيدة    ورشة عمل تشاركية حول إحياء القرية البربرية الزريبة العليا يومي 18 و20 أفريل    طبيبة نفسية تحذّر: الإدمان الالكتروني اضطراب نفسي مزمن يحتاج علاجًا    تحت عنوان "ذاكرة و عُبور" الدورة 30 لصالون صفاقس السنوي للفنون تحتفي بالفنان باكر بن فرج    الرابطة المحترفة الأولى: النادي الافريقي يتقاسم الصدارة مع الترجي    بطولة مونزا للتحدي للتنس - معز الشرقي يستهل مشاركته بملاقاة السويسري ريمي بيرتولا لحساب الدور السادس عشر    قرار جديد في دقيق الخبز ومنظمة إرشاد المستهلك ترحّب بالفكرة    نابل: استثمار تركي بقيمة 5 ملايين دينار لتشغيل 1000 شاب في قطاع النسيج    توزر: افتتاح المشروع الثقافي "ستار باور" بدار الثقافة حامة الجريد ضمن برنامج "مغرومين"    نسبة التضخم عند الاستهلاك العائلي بلغت 5 بالمائة خلال شهر مارس    خبر يفرّح التوانسة: بشائر الخير مازالت متواصلة في أفريل    تستدرج الشبان عبر "فيسبوك" وهذا ما تفعله بهم: تفاصيل الإطاحة بفتاة تتزعم عصابة بمنوبة..#خبر_عاجل    مفاجأة: دراسة علمية تكشف..عنصر رئيسي يجعل البكاء سبباً لتحسين مزاجك..    المركز الجهوي لتقل الدم بصفاقس ينظم يوما مفتوحا للتبرع بالدم يوم 8 افريل 2026 بمناسبة الاحتفال باليوم الوطني للتبرع بالدم    تحيل على العشرات من الضحايا: القبض على منتحل صفة مسؤول..وهذه التفاصيل..    فتح تحقيق في حادثة سقوط تلميذة من الطابق الاول بمدرسة اعدادية بالمكنين    التوقعات الجوية لهذا اليوم..    التشويق يتواصل: مقابلات اليوم تنجم تبدّل الترتيب الكل    دخول مجاني اليوم إلى المواقع الأثرية والمتاحف في تونس    الرائد الرسمي: فتح مناظرات وطنية للدخول إلى مراحل تكوين المهندسين بعنوان السنة الجامعية 2026-2027    وزارة الشؤون الدينية تنشر دليلا مبسطا حول أحكام الحج والعمرة    ظاهرتان فلكيتان مرتقبتان في تونس في 2026 و2027    خطبة الجمعة: مكانة المسجد في الإسلام    فتوى الأضحية..شنوا حكم شراء العلوش بالتقسيط ؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ملاك الدولة: من أجل حل الوزارة وتفكيك العصابة
نشر في باب نات يوم 21 - 06 - 2016


بقلم وسام الأطرش،
مقدمة
وزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية، وزارة استحدثت سنة 1990 من أجل نهب منظم لأملاك الشعب، وهي إحدى أعجب اختراعات المنظومة النوفمبرية التي جادت على تونس بوزارة لا وجود لها في العالم أجمع. شهدت الوزارة تداول أربعة وزراء عليها منذ انبعاثها إلى حد هروب المخلوع، حيث تقاسم مصطفى بوعزيز ورضا قريرة فترة عشرين سنة بالتمام والكمال وهو ما لم يحدث في أي وزارة أخرى في تاريخ تونس "الحديثة".
في حين كانت فترة زهير المظفر صاحب كتاب "7 نوفمبر، الثورة الهادئة" والمتحصل على الصنف الأكبر من وسام السابع من نوفمبر قصيرة، ليتولى من بعده فؤاد دغفوس أمر الوزارة في أكتوبر 2010 والذي كان بمثابة الابن المطيع لبن علي حيث أشرف على المشاريع الكبرى التي كان يتباهى بها النظام لتلميع صورة تونس في الداخل والخارج أساسا، فلم يحدث أي منهما تغييرا يذكر على مستوى الهيكلة أو التسيير أو حتى إعادة التنظيم، بل بقيت دار لقمان على حالها إلى أن تفاجئ الماسكون بزمام الأمور في الوزارة بمقرها المكترى في شارع باريس بالعاصمة ذات 14 جانفي بهبة أطاحت بولي النعمة وفرضت فراره من البلاد.
