بقلم وسام الأطرش، مهندس ألكتروميكانيك وممثل سابق للطلبة المهندسين في المجلس العلمي بالمدرسة الوطنية للمهندسين بصفاقس ولطلبة المعهد التحضيري للدراسات الهندسية. في سابقة هي الأولى في تاريخ تونس، اجتمعت ألوف مؤلفة من المهندسين والمهندسات من مختلف الإختصاصات والشرائح العمرية في مكان وزمان واحد، حيث هبّت هذه الجموع يوم السبت 22 أكتوبر 2016 على صعيد واحد من شمال البلاد إلى جنوبها في اتجاه قصر المؤتمرات بالعاصمة أين التأمت فعاليات تظاهرة "يوم المهندس" التي نظمتها عمادة المهندسين التونسيين "تحت سامي إشراف رئيس الحكومة" كما هو مفترض. من المعلوم بداهة أن الهندسة هي قطب الرحى في الدينامية الإقتصادية والصناعية لأي بلد يحترم كفاءاته، وهي المُولّد الأساسي للطاقة الإنتاجية في القطاعين العام والخاص، ولكنها في تونس قطاع لم تشمله الثورة وإصلاحاتها، ولا زيادة في الأجور، ولا حتى التفاتة بسيطة من قبل جميع الحكومات السابقة تُخرجها من حالة الضبابية والضياع في تعاطيها مع هذا الملف الحساس سواء في مرحلة التعليم أم في مرحلة الدخول إلى سوق الشغل. في المقابل ظل أبناء هذا القطاع يعملون في صمت ودون إضرار بدوران العجلة الإقتصادية للبلاد، حيث تكفي الإشارة في هذا السياق إلى أن آخر إضراب عام في القطاع الهندسي بتونس كان سنة 1988. في "يوم المهندس" كان جمع المهندسين غفيرا وكان اجتماعهم مهيبا، مما يعكس مدى تعطشهم إلى ملأ الفراغ الحاصل طيلة هذه السنوات العجاف عبر تمثيلية حقيقية تعبر عن آمال المهندس وآلامه، ثم عبر حكومة تستجيب إلى تطلعات كل مهندس في رأب الصدع وإعادة الإعتبار لمكانته ماديا وأدبيا كمنطلق لإسناده الدور الريادي الذي طالما تمناه وحدّث به نفسه، ولعلّ انتماء أصغر رئيس حكومة في تاريخ تونس "يوسف الشاهد" إلى القطاع الهندسي قد أعطى بصيص أمل لبعضهم في أن تولي رئاسة الحكومة هذا القطاع المهمش العناية اللازمة والإهتمام المطلوب! إلا أن "يوم المهندس"، قد أسقط القناع عن حكومة المهندس، فبدى رئيس الحكومة غريبا عن القطاع غير عابئ به، حيث وجدناه يحتفل يومها في نابل بالمؤتمر الثاني والعشرين للكشافة التونسية مستبشرا بتخصيص مبلغ المائة ألف دينار لهذه المنظمة، في الوقت الذي اشربأت فيه الأعناق في قصر المؤتمرات بالعاصمة تنتظر دخوله في كل لحظة، وهو الذي وعد قبيل وصوله إلى القصبة بأن يقف لتونس... ولكن الجمع فوجئ يومها بدخول وزير في حكومة الشاهد من خارج قطاع الهندسة، هو وزير العلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان المهدي بن غربية، والذي جلس على مقعد الضيافة مذهولا لما سمعه من مُضيّفه قبل أن يلقي الوزير مداخلته بصفته ممثلا لرئيس الحكومة، ولا يدري أحد من أين انتحل يومها هذه الصفة... فعاليات هذه التظاهرة التاريخية انطلقت بعرض مصور حول واقع المهندس في تونس، تلتها كلمة رئيس العمادة المهندس أسامة الخريجي، الذي تكلم فأوفى وجمع فأوعى خاصة فيما يتعلق بتشريح جثة القطاع الهندسي الملقاة على أكتاف الكادحين من أبناء هذا القطاع والتي صارت تتطلب تظافر كل الجهود من أجل إعادة إحيائها وبث الروح فيها. فلم يفته إعطاء الأرقام الصادمة والمقارنات الواضحة التي تبين الواقع المتردي والمخجل الذي صار يعيشه المهندس في تونس مقارنة بغيره في دول عربية أخرى أو بغيره من أصحاب المهن الأخرى في تونس، كما لم يفته الإشارة إلى أربع نقاط مهمة تحيلنا إلى أمر أشد خطورة من مجرد تهميش القطاع ونسيانه، هي