أملاك الدولة: عنوان سطو ممنهج من أجل اقتسام الغنائم/font size=6
كانت هذه الوزارة تسمى في الماضي "وزارة أملاك الدولة وشؤون الطرابلسية"، وذلك باعتبارها بؤرة من البؤر التي عشش فيها الفساد. حيث انتزعت الملكيات الخاصة انتزاعا من الملّاك الشرعيين باسم المصلحة العامة، ولم يعوض أصحابها إلى اليوم، ثم اقتسمها المتنفذون بينهم غنائم، كما تم التفويت في آلاف الهكتارات من الأراضي الفلاحية الخصبة، وإسناد المقاطع الرخامية والحوازات العقارية والمشاريع الكبرى حسب الولاءات والوجاهة، دون أن تدر ريعا على ميزانية الدولة، اللهم إلا بعض الفتات تمويها وذرا للرماد على عيون المراقبين والمتابعين بحذر خشية بطش النظام.
جميعنا اليوم يعلم كيف استولت عائلات الطرابلسي وبن علي وصخر الماطري على أخصب الأراضي الفلاحية خاصة في قمرت وسيدي بوسعيد واستحوذت على أفضل الأراضي السياحية في تونس وذلك بمقتضى حيل قانونية. هذا دون الحديث عن قصور الحمامات وقربص وعين دراهم ومرناڨ وغيرها من القصور التي تملكها بن علي بغير وجه حق وأداته في ذلك وزارة أملاك الدولة.
ولأن ملك الدولة العام غير قابل للبيع، فإن تسهيل التفويت في بعض الممتلكات يبدأ من إعادة تصنيف وتغيير صبغة ملك الدولة العام وجعله ملك دولة خاص.
ولئن كان الدور المعلن لهذه الوزارة عند نشأتها حصر ممتلكات "المجموعة الوطنية" وإعادة توزيعها لاستغلالها حتى تكون رافدا مهما لاقتصاد البلاد، فإن أخطبوط النظام السابق كان يرسم ويهندس من أجل السيطرة على تلك المدخرات الهامة.
وبالعودة الى انبعاثها فقد تم استجلاب الجنرال مصطفى بوعزيز إلى هذه الوزارة تحديدا بعد مكافأته بوزارة العدل وذلك في سياق محاولات بن علي (المنبوذ داخل الجيش) شراء ذمم القيادات العسكرية، علما وأن الجنرال بوعزيز شغل منصب وكيل جمهورية لدى المحكمة العسكرية أثناء محاكمة الإسلاميين. وقد عمل هذا الأخير على إحداث بنك معلومات وإرشادات فسعى الى جمع الوثائق حول الثروة العقارية للبلاد التونسية، من أراض فلاحية وعقارات سكنية تابعة لملك الدولة العام والخاص، المنتشرة في أغلب مناطق البلاد خاصة الأملاك التي كان يتصرف فيها المعمرون والأجانب فنشطت عمليات تأميم العقارات الفلاحية والتي شهدت العديد من التجاوزات نتيجة سوء تطبيق قانون 12 ماي 1964 الذي كان بمثابة سيف مسلط على رقاب الفلاحين الذين عانوا الويلات جراء سوء تطبيقه واعتبروه جائرا ومجحفا خاصة أن تلك العقارات التي كان يتصرف فيها المعمرون سبق أن افتكت منهم زمن الاستعمار الفرنسي.
وقد أتم تلك الحلقة القانون عدد 21 لسنة 1995 المؤرخ في 13 فيفري 1995 الذي حجر التفويت في الأراضي الفلاحية مما دعم تلك المشاكل وخاصة للذين لم يتموا إبرام عقود بيع تلك العقارات التي انتفعوا بها من القانون عدد 25 لسنة 1970 المؤرخ في 19 ماي 1970 والمتعلق بضبط كيفية التفويت في الأراضي الدولية الفلاحية فضاعت حقوق الناس بين رفوف الإدارة والقضاء مما أدخل السلطة في حالة تصادم وخصام دائم معهم حتى أن أغلبهم أصبح ينظر الى وزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية وموظفيها على أنهما خصما لدودا، بعد أن تحولت التشريعات وسيلة لهضم حقوق مالك العقار التي اكتسبها على مدى فترات طويلة تصل إلى حد عقدين أو ثلاث عقود أحيانا من الاستغلال.
وبعد ما استتب الأمر وتمكنت الإدارة من بسط سيطرتها الفعلية والإدارية بفعل جملة من التشريعات تغير الدور ليتم إحداث تحوير على مستوى الوزارة يتولى أمرها رضا قريرة المقرب من عائلة الرئيس المخلوع والتي شهدت في عهده فسادا على مستوى التنظيم وتغلغلا كبيرا لعائلتي بن علي والطرابلسية الذين انتقوا بفعل علاقاتهم بكبار موظفي الوزارة خيرة تلك الممتلكات فنهبت ثروة هذا البلد، بل أسندت لهم بدون مقابل على غير الصيغ القانونية المتعامل بها مع غيرهم، فشركات الاحياء والتنمية الفلاحية مثلا المنتشرة على مئات الهكتارات أهديت لهم بكل ما فيها من منقولات ومعدات بمجرد محاضر تحويز والتي عادة ما تكون جوفاء لا تنصّ على مدة الاستغلال وقيمة معينات الكراء ولعل العقارات الموجودة في كل من ولايات باجة وسليانة ونابل وزغوان التي استحوذت عليها تلك العصابات دليل على مدى استشراء الفساد في الوزارة حيث تصرّفت تصرّف المالك في ملكه بالبيع والرهن دون حسيب ولا رقيب، في حين تُرفع ضد ضعاف الحال وصغار الفلاحين (الذين لا تتجاوز أحيانا قيمة ديونهم مبالغ رمزية) القضايا في الخروج من عقارات أفنوا أعمارهم في تنميتها وإحيائها.
أما عن الوزيرين اللاحقين لسنة 2010، فلم يختلف الوضع كثيرا في وزارة لم يتم إنشاؤها إلا من أجل عيون الفاسدين المفسدين والمتلاعبين بمقدرات البلاد باسم الحفاظ على المصلحة العامة، إلى أن فاجأت بعضهم ثورة صار على إثرها الوزراء الأربعة مطلوبين لدى العدالة ومتهمين في قضايا فساد مالي وعقاري. الغريب في الأمر، أن مدير ديوان هذه الوزارة المدعو "فتحي السكري" قد رافق الوزراء الأربع في النهب والسرقة قبل الثورة والمحاكمة على جرمه بعدها (تجدر الإشارة إلى أن ابنة أخيه هي نائبة رئيس لجنة المالية ونائبة البرلمان عن نداء تونس حاليا ألفة السكري). فهل تم بعد 14 جانفي تطهير الوزارة من أدرانها والعدول عن فكرة تسخير هذا الصنع النوفمبري لنهب ممتلكات الناس باليد اليمنى والتفويت فيها لغير مستحقيها باليد اليسرى، أم أن تونس على موعد جديد مع عصابة هي أشد نهما على السلطة وأكثر تجرؤا على مقدرات هذا الشعب المقهور.
وزارة أملاك الدولة، غرفة مغلقة لم تشملها الثورة/font size=6
ظلت هذه الوزارة بعد الثورة صندوقا أسودا لم يفتح إلى يوم الناس هذا، وإن تزايدت في الفترة الأخيرة الشكوك وتضاعفت نقاط الاستفهام المطروحة حول الدور الذي تلعبه هذه الوزارة وطرق تصرفها في الأراضي والعقارات والأملاك المصادرة، وبدأت رائحة الفساد تفوح من أركان الوزارة بما يزكم أنوف المتابعين للشأن العام.