ضربه وبشكل مباشر من قبل السلطة مما يطرح تساؤلات حول الجهة المستفيدة من إعدام سياسة التصنيع في تونس. وهذه النقاط الأربعة هي: - هيمنة السلطة التي كانت تعمل على جعل عمادة المهندسين مفرغةً من كل محتو ىو مجرد واجهة لتزيين الديكتاتورية. - تهميش دور المهندس بما انعكس على مكانته الاجتماعية وفاعليته في المشاركة في الحياة العامة والشأن السياسي. - معاينة إخلالات جوهرية في بعض المؤسسات الهندسية العمومية وأغلب المؤسسات الخاصة لها تأثير مباشر على تكوين المهندس من الناحيتين الأكاديمية والفنية. - استفحال ظاهرة انتصابالمدارسالهندسيةالخاصة دون أية رقابة جادة لمستوى خدماتها. من جهة أخرى، عرّج الخريجي في مداخلته على الدور الذي قام به مجلس العمادة في إعداد دراسة مرجعية تناولت أوضاع المهندسين الديمغرافية والمادية إضافة إلى وضعية التكوين الهندسي، والتي خلصت حسب قوله إلى نتائج مقلقة أكدت بالأرقام والبرهان ما كان منطبعا لدى أهل المهنة من تقييمات سلبية. جاء ذلك بعد تقديم تناول دور المهندس في بناء الدولة اقتصاديا والذي لخصه الخريجي بمقولته: "إذا أردت معرفة الوضعية الاقتصادية لمجتمع ما، فعليك أن تنظر إلى مكانة المهندس فيه". أما المهدي بن غربية، فيبدو أن عدم امتلاكه لشهادة جامعية واختصاصه في بعث شركات في مجال النقل والتسويق العقاري ورئاسته للنادي البنزرتي منذ 2011 وتمثيله الفجئي لرئاسة الحكومة فضلا عن السقفات المرتفعة لخطاب عميد المهندسين، هي عوامل اجتمعت لتضع هذا اللاعب الدخيل في وضعية التسلل وتحول دون تمكنه من إقناع جمهور المهندسين الذي استمات في مقاطعته في مناسبات متتالية إلى أن أزاحه خارج الميدان وأعاده إلى مقعده كضيف شرف إلى آخر اللقاء. يذكر أن التظاهرة تمت بحضور عدد من ممثلي الحكومة والبرلمان والأحزاب السياسية ومنظمات "المجتمع المدني"، وشهدت تكريما لعدد من المهندسين الذين ارتأت العمادة أن لهم دورا فعالا يُحسب لهم في العمل لفائدة تحسين صورة هذا القطاع، لعل من أبرزهم المهندس عمر رورو. الحلول الكفيلة بإخراج القطاع من أزمة مستفحلة، ومدى جدوى استعمال مؤشرات القياس المطبقة في الدول غير الصناعية على المهندس التونسي، وعلاقة العمادة بنقابة المهندسين، والموقف من التكريمات التي اعتبرها البعض سياسية وعلى رأسها تكريم رئيس الحكومة الأسبق المهدي جمعة بوصفه مهندسا، إلى جانب تسييس خطاب العمادة مع الثناء على المنظمات الراعية للحوار الوطني كمنطلق لفرض تحاور الحكومة معها، وغيرها من الأمور العالقة في تعاطي عمادة المهندسين مع كل ما يهم منظوريها ممن أرادتهم أن يكونوا تحت مظلتها بوصفها كما جاء على لسان عميدها الحالي "هيكلا جامعا لكلّ المهندسين أيا كانت اختصاصاتهم وأعمالهم وانتماءاتهم"، هي مسائل للنقاش الجاد والبنّاء في أطر الحوار الطبيعي مع ممثلي العمادة قبل التفكير في نشر غسيل القطاع في وسائل الإعلام أو في العالم الإفتراضي من زاوية أحادية، فيقوم أحدنا بالهدم بدل البناء لا سمح الله في الوقت الذي لم توصد فيه أبواب العمادة أمام من تولت مهمة تمثيلهم والذود عن حقوقهم. وفي جميع الأحوال فإن ما علق في أذهان جل الحاضرين هو أن "يوم المهندس" كان يوما فضحت فيه حكومة المهندس يوسف الشاهد، الذي بدا "مهندسا" ينقصه حرف "الهاء" في تعامله مع قطاع الهندسة، فكيف سيقنع شعبه بأنه سيقف مع تونس إذا لم يحسن التعامل مع القطاع الذي ينتمي إليه، أم أن حقوق النخبة الندائية عليه أنساه واجبه تجاه مهنته؟