ففي الوقت الذي عملت فيه منظومة الفساد على إقناع الشعب التونسي بأن أهداف الثورة ستتحقق على أيدي الباجي قايد السبسي أثناء توليه رئاسة الحكومة خلفا لمحمد الغنوشي، قام المحامي الهرم السبسي باستجلاب القاضي أحمد عظوم من أرشيف التملق البنفسجي ليضعه على رأس وزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية في إعلان واضح لموسم جديد من النهب المقنن الملتحف هذه المرّة بعباءة الثورة. كيف لا والقاضي العتيد هو شاعر بلاط لا تزال قصائده في مدح وزير الظلم في عهد بن علي البشير التكاري موجودة ضمن أرشيف خطابات التزلف إلى النظام في حفلات افتتاح السنة القضائية.
تقلد أحمد عظوم مباشرة بعد الثورة منصب كاتب دولة لدى وزير المالية مكلفا بأملاك الدولة في حكومة الغنوشي تمهيدا للدور الذي سيلعبه لاحقا في وزارة أملاك الدولة ضمن حكومة السبسي. واشتهر هذا القاضي بهواية السياحة الحزبية، حيث استطاع أن ينتقل في السنوات الأخيرة من التجمع الدستوري الديمقراطي إلى المؤتمر من أجل الجمهورية ثم إلى نداء تونس، أين رست به سفينة الإنتهازية ليصبح واجهة فعلية وغطاء حقيقيا للفساد منذ اصطفائه دون غيره وتعيينه على رأس الهيئة العليا للرقابة الإدارية والمالية رغم تجاوزه سن التقاعد منذ 12 جويلية 2014 بحكم أنه من مواليد 12 جويلية 1954.
وقبل الحديث عن هذه الوزارة في عهد سليم بن حميدان فترة حكم الترويكا، لا بد من الإشارة إلى شخصية خطيرة تعمل صلب الوزارة، ألا وهو رئيس هيئة الرقابة العامّة لأملاك الدّولة والشؤون العقاريّة سابقا، وأحد الذين تعلّقت بهم قضايا فساد. إنه الإباضي المدعو نجيب الحلومي، أصيل مدينة جربة. كان ولا يزال للأسف شاهد زور على الفساد قبل الثّورة وبعدها بل كان أحد الذين عملوا على نشره في هذه المؤسسة، وذلك بترقيته التجمعيين الفاسدين في الوزارة.
وجود هذه الأرضية التجمعية صلب الوزارة، كان من شأنه أن يهيئ طاقم الوزارة لاستقبال الوزير الجديد سليم بن حميدان قبل أن يشرع في التخطيط لفشله الحتمي الذي كان مهندسه الأول نجيب الحلومي بوصفه رئيس ديوان السيد الوزير. مع ذلك يحسب لبن حميدان قيامه بإعادة جرد الأملاك التي كانت في حوزة التجمع البائد، وتسوية وضعية عقارات عديدة ووضع يده على ملفات الفساد التي كلفته منصبه فوق وابل من التهم الكيدية وهجوم إعلامي لاذع.
من هنا يمكننا القول، أن الدكتور والمحامي سليم بن حميدان هو الوزير الوحيد على رأس أملاك الدولة الذي خالف العرف الجاري العمل به بعد الثورة في استجلاب رؤوس هذه الوزارة المعضلة، حيث صار أكيدا أن تعيين القضاة في مناصب عليا في الدولة يتم عبر معيار الفساد والطاعة والتطبيع مع نظام بن علي. وهذا بحسب مهندسي "الإنتقال الديمقراطي" في تونس، لا بد له من كفاءات تتقن فن إخفاء ميولات الفساد والإفساد تحت ثوب "التكنوقراط".
وهكذا، تم تعيين القاضي محمد كريم الجموسي على رأس وزارة تبديد المال العام زمن حكم المهدي جمعة، في حلقة جديدة من مسلسل التلاعب بالممتلكات والمقدرات العامة باسم المصلحة العامة وتحت عنوان مُلجم للأفواه هو: أملاك الدولة. ليجد القاضي والوزير الجديد نفسه بين أحضان جوقة التجمعي نجيب الحلومي. فإذا كان هذا هو الحال زمن الشطحات الكربولية لحكومة "الكفاءات"، فما الذي ستؤول إليه أمور هذه الوزارة في العهد رباعي الدفع؟
وزارة أملاك الدولة في قبضة شركة الرياحي
لم يفت دهاقنة السياسة في تونس، أن صناعة الشهرة وتنمية الرصيد الإنتخابي تتطلب رئاسة نوادي كرة القدم، والتنافس في ذلك، وأن حضور الإيديولوجيا يعزز رصيد الأحزاب السياسية لدى الرأي العام، أما إذا غابت البرامج والإيديولوجيا وحضر المال السياسي القذر، فتنمية رصيد الثروات الطائلة يصبح مقدما على الشهرة والمجد، ولتذهب الإيديولوجيا حينها إلى الجحيم.
وأما إذا التقت رغبة التستر على ثروة مشبوهة مع حقيبة وزارية تقنن النهب المنظم للمال العام، فإنه من الطبيعي جدا أن تتجه أنظار الرياحي وشركاؤه في مملكة "الإتحاد الوطني الحر" إلى وزارة بأهمية وحجم وزارة أملاك الدولة، لأنها بالنسبة لشركة الرياحي ليست مجرد وزارة عادية تتطلب أداء سياسيا وحضورا برامجيا، إنما هي تركة تسيل لعاب المتحيلين من أصحاب رؤوس الأموال.
وهكذا، ودون كسر العرف الجاري العمل به في انتقاء رموز هذه الوزارة، يصل إلى رأسها عقب تشكيل حكومة الصيد يوم 5 فيفري 2015 قاضي متحيل برتبة وزير ألا وهو حاتم العشي أصيل ولاية جندوبة، الذي لم يستح أن يكذب على الملأ في برنامج "لمن يجرؤ فقط" ويقول بأن ارتباطه بسليم الرياحي كان سببه ولع كليهما بالنادي الإفريقي.
والواقع أن السيد الوزير يا سادة، هو زميل دراسة في كلية الحقوق بسوسة للمدعو عماد الرياحي محامي الطرابلسية سابقا ومحامي سليم الرياحي حاليّا وقريبه، كما أن كليهما يقطن في منطقة باردو بالعاصمة.
السيد الوزير يا سادة، كان قد تقدم بمطلب زمن حكم المهدي جمعة ليترشح إلى منصب حافظ الملكية العقارية خلفا للقاضي "أحمد الحافي"، فجوبه بالرفض من وزارة الداخلية بسبب ارتباطه المشبوه بسليم الرياحي، ولكننا نفاجئ بعد الإنتخابات2014 باعتلائه منصب وزير أملاك الدولة ومن ثم أمينا عاما لحزب الرياحي!
السيد الوزير يا سادة، وجد الأرضية اللازمة لتكرار ممارسات المنظومة السابقة في تبديد الملك العام والخلط بين الحزب والدولة، حيث تم شد أزره برئيس ديوان من طينة وعجينة تجمعية خالصة، هو المدعو عبد الرزاق بن فرج والذي تم تعيينه في هذا المنصب من قبل صديقه الوفي المدعو أحمد زروق، الذي يشغل حاليا منصب كاتب عام لحكومة الصيد برتبة وزير، وكله يندرج في إطار رسكلة منظومة التجمع.
السيد الوزير يا سادة، استطاع أن يقطف ثمار جهود سليم بن حميدان عبر اعتماده لملفات جاهزة في تسييره للوزارة. كما لم يفته أن يرتمي في أحضان النّقابة الأساسيّة لأعوان وإطارات وزارة أملاك الدّولة وذلك سعيا منه لكسب ود الإتحاد العام التونسي للشغل كرافد أساسي لتنفيذ مخطط البقاء على رأس هذه الوزارة.
السيد الوزير يا سادة، قام بتعيين المراقب العام في هيئة الرقابة العامة لأملاك الدولة والشؤون العقارية والكاتب العام المساعد لنقابة المراقبين السيد محمد الهادي السنوسي رئيسا مديرا عاما للشركة التونسية لسياحة الشباب، فلا يتحدث أحد بعدها على المحسوبية والولاءات.
السيد الوزير يا سادة، حول الإدارات الجهوية لأملاك الدولة إلى مقرات للإتحاد الوطني الحر، والمديرين الجهويين إلى منضوين تحت الحزب.
ليس هذا فحسب، بل صارت الوزارة أداة لتركيع الإعلام وشراء ذمم الإعلاميين. نعم، هكذا تقوم شركة الرياحي التي تدير اللعبة من مقرها بالبحيرة بتطويق تجاوزات العشي لصلاحياته إعلاميا والتعتيم على كل مظاهر الفساد المالي والإداري والأخلاقي المستشري داخلها عبر الإنتقال إلى خطة مصادرة الإذاعات والصحف. فبعد أن تمت مصادرة راديو "كلمة" الذي تحول بعد اشترائه إلى بوق دعائي للرياحي وشركائه، نرى العشي مؤخرا قد سعى جاهدا إلى التفويت في دار الصباح وإذاعة شمس اف أم إلى سليم الرياحي.
ما يثير السخط في وزير الهانة الحالي، أنه لم يكتف بمسار الدعارة السياسية الذي انخرط ضمنه متاجرا بملفات المصادرة والأموال المنهوبة وأملاك الأجانب، ليغض الطرف عن تحول وزارته فعلا إلى وكر للدعارة، حيث صارت استباحة المحرمات جزءا من عمل هذه الوزارة التي يستحي المرء أحيانا من ذكر عيوبها المفزعة، بما من شأنه أن يسقط القناع عن كل أشكال التظاهر المغشوش بمكافحة الفساد من قبل الحكومة وسائر هيئات التستر عن الفساد التي تدور في فلكها.
حاتم العشي إذن، هو عنوان فشل حكومة الصيد، وهو رمز فساد وإفساد على رأس وزارة عشش فيها الفساد والدعارة ففرخت عصابة هي أشد انتهازية مما كانت عليه عصابات العهد البائد.
وما القضيّة التي رفعت بالمحكمة الإبتدائية بتونس بتاريخ 2 جوان 2016 ضد كلّ من سليم الرياحي وحاتم العشّي وزير أملاك الدولة ونجيب درويش وزير البيئة بتهمة تكوين عصابة وفاق لابتزاز رجال الأعمال وإهدار للمال العام واستغلال المرفق العام لمآرب شخصيّة إلا دليل صارخ على حجم هذه الإنتهازية. أضف إلى ذلك تستر الجميع على أسباب إقالة المكلف العام بنزاعات الدولة كمال الهذيلي الذي لا يكاد يغيب عن اجتماعات المكتب السياسي للإتحاد الوطني الحر.
كل هذا وأكثر يقع وسط صمت رهيب من بقية مكونات الإئتلاف الحكومي، بما يجعلنا نجزم أن الفساد صار في بلادنا سياسة دولة.
وبناء على كل ما تقدم، فإن أقل موقف يجب تسجيله ضد كل المتآمرين على البلاد والعباد ممن جعلهم الإستعمار جزء بسيطا من خطته في المسك بزمام الأمور في هذا البلد وأداة قذرة للتفويت في الأملاك والأراضي والعقارات لليهود والنصارى ووكلائهم، هو التبرأ من كل المسامير الصدئة التي تريد تثبيت نعش الإستعمار على أرض الزيتونة. أما معركة التحرير الحقيقية، فتستوجب تفكيك عصابة أملاك الدولة ومحاكمتها بتهمة التحيل والتلاعب بالمال العام، كما يفترض أن يتم حل هاته الوزارة بالكامل بعد أن غدت إرثا ثقيلا لا عمل له سوى تبديد مقدرات هذا الشعب التائه في بحر من ظلمات الوعود السياسية الزائفة. أو لم تكن العقارات الفلاحية قبل 1990 تابعة لوزارة الفلاحة، والإدارة العامة للإختبارات تابعة إلى وزارة التجهيز والإدارة العامة للتصرف والبيوعات تابعة لوزارة المالية وكذلك الشأن بالنسبة إلى الإدارة العامة للإقتناء والتحديد؟ ألا يمكن أن يكون لنزاعات الدولة جهاز خاص أو هيئة يرأسها قضاة الخصومات؟ فلماذا هذا الحجم من النفاق السياسي الذي يعتبر هذه الوزارة وكأنها منزهة مقدسة؟
Publié le: 2016-06-21 00:28:16


